زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
ولدي فشّلني
خلال عملي في السفارة البريطانية في الخرطوم، كنت احتفظ بعدة كتب في مكتبي، وأقرأ فصلا أو فصولا من هذا الكتاب أو ذاك إذا لم يكن هناك عمل يتطلب الإنجاز الفوري، وذات يوم دخل علي مستشار السفارة رودنالد غرايمز، ونظر الى مجموعة كتبي وقال: لماذا لا أجد كتاب تاريخ بين مجموعتك هذه؟ فقلت له إنه لم يحدث ان قرأت شيئا من التاريخ خارج المناهج المدرسية، فقال لي إنه يعتقد أنه ما من مادة مكتوبة أمتع من كتب التاريخ ثم أهداني كتابي النيل الأزرق، والنيل الأبيض، لمؤلفهما ألن مورهيد، وكلاهما يتعلقان بتاريخ السودان القريب، وقرأت الكتابين وأدركت كم ظلمتنا المناهج وظلمت التاريخ.
منذ وقتها صرت اعتقد ان كتب التاريخ هي الأكثر إمتاعا، بشرط ألا تكون عن التاريخ العربي، الذي تستفز قراءته العقل والحواس من فرط تعرضه للتزوير، أشياء حدثت قبل خمس سنوات تجدها مدونة في كتبنا حاوية عجائب تجعلك تشك في قواك العقلية، وشغفي بالتاريخ جعلني أدمن الأفلام السينمائية التاريخية، والوثائقية (بالمناسبة فلأنني اكثر الحديث عن مقدمات البرامج في الفضائيات العربية فان ذلك يعطي الانطباع بأنني كثير المشاهدة للتلفزيون، ولكن ذلك غير صحيح، لأنني وبعون الله وفضله الله: صنت نفسي عما يدنس نفسي، وترفعت عن كل زفت ورجس، وقاطعت كافة القنوات العربية الرسمية والأهلية، وأتابع بعضها بانتقائية شديدة، فيما يتعلق بالأخبار)، وكان من بين الأفلام التي أعجبتني كثيرا في شبابي الباكر، فيلم محاكمات نورمبيرج، ويتعلق بمحاكمة بعض مساعدي هتلر عقب هزيمة النازية، وقد فاز بالأوسكار، وذهبت الى السينما في مدينة كوستي في أواسط السودان لمشاهدة الفيلم، ربما للمرة الرابعة، وأسعدني عدم وجود عدد كبير من المشاهدين، وبدأ الفيلم وتوالت أحداثه، ومعظمها مرافعات داخل المحكمة، فإذا بالأصوات تعلو في المقاعد الشعبية: ولّع النور خلينا نطلع. ثم تطايرت الكراسي والزجاجات الفارغة صوب الشاشة، وتم استدعاء الشرطة واتضح ان الجمهور محتج لان الفيلم «تافه» وليس فيه آكشن او حرب، وكله «كلام ساكت»، والكلام الساكت كما يعرف من يفهمون العامية السودانية هو الكلام الفارغ عديم المعنى. وكنا في تلك المدينة نتوجه الى دار السينما في أول المساء فإذا وجدنا طوابير يتزاحم فيها الخلق عدنا الى بيوتنا لأن الازدحام غالبا ما يكون على فيلم هندي او فيلم كاوبوي سخيف. والعكس صحيح، أي ان عدم وجود تزاحم على شبابيك التذاكر في دار السينما كان دليلا على ان هناك فيلما عليه القيمة.
مناسبة هذا الكلام هو أنني اصطحبت ذات مرة أصغر عيالي مروة ولؤي (كان عمريهما تسع وست سنوات على التوالي) الى السينما لمشاهدة فيلم بيرل هاربر، الذي يحكي كيف دمر اليابانيون الاسطول الامريكي في المحيط الهادي في أوائل أربعينيات القرن الماضي، ما قاد الى سلسلة من ردود الأفعال الأمريكية انتهت بالجريمة المروعة التي تمثلت في ضرب جزيرتي هيروشيما ونجاساكي بالقنابل النووية، وكان الفيلم مبهرا بكل المقاييس. عمل ضخم ذو فنيات عالية وبلغت تكاليفه أكثر من نصف مليار دولار. مئات الطائرات تعلو وتهبط والانفجارات تدوي في أركان القاعة، وطيارو الكاميكازي اليابانيون (الانتحاريون) يقتحمون السفن الحربية الامريكية بطائراتهم (وأعتقد ان جماعة بن لادن أخذوا فكرة ضرب برجي مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر من عام 2001، من اليابانيين) المهم: ضرب وعويل ومئات الجنود الأمريكيين يولولون طلبا للنجدة، ولؤي نايم (على وزن «وأنا أعيط»)، ولدي الذي هربت به من المناهج المدرسية العربية العقيمة، الى المنهج البريطاني، صونا لكرامة عقله، والذي أردت له ان يفهم جانبا مما يسمى بالحرب العالمية الثانية، وما يتردد من أن أحداث واشنطن ونيويورك في عام 2001، تشبه معركة بيرل هاربر. ولدي هذا، نائم والدنيا مقلوبة من حوله! وكلما علا دوي الانفجارات فتح عينا واحدة ليحافظ على النوم مخزونا في العين الثانية وسألني: باقي كم على الفيلم؟ او: ممكن اشتري فشار؟ واحضر له الفشار والكولا فيأخذ قضمة وشفطة ثم يميل رأسه على كتفي، وعندما علا شخيره وزفيره أيقظته بغلظة وقلت له: إما أن تتابع معنا الفيلم أو أنقلك الى مدرسة عربية!! ومنذ تلك اللحظة لم يعرف النوم طريقه إلى عينيه!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك