زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
أستاذة فيزياء بلهاء
بي نفور شديد من المكالمات الهاتفية التي تستغرق زمنا طويلا، لأنني من انصار مقولة ان خير الكلام ما قلّ ودلّ، ومن ثم فقد كنت- على حبي الشديد للشعر- شديد النفور من المعلقات الشعرية، ولم يحدث ان نجحت في الاستماع الى أغنية كاملة للمطربة ام كلثوم، ما جلب عليّ الاتهام بالتخلف العقلي واختلال غدد التذوق الموسيقي.
والآن فقط أدركت لماذا أنا شديد التحسس تجاه الهاتف والمكالمات الهاتفية، وتركبني العفاريت عندما يرن هاتفي، ولو كان الأمر بيدي لأضفت إلى القانون الجنائي مادة تجعل الاتصالات الهاتفية الطويلة الأمد جريمة عقوبتها الجلد في الشتاء بعد غمس ملابس المجلود في الماء. ثم اكتشفت أنني على حق في التنرفز من الهاتف، فقد قرأت كلاما لأستاذة الفيزياء الدكتورة جنيفر ماتنجلي من معهد التحقق من الظواهر الخارقة للعادة، في مانشستر ببريطانيا، مفاده ان الأشباح هي التي تتصل بي هاتفيا فتصيبني بشد عصبي، والأشباح على حد زعم الدكتورة ماتنجلي صارت تستخدم الانترنت لممارسة «التشات» أي الحوار المكتوب المباشر، حيث يجلس شخصان في مكانين منفصلين، ويتآنسان في الفاضي والمليان، ووفق الدراسة التي أجرتها الباحثة فإن المكالمات الهاتفية التي ترد إلينا في أوقات غير معهودة فنرفع السماعات لنسمع فقط خشخشة خفيفة، مصدرها الأشباح، ويبدو ان الأشباح صارت جبانة او ذات حياء لأنها كفت تقريبا عن ممارسة تلك العادة الرذيلة بعد ظهور الهواتف كاشفة الأرقام، ولكن الباحثة البريطانية تقول انها راجعت شركة الاتصالات بشأن مكالمات صادرة عن أشباح واتضح لها أن أنظمة الشركة تعجز عن رصدها. وعن أمثال الدكتورة ماتنجلي هذه نقول في السودان إن «القلم لا يزيل البلم» والبلم هو الغباء والبلاهة، أي أن التعليم لا يجعل من كل انسان شخصا نابها.
وقد اتى علي حين من الدهر كنت احسب فيه ان جميع المكالمات الهاتفية مصدرها أشباح، وكنت في المرحلة الثانوية عندما أتاني من يقول ان أخي يريد ان يكلمني على الهاتف الموجود في مكتب الناظر أي مدير المدرسة، ولم يكن التلاميذ يدخلون مكتب الناظر إلا إذا صدر بحقهم حكم بالإعدام، أي الفصل من الدراسة، ورغم ان المسافة الى مكتب الناظر لم تكن تزيد على خمسين مترا إلا أنني متأكد من أنني قرأت «يس» وأنا أجتازها عدة مرات، فلم اكن قبلها قد استخدمت الهاتف، ودخلت مكتب المدير ومثانتي في حالة تحفز، ولحسن حظي كان المكتب خاليا إلا من الفراش الذي استدعاني، والذي مد الي السماعة فوضعتها على أذني ووقفت لا انطق بكلمة، فصاح بي الفراش قول: ألو! فقلت: الو، ولكنني لم أتلق ردا هنا، فانتزع مني الفراش السماعة وصحح وضعها، لأنني كنت امسك بها بالمقلوب وما ان سمعت صوت شقيقي حتى انتابني ضحك هستيري لم يقطعه إلا صوته الزاجر: اسكت يا غبي! ثم قال لي ان حبوبة أي جدتي ماتت، ولكنني واصلت الضحك فجاء صوت أخي هادرا: أنت عبيط؟ وظللت بقية اليوم أتجول في أرجاء المدرسة لأخبر الجميع بأن جدتي ماتت ثم أصل الى «زبدة» الموضوع وهو انني عرفت «الخبر» بالتلفون، ولم يكلف زملائي أنفسهم مواساتي على فقدي لجدتي بل صرت محل إعجابهم وتقديرهم، وهناك من هنأني بكلام من شاكلة: أنت دائم محظوظ ومتفوق، إن شاء الله نسمع عنك المزيد من الإنجازات المشرفة.
وبصراحة فقد كان فرحي باستخدام الهاتف اقوى من حزني على جدتي، ما يؤكد انني فعلا كنت عبيطا، مثل الآلاف في هذا الزمان الذين يستغلون موت عزيز للتباهي بمكانته ومكانتهم الاجتماعية والمالية: والفقيد نجل المرحوم سداح مداح الفراش بمكتب وزير الشؤون البعيرية، وابن عم سائق السيارة الرولزرويس الخاصة بوزير المياه الغازية، وقد مات في عز شبابه عند اصطدام سيارته الجديدة بعمارة عمه في سوق الفشخرانية. وسيشيع جثمانه على سيارة هامر إلى مقابر الهيلتون.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك