العدد : ١٧٦٨٣ - السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٣ - السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ولدي فشّلني

خلال‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬السفارة‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬الخرطوم،‭ ‬كنت‭ ‬احتفظ‭ ‬بعدة‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬مكتبي،‭ ‬وأقرأ‭ ‬فصلا‭ ‬أو‭ ‬فصولا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬عمل‭ ‬يتطلب‭ ‬الإنجاز‭ ‬الفوري،‭ ‬وذات‭ ‬يوم‭ ‬دخل‭ ‬علي‭ ‬مستشار‭ ‬السفارة‭ ‬رودنالد‭ ‬غرايمز،‭ ‬ونظر‭ ‬الى‭ ‬مجموعة‭ ‬كتبي‭ ‬وقال‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬أجد‭ ‬كتاب‭ ‬تاريخ‭ ‬بين‭ ‬مجموعتك‭ ‬هذه؟‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬ان‭ ‬قرأت‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬خارج‭ ‬المناهج‭ ‬المدرسية،‭ ‬فقال‭ ‬لي‭ ‬إنه‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬مادة‭ ‬مكتوبة‭ ‬أمتع‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬ثم‭ ‬أهداني‭ ‬كتابي‭ ‬النيل‭ ‬الأزرق،‭ ‬والنيل‭ ‬الأبيض،‭ ‬لمؤلفهما‭ ‬ألن‭ ‬مورهيد،‭ ‬وكلاهما‭ ‬يتعلقان‭ ‬بتاريخ‭ ‬السودان‭ ‬القريب،‭ ‬وقرأت‭ ‬الكتابين‭ ‬وأدركت‭ ‬كم‭ ‬ظلمتنا‭ ‬المناهج‭ ‬وظلمت‭ ‬التاريخ‭.‬

منذ‭ ‬وقتها‭ ‬صرت‭ ‬اعتقد‭ ‬ان‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬إمتاعا،‭ ‬بشرط‭ ‬ألا‭ ‬تكون‭ ‬عن‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬تستفز‭ ‬قراءته‭ ‬العقل‭ ‬والحواس‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬تعرضه‭ ‬للتزوير،‭ ‬أشياء‭ ‬حدثت‭ ‬قبل‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬تجدها‭ ‬مدونة‭ ‬في‭ ‬كتبنا‭ ‬حاوية‭ ‬عجائب‭ ‬تجعلك‭ ‬تشك‭ ‬في‭ ‬قواك‭ ‬العقلية،‭ ‬وشغفي‭ ‬بالتاريخ‭ ‬جعلني‭ ‬أدمن‭ ‬الأفلام‭ ‬السينمائية‭ ‬التاريخية،‭ ‬والوثائقية‭ (‬بالمناسبة‭ ‬فلأنني‭ ‬اكثر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مقدمات‭ ‬البرامج‭ ‬في‭ ‬الفضائيات‭ ‬العربية‭ ‬فان‭ ‬ذلك‭ ‬يعطي‭ ‬الانطباع‭ ‬بأنني‭ ‬كثير‭ ‬المشاهدة‭ ‬للتلفزيون،‭ ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬غير‭ ‬صحيح،‭ ‬لأنني‭ ‬وبعون‭ ‬الله‭ ‬وفضله‭ ‬الله‭: ‬صنت‭ ‬نفسي‭ ‬عما‭ ‬يدنس‭ ‬نفسي،‭ ‬وترفعت‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬زفت‭ ‬ورجس،‭ ‬وقاطعت‭ ‬كافة‭ ‬القنوات‭ ‬العربية‭ ‬الرسمية‭ ‬والأهلية،‭ ‬وأتابع‭ ‬بعضها‭ ‬بانتقائية‭ ‬شديدة،‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأخبار‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬أعجبتني‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬شبابي‭ ‬الباكر،‭ ‬فيلم‭ ‬محاكمات‭ ‬نورمبيرج،‭ ‬ويتعلق‭ ‬بمحاكمة‭ ‬بعض‭ ‬مساعدي‭ ‬هتلر‭ ‬عقب‭ ‬هزيمة‭ ‬النازية،‭ ‬وقد‭ ‬فاز‭ ‬بالأوسكار،‭ ‬وذهبت‭ ‬الى‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كوستي‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬السودان‭ ‬لمشاهدة‭ ‬الفيلم،‭ ‬ربما‭ ‬للمرة‭ ‬الرابعة،‭ ‬وأسعدني‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المشاهدين،‭ ‬وبدأ‭ ‬الفيلم‭ ‬وتوالت‭ ‬أحداثه،‭ ‬ومعظمها‭ ‬مرافعات‭ ‬داخل‭ ‬المحكمة،‭ ‬فإذا‭ ‬بالأصوات‭ ‬تعلو‭ ‬في‭ ‬المقاعد‭ ‬الشعبية‭: ‬ولّع‭ ‬النور‭ ‬خلينا‭ ‬نطلع‭. ‬ثم‭ ‬تطايرت‭ ‬الكراسي‭ ‬والزجاجات‭ ‬الفارغة‭ ‬صوب‭ ‬الشاشة،‭ ‬وتم‭ ‬استدعاء‭ ‬الشرطة‭ ‬واتضح‭ ‬ان‭ ‬الجمهور‭ ‬محتج‭ ‬لان‭ ‬الفيلم‭ ‬‮«‬تافه‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬فيه‭ ‬آكشن‭ ‬او‭ ‬حرب،‭ ‬وكله‭ ‬‮«‬كلام‭ ‬ساكت‮»‬،‭ ‬والكلام‭ ‬الساكت‭ ‬كما‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬يفهمون‭ ‬العامية‭ ‬السودانية‭ ‬هو‭ ‬الكلام‭ ‬الفارغ‭ ‬عديم‭ ‬المعنى‭. ‬وكنا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدينة‭ ‬نتوجه‭ ‬الى‭ ‬دار‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬المساء‭ ‬فإذا‭ ‬وجدنا‭ ‬طوابير‭ ‬يتزاحم‭ ‬فيها‭ ‬الخلق‭ ‬عدنا‭ ‬الى‭ ‬بيوتنا‭ ‬لأن‭ ‬الازدحام‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬فيلم‭ ‬هندي‭ ‬او‭ ‬فيلم‭ ‬كاوبوي‭ ‬سخيف‭. ‬والعكس‭ ‬صحيح،‭ ‬أي‭ ‬ان‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬تزاحم‭ ‬على‭ ‬شبابيك‭ ‬التذاكر‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬السينما‭ ‬كان‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬فيلما‭ ‬عليه‭ ‬القيمة‭.‬

مناسبة‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬اصطحبت‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬أصغر‭ ‬عيالي‭ ‬مروة‭ ‬ولؤي‭ (‬كان‭ ‬عمريهما‭ ‬تسع‭ ‬وست‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬التوالي‭) ‬الى‭ ‬السينما‭ ‬لمشاهدة‭ ‬فيلم‭ ‬بيرل‭ ‬هاربر،‭ ‬الذي‭ ‬يحكي‭ ‬كيف‭ ‬دمر‭ ‬اليابانيون‭ ‬الاسطول‭ ‬الامريكي‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهادي‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬أربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ما‭ ‬قاد‭ ‬الى‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭ ‬الأمريكية‭ ‬انتهت‭ ‬بالجريمة‭ ‬المروعة‭ ‬التي‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬ضرب‭ ‬جزيرتي‭ ‬هيروشيما‭ ‬ونجاساكي‭ ‬بالقنابل‭ ‬النووية،‭ ‬وكان‭ ‬الفيلم‭ ‬مبهرا‭ ‬بكل‭ ‬المقاييس‭. ‬عمل‭ ‬ضخم‭ ‬ذو‭ ‬فنيات‭ ‬عالية‭ ‬وبلغت‭ ‬تكاليفه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬مئات‭ ‬الطائرات‭ ‬تعلو‭ ‬وتهبط‭ ‬والانفجارات‭ ‬تدوي‭ ‬في‭ ‬أركان‭ ‬القاعة،‭ ‬وطيارو‭ ‬الكاميكازي‭ ‬اليابانيون‭ (‬الانتحاريون‭) ‬يقتحمون‭ ‬السفن‭ ‬الحربية‭ ‬الامريكية‭ ‬بطائراتهم‭ (‬وأعتقد‭ ‬ان‭ ‬جماعة‭ ‬بن‭ ‬لادن‭ ‬أخذوا‭ ‬فكرة‭ ‬ضرب‭ ‬برجي‭ ‬مركز‭ ‬التجارة‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬من‭ ‬اليابانيين‭) ‬المهم‭: ‬ضرب‭ ‬وعويل‭ ‬ومئات‭ ‬الجنود‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يولولون‭ ‬طلبا‭ ‬للنجدة،‭ ‬ولؤي‭ ‬نايم‭ (‬على‭ ‬وزن‭ ‬‮«‬وأنا‭ ‬أعيط‮»‬‭)‬،‭ ‬ولدي‭ ‬الذي‭ ‬هربت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬المناهج‭ ‬المدرسية‭ ‬العربية‭ ‬العقيمة،‭ ‬الى‭ ‬المنهج‭ ‬البريطاني،‭ ‬صونا‭ ‬لكرامة‭ ‬عقله،‭ ‬والذي‭ ‬أردت‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬يفهم‭ ‬جانبا‭ ‬مما‭ ‬يسمى‭ ‬بالحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وما‭ ‬يتردد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أحداث‭ ‬واشنطن‭ ‬ونيويورك‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬تشبه‭ ‬معركة‭ ‬بيرل‭ ‬هاربر‭. ‬ولدي‭ ‬هذا،‭ ‬نائم‭ ‬والدنيا‭ ‬مقلوبة‭ ‬من‭ ‬حوله‭! ‬وكلما‭ ‬علا‭ ‬دوي‭ ‬الانفجارات‭ ‬فتح‭ ‬عينا‭ ‬واحدة‭ ‬ليحافظ‭ ‬على‭ ‬النوم‭ ‬مخزونا‭ ‬في‭ ‬العين‭ ‬الثانية‭ ‬وسألني‭: ‬باقي‭ ‬كم‭ ‬على‭ ‬الفيلم؟‭ ‬او‭: ‬ممكن‭ ‬اشتري‭ ‬فشار؟‭ ‬واحضر‭ ‬له‭ ‬الفشار‭ ‬والكولا‭ ‬فيأخذ‭ ‬قضمة‭ ‬وشفطة‭ ‬ثم‭ ‬يميل‭ ‬رأسه‭ ‬على‭ ‬كتفي،‭ ‬وعندما‭ ‬علا‭ ‬شخيره‭ ‬وزفيره‭ ‬أيقظته‭ ‬بغلظة‭ ‬وقلت‭ ‬له‭: ‬إما‭ ‬أن‭ ‬تتابع‭ ‬معنا‭ ‬الفيلم‭ ‬أو‭ ‬أنقلك‭ ‬الى‭ ‬مدرسة‭ ‬عربية‭!! ‬ومنذ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬النوم‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬عينيه‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا