العدد : ١٧٧٢٠ - الاثنين ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٠ - الاثنين ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

أستاذة فيزياء بلهاء

بي‭ ‬نفور‭ ‬شديد‭ ‬من‭ ‬المكالمات‭ ‬الهاتفية‭ ‬التي‭ ‬تستغرق‭ ‬زمنا‭ ‬طويلا،‭ ‬لأنني‭ ‬من‭ ‬انصار‭ ‬مقولة‭ ‬ان‭ ‬خير‭ ‬الكلام‭ ‬ما‭ ‬قلّ‭ ‬ودلّ،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭- ‬على‭ ‬حبي‭ ‬الشديد‭ ‬للشعر‭- ‬شديد‭ ‬النفور‭ ‬من‭ ‬المعلقات‭ ‬الشعرية،‭ ‬ولم‭ ‬يحدث‭ ‬ان‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الاستماع‭ ‬الى‭ ‬أغنية‭ ‬كاملة‭ ‬للمطربة‭ ‬ام‭ ‬كلثوم،‭ ‬ما‭ ‬جلب‭ ‬عليّ‭ ‬الاتهام‭ ‬بالتخلف‭ ‬العقلي‭ ‬واختلال‭ ‬غدد‭ ‬التذوق‭ ‬الموسيقي‭.‬

والآن‭ ‬فقط‭ ‬أدركت‭ ‬لماذا‭ ‬أنا‭ ‬شديد‭ ‬التحسس‭ ‬تجاه‭ ‬الهاتف‭ ‬والمكالمات‭ ‬الهاتفية،‭ ‬وتركبني‭ ‬العفاريت‭ ‬عندما‭ ‬يرن‭ ‬هاتفي،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬بيدي‭ ‬لأضفت‭ ‬إلى‭ ‬القانون‭ ‬الجنائي‭ ‬مادة‭ ‬تجعل‭ ‬الاتصالات‭ ‬الهاتفية‭ ‬الطويلة‭ ‬الأمد‭ ‬جريمة‭ ‬عقوبتها‭ ‬الجلد‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭ ‬بعد‭ ‬غمس‭ ‬ملابس‭ ‬المجلود‭ ‬في‭ ‬الماء‭. ‬ثم‭ ‬اكتشفت‭ ‬أنني‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬التنرفز‭ ‬من‭ ‬الهاتف،‭ ‬فقد‭ ‬قرأت‭ ‬كلاما‭ ‬لأستاذة‭ ‬الفيزياء‭ ‬الدكتورة‭ ‬جنيفر‭ ‬ماتنجلي‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬الخارقة‭ ‬للعادة،‭ ‬في‭ ‬مانشستر‭ ‬ببريطانيا،‭ ‬مفاده‭ ‬ان‭ ‬الأشباح‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتصل‭ ‬بي‭ ‬هاتفيا‭ ‬فتصيبني‭ ‬بشد‭ ‬عصبي،‭ ‬والأشباح‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬زعم‭ ‬الدكتورة‭ ‬ماتنجلي‭ ‬صارت‭ ‬تستخدم‭ ‬الانترنت‭ ‬لممارسة‭ ‬‮«‬التشات‮»‬‭ ‬أي‭ ‬الحوار‭ ‬المكتوب‭ ‬المباشر،‭ ‬حيث‭ ‬يجلس‭ ‬شخصان‭ ‬في‭ ‬مكانين‭ ‬منفصلين،‭ ‬ويتآنسان‭ ‬في‭ ‬الفاضي‭ ‬والمليان،‭ ‬ووفق‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬أجرتها‭ ‬الباحثة‭  ‬فإن‭ ‬المكالمات‭ ‬الهاتفية‭ ‬التي‭ ‬ترد‭ ‬إلينا‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬غير‭ ‬معهودة‭ ‬فنرفع‭ ‬السماعات‭ ‬لنسمع‭ ‬فقط‭ ‬خشخشة‭ ‬خفيفة،‭ ‬مصدرها‭ ‬الأشباح،‭ ‬ويبدو‭ ‬ان‭ ‬الأشباح‭ ‬صارت‭ ‬جبانة‭ ‬او‭ ‬ذات‭ ‬حياء‭ ‬لأنها‭ ‬كفت‭ ‬تقريبا‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬تلك‭ ‬العادة‭ ‬الرذيلة‭ ‬بعد‭ ‬ظهور‭ ‬الهواتف‭ ‬كاشفة‭ ‬الأرقام،‭ ‬ولكن‭ ‬الباحثة‭ ‬البريطانية‭ ‬تقول‭ ‬انها‭ ‬راجعت‭ ‬شركة‭ ‬الاتصالات‭ ‬بشأن‭ ‬مكالمات‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬أشباح‭ ‬واتضح‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬أنظمة‭ ‬الشركة‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬رصدها‭. ‬وعن‭ ‬أمثال‭ ‬الدكتورة‭ ‬ماتنجلي‭ ‬هذه‭ ‬نقول‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬إن‭ ‬‮«‬القلم‭ ‬لا‭ ‬يزيل‭ ‬البلم‮»‬‭ ‬والبلم‭ ‬هو‭ ‬الغباء‭ ‬والبلاهة،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬لا‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬انسان‭ ‬شخصا‭ ‬نابها‭.‬

وقد‭ ‬اتى‭ ‬علي‭ ‬حين‭ ‬من‭ ‬الدهر‭ ‬كنت‭ ‬احسب‭ ‬فيه‭ ‬ان‭ ‬جميع‭ ‬المكالمات‭ ‬الهاتفية‭ ‬مصدرها‭ ‬أشباح،‭ ‬وكنت‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭ ‬عندما‭ ‬أتاني‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬ان‭ ‬أخي‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬يكلمني‭ ‬على‭ ‬الهاتف‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬مكتب‭ ‬الناظر‭ ‬أي‭ ‬مدير‭ ‬المدرسة،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬التلاميذ‭ ‬يدخلون‭ ‬مكتب‭ ‬الناظر‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬صدر‭ ‬بحقهم‭ ‬حكم‭ ‬بالإعدام،‭ ‬أي‭ ‬الفصل‭ ‬من‭ ‬الدراسة،‭ ‬ورغم‭ ‬ان‭ ‬المسافة‭ ‬الى‭ ‬مكتب‭ ‬الناظر‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬خمسين‭ ‬مترا‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬متأكد‭ ‬من‭ ‬أنني‭ ‬قرأت‭ ‬‮«‬يس‮»‬‭ ‬وأنا‭ ‬أجتازها‭ ‬عدة‭ ‬مرات،‭ ‬فلم‭ ‬اكن‭ ‬قبلها‭ ‬قد‭ ‬استخدمت‭ ‬الهاتف،‭ ‬ودخلت‭ ‬مكتب‭ ‬المدير‭ ‬ومثانتي‭ ‬في‭  ‬حالة‭ ‬تحفز،‭ ‬ولحسن‭ ‬حظي‭ ‬كان‭ ‬المكتب‭ ‬خاليا‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬الفراش‭ ‬الذي‭ ‬استدعاني،‭ ‬والذي‭ ‬مد‭ ‬الي‭ ‬السماعة‭  ‬فوضعتها‭ ‬على‭ ‬أذني‭ ‬ووقفت‭ ‬لا‭ ‬انطق‭ ‬بكلمة،‭ ‬فصاح‭ ‬بي‭ ‬الفراش‭ ‬قول‭: ‬ألو‭! ‬فقلت‭: ‬الو،‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬أتلق‭ ‬ردا‭ ‬هنا،‭ ‬فانتزع‭ ‬مني‭ ‬الفراش‭ ‬السماعة‭ ‬وصحح‭ ‬وضعها،‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬امسك‭ ‬بها‭ ‬بالمقلوب‭ ‬وما‭ ‬ان‭ ‬سمعت‭ ‬صوت‭ ‬شقيقي‭ ‬حتى‭ ‬انتابني‭ ‬ضحك‭ ‬هستيري‭ ‬لم‭ ‬يقطعه‭ ‬إلا‭ ‬صوته‭ ‬الزاجر‭: ‬اسكت‭ ‬يا‭ ‬غبي‭! ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬ان‭ ‬حبوبة‭ ‬أي‭ ‬جدتي‭ ‬ماتت،‭ ‬ولكنني‭ ‬واصلت‭ ‬الضحك‭ ‬فجاء‭ ‬صوت‭ ‬أخي‭ ‬هادرا‭: ‬أنت‭ ‬عبيط؟‭ ‬وظللت‭ ‬بقية‭ ‬اليوم‭ ‬أتجول‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المدرسة‭ ‬لأخبر‭ ‬الجميع‭ ‬بأن‭ ‬جدتي‭ ‬ماتت‭ ‬ثم‭ ‬أصل‭ ‬الى‭ ‬‮«‬زبدة‮»‬‭ ‬الموضوع‭ ‬وهو‭ ‬انني‭ ‬عرفت‭ ‬‮«‬الخبر‮»‬‭ ‬بالتلفون،‭ ‬ولم‭ ‬يكلف‭ ‬زملائي‭ ‬أنفسهم‭ ‬مواساتي‭ ‬على‭ ‬فقدي‭ ‬لجدتي‭ ‬بل‭ ‬صرت‭ ‬محل‭ ‬إعجابهم‭ ‬وتقديرهم،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬هنأني‭ ‬بكلام‭ ‬من‭ ‬شاكلة‭: ‬أنت‭ ‬دائم‭ ‬محظوظ‭ ‬ومتفوق،‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬نسمع‭ ‬عنك‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الإنجازات‭ ‬المشرفة‭.‬

وبصراحة‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬فرحي‭ ‬باستخدام‭ ‬الهاتف‭ ‬اقوى‭ ‬من‭ ‬حزني‭ ‬على‭ ‬جدتي،‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬انني‭ ‬فعلا‭ ‬كنت‭ ‬عبيطا،‭ ‬مثل‭ ‬الآلاف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمان‭ ‬الذين‭ ‬يستغلون‭ ‬موت‭ ‬عزيز‭ ‬للتباهي‭ ‬بمكانته‭ ‬ومكانتهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمالية‭: ‬والفقيد‭ ‬نجل‭ ‬المرحوم‭ ‬سداح‭ ‬مداح‭ ‬الفراش‭ ‬بمكتب‭ ‬وزير‭ ‬الشؤون‭ ‬البعيرية،‭ ‬وابن‭ ‬عم‭ ‬سائق‭ ‬السيارة‭ ‬الرولزرويس‭ ‬الخاصة‭ ‬بوزير‭ ‬المياه‭ ‬الغازية،‭ ‬وقد‭ ‬مات‭ ‬في‭ ‬عز‭ ‬شبابه‭ ‬عند‭ ‬اصطدام‭ ‬سيارته‭ ‬الجديدة‭ ‬بعمارة‭ ‬عمه‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الفشخرانية‭.‬‭ ‬وسيشيع‭ ‬جثمانه‭ ‬على‭ ‬سيارة‭ ‬هامر‭ ‬إلى‭ ‬مقابر‭ ‬الهيلتون‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا