زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
اخْتَر بين النمل والبنك
بداهة فإن المصارف في كل أنحاء الدنيا منحازة للأغنياء والوجهاء، وهذا هو سبب نكباتها المتكررة، لأنها تفكر مليون مرة قبل ملاحقة «الكبار» قضائيا، ولكنها شاطرة في ملاحقة المساكين، ويصادرون سيارتك لأنك دفعت 90 ألف كذا من قيمتها ولكنك لم تسدد آخر قسط مستحق (1500 كذا). وهكذا يسويها الكبار ونطيح فيها نحن المساكين. دعك من حالنا البائس أصلا، ففي أمريكا مثلا يفقد الملايين ممن تجاوزوا الستين كل ما ادخروه لشيخوختهم بسبب تقلبات السوق والبورصات، هذا هو غول السوق الحر عندما يكون بلا فرامل.
وأرجو ألا يفهم من ذلك أنني أسيء الظن بالبنوك عامة. لا، لست من هواة إصدار الأحكام المطلقة. فهناك بنوك «بلدية» وتدار بطرق بدائية وهناك بنوك عليها القيمة وعند كلمتها. في منطقتنا لن يتضرر من أزمة البنوك وأسواق المال سوى الشبعانين لدرجة التخمة الذين يتاجرون على الورق وجمعوا الملايين خاصة في المضاربات. وهب ان البنك الذي يتسلم راتبي انهار وأفلس! كل ما سأقوله: ما دائم إلا الله. وبي من الحياء ما يمنعني من العويل والنحيب على ما قد أخسره من مال نتيجة ذلك الإفلاس. كم المبلغ الذي سيضيع علي: عشرون ألفا؟ تسعون ألفا؟ يا عمي ضاع معظم العمر في الأوهام (وعود الرفاهية والرخاء وتحرير الأرض). ولا بديل للتعامل مع البنوك. بس ليت معظم الموظفين الذين لا تمتلئ جيوبهم بدرجة أو بأخرى مرة واحدة في كل شهر يعملون بالحكمة التي علمتني إياها أمي: اللي خالي من الدين غني. أن تكون غير مدين لأحد درجة مريحة من الغنى. وياما تعرضت لإغراءات من قبل أصدقاء يعملون في بنوك: لماذا تشتري السيارة نقدا. دع نقودك في حسابك وسنتولى نحن تمويل شراء السيارة! شكر الله سعيكم وسامحكم. تبيعون لي سيارة قيمتها 60 ألفا بـ79 ألفا وتحسبون أنكم قدمتم لي خدمة؟ يفتح الله! التمويل بالاقتراض ربما يصلح مع التاجر ورجل الأعمال والمستثمر، ولكنه لا يصلح مع شخص تعبان مثلي ومثلك. فابتعد عن غواية الاقتراض، وقبلها ابتعد عن غواية الاستعراض. أعني أنك لو تفاديت مجاراة الآخرين في مجال المظاهر، فإن ما عندك من مال سيستر حالك فلا تضطر الى الدين الذي هو ذلك بالنهار وهم بالليل.
كان لدينا في المرحلة الثانوية مدرس جغرافيا محبوب من الجميع، وكان دائم الشكوى من بؤس رواتب المعلمين، وذات يوم سأله طالب من نفس بلدته: ولكن أباك كان تاجرا معروفا، وبالتأكيد نلت نصيبا طيبا من إرثه بعد وفاته.. صاح المدرس: اسكت يا حمار. لا تقلب علي المواجع. فعندما أحس والدي رحمه الله بدنو الأجل قادنا الى ركن في البيت وطلب منا ان نحفر الأرض في موقع معين. وعلى عمق نحو قدم وجدنا فتافيت من الورق. طفق والدي يحفر الأرض بيديه ثم دخل في غيبوبة. اتضح انه كان يلف الأوراق النقدية في قصاصات صحف ويدفنها في تلك البقعة. ووجد النمل الأبيض طريقه إليها وهكذا صارت كل ثروة وتركة والدي من نصيب النمل. ولم تكن في متجره بضائع تكفي حتى لسداد قيمتها (الكمبيالات). ولو كانت هناك بنوك ولو كان أبو أستاذنا يتعامل مع البنوك لما «استفرد» النمل بثروته.
لنتوجه الى ولاية بيهار الهندية لمواساة عمنا دواريكا براساد الذي استأجر خزانة خاصة deposit box في بنك وضع فيها 16000 دولار هي مدخراته للتقاعد وذهب مؤخرا الى البنك ووجد أن نقوده طارت. أكلها النمل الأبيض وقالت إدارة البنك إنها مسؤولة فقط عن سلامة الخزانة من الكسر والتلف وإنه ليس هناك مادة في القانون الهندي تسمح بطلب تعويض من النمل. هذا ما قصدته بقولي «بنك عن بنك يفرق». عندنا مثل شعبي جميل في السودان يقول «يلمها النمل ويطؤها الفيل» أي أن الكائن الضعيف يجتهد في لم/ جمع ما يلزمه ويأتي كائن ضخم فيطؤها ويدمرها والمثل في الحكايتين أعلاه معكوس.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك