العدد : ١٧٧١٥ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٥ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

بين الكهولة والغباء

معظم‭ ‬بني‭ ‬البشر‭ ‬ومن‭ ‬مختلف‭ ‬الشرائح‭ ‬العمرية‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬اختلال‭ ‬الذاكرة‭ ‬قصيرة‭ ‬الأمد،‭ ‬أي‭ ‬أنهم‭ ‬ينسون‭ ‬أمورا‭ ‬تتعلق‭ ‬بساعات‭ ‬او‭ ‬حتى‭ ‬دقائق‭ ‬قليلة‭ ‬مضت،‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الشخصي‭ ‬فإنني‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬أغادر‭ ‬السرير‭ ‬أو‭ ‬الكرسي‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬او‭ ‬المكتب‭ ‬متوجها‭ ‬الى‭ ‬غرفة‭ ‬أخرى،‭ ‬وأدخل‭ ‬تلك‭ ‬الغرفة‭ ‬الأخرى‭ ‬محدقا‭ ‬في‭ ‬محتوياتها‭ ‬في‭ ‬بلاهة،‭ ‬لأنني‭ ‬أكون‭ ‬قد‭ ‬نسيت‭ ‬ماذا‭ ‬كنت‭ ‬أريد‭ ‬فيها‭. ‬وقد‭ ‬أنزل‭ ‬من‭ ‬السيارة‭ ‬وبعد‭ ‬عدة‭ ‬ساعات‭ ‬يأتيني‭ ‬شخص‭ ‬ليبلغني‭ ‬ان‭ ‬محركها‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يدور،‭ ‬أو‭ ‬أتوجه‭ ‬الى‭ ‬فندق‭ ‬شمشون‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬محاضرة‭ ‬مهمة،‭ ‬لاكتشف‭ ‬ان‭ ‬المحاضرة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬‮«‬دليلة‮»‬‭ ‬الليلة‭ ‬قبل‭ ‬الماضية‭. ‬وحدث‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬ان‭ ‬لاحظت‭ ‬ان‭ ‬معجون‭ ‬الاسنان‭ ‬الذي‭ ‬استخدمته‭ ‬غريب‭ ‬الطعم،‭ ‬لتقول‭ ‬لي‭ ‬زوجتي‭ ‬أنني‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬المعجون‭ ‬من‭ ‬أنبوب‭ ‬الكريم‭ ‬المضاد‭ ‬لجفاف‭ ‬البشرة‭. ‬وعندي‭ ‬عدة‭ ‬نسخ‭ ‬من‭ ‬مفتاح‭ ‬السيارة‭ ‬كلفتني‭ ‬مبالغ‭ ‬ليست‭ ‬بالبسيطة،‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬المألوف‭ ‬ان‭ ‬أقلب‭ ‬البيت‭ ‬رأسا‭ ‬على‭ ‬عقب‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬المفتاح،‭ ‬وتلك‭ ‬النسخ‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬لأنهم‭ ‬سئموا‭ ‬اتهاماتي‭ ‬المتكررة‭ ‬لهم‭ ‬بأنهم‭ ‬يحركون‭ ‬المفاتيح‭ ‬من‭ ‬المواقع‭ ‬التي‭ ‬أتركها‭ ‬فيها‭.‬

قبل‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬جلست‭ ‬لامتحان‭ ‬في‭ ‬الخارجية‭ ‬السودانية‭ ‬اجتزته‭ ‬بجدارة،‭ ‬وكان‭ ‬متضمنا‭ ‬اختبار‭ ‬ذكاء،‭ ‬كشف‭ ‬ان‭ ‬معدل‭ ‬ذكائي‭ (‬آي‭. ‬كيو‭) ‬135%‭ ‬وهو‭ ‬نفس‭ ‬معدل‭ ‬الذكاء‭ ‬الذي‭ ‬أوصل‭ ‬بيل‭ ‬كلينتون‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ (‬وأنا‭ ‬أيضا‭ ‬أقيم‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أبيض‭ ‬ولكنه‭ ‬مستأجر‭). ‬هل‭ ‬الشواهد‭ ‬التي‭ ‬أوردتها‭ ‬أعلاه‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أنني‭ ‬أصبحت‭ ‬غبيا‭ ‬أم‭ ‬أنني‭ ‬أصبحت‭ ‬كهلا؟‭ ‬أم‭ ‬الاثنين‭ ‬معا؟‭ ‬ولعل‭ ‬بعض‭ ‬القراء‭ ‬يذكرون‭ ‬الكارثة‭ ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬عنها‭ ‬بدخولي‭ ‬حمامات‭ ‬نسائية‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬ضخم‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬السعودية‭ ‬الرياض،‭ ‬وكيف‭ ‬جن‭ ‬جنوني‭ ‬وثار‭ ‬غضبي‭ ‬عندما‭ ‬اكتشفت‭ ‬بداخله‭ ‬فتاة‭ (‬حسبت‭ ‬أنها‭ ‬قليلة‭ ‬الحياء‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬اكتشفت‭ ‬لاحقا‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬رسم‭ ‬واضح‭ ‬يشير‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬الحمامات‭ ‬مخصصة‭ ‬للنساء‭ ‬وأن‭ ‬قليل‭ ‬الحياء‭ (‬ولو‭ ‬سهوا‭) ‬كان‭ ‬ابو‭ ‬الجعافر‭ ‬سليل‭ ‬العناتر‭.‬

شخصيا‭ ‬أفضل‭ ‬ان‭ ‬يقال‭ ‬عني‭ ‬غبي‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬يقال‭ ‬عني‭ ‬‮«‬كهل‭/ ‬عجوز‮»‬،‭ ‬ليس‭ ‬لأنني‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬المتصابي،‭ ‬الذي‭ ‬يكذب‭ ‬بشأن‭ ‬سنة‭ ‬مولده،‭ ‬بل‭ ‬لأنني‭ ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬قط‭ ‬بأنني‭ ‬متقدم‭ ‬في‭ ‬السن،‭ ‬فما‭ ‬زلت‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬12‭ ‬ساعة‭ ‬يوميا،‭ ‬وعملي‭ (‬كتابة‭ ‬النصوص‭ ‬والسيناريوهات‭) ‬ليس‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الآلي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬تؤديه‭ ‬بدون‭ ‬تركيز،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬يقظة‭ ‬ذهنية‭ ‬كاملة،‭ ‬ولكن‭ ‬المشكلة‭ ‬هي‭ ‬انني‭ ‬قد‭ ‬اعمل‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬12‭ ‬ساعة‭ ‬ثم‭ ‬اكتشف‭ ‬ان‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الخطأ،‭ ‬وقد‭ ‬أنجز‭ ‬عملا‭ ‬يستغرق‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬المواعيد‭ ‬المحددة،‭ ‬ثم‭ ‬أرسل‭ ‬الأوراق‭ ‬المتعلقة‭ ‬به‭ ‬الى‭ ‬جهة‭ ‬الاختصاص،‭ ‬فتصلني‭ ‬الأوراق‭ ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬ومعها‭ ‬مذكرة‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬يبدو‭ ‬انك‭ ‬ارسلت‭ ‬الينا‭ ‬هذه‭ ‬الأوراق‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الخطأ‭.. ‬مؤسسة‭ ‬برابيرو‭ ‬للتنظيفات‮»‬‭. ‬يعني،‭ ‬أعاني‭ ‬من‭ ‬خلل‭ ‬ما،‭ ‬ولا‭ ‬أتذكر‭ ‬الأشياء‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬قبل‭ ‬سويعات‭ ‬أو‭ ‬أيام‭ ‬قليلة،‭ ‬ولكن‭ ‬أليس‭ ‬هذا‭ ‬دليل‭ ‬كِبر‭ ‬وتقدم‭ ‬في‭ ‬السن؟‭ ‬جائز؟‭ ‬ولكنني‭ ‬لست‭ ‬مقتنعا‭ ‬بأنني‭ ‬‮«‬عجوز‮»‬‭ ‬لأنني‭ ‬فعلا‭ ‬لست‭ ‬عجوزا،‭ ‬ولا‭ ‬أحب‭ ‬مجالسة‭ ‬العجائز‭ ‬الذين‭ ‬يشكون‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭! ‬ثم‭ ‬إنني‭ ‬أذكر‭ ‬تفاصيل‭ ‬أحداث‭ ‬مرت‭ ‬بي‭ ‬وأنا‭ ‬طفل‭ ‬صغير‭ ‬وأذكر‭ ‬تواريخ‭ ‬أحداث‭ ‬جسام‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬المضطرب‭! ‬يعني‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬عقلي‭ ‬‮«‬صاحيا‮»‬‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هناك‭ ‬هو‭ ‬انني‭ ‬أعاني‭ ‬من‭ ‬خلل‭ ‬بسيط‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬يجعلني‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬العراقي‭ ‬الحالي‭: ‬هل‭ ‬هو‭ ‬نوري‭ ‬السعيد‭ ‬أم‭ ‬كاظم‭ ‬الساهر‭! ‬وربما‭ ‬منشأ‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬أنني‭ ‬احمل‭ ‬جينات‭ ‬إفريقية‭ ‬–‭ ‬عربية،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تسبب‭ ‬لي‭ ‬حالة‭ ‬النسيان‭ ‬والتوهان‭ ‬لأنها‭ ‬جينات‭ ‬أدمنت‭ ‬الفبركة‭ ‬والتزوير‭ ‬وقلب‭ ‬الحقائق‭ ‬فلا‭ ‬يعود‭ ‬حاملها‭ ‬يعرف‭ ‬الخطأ‭ ‬من‭ ‬الصواب‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا