زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
بين الكهولة والغباء
معظم بني البشر ومن مختلف الشرائح العمرية يعانون من اختلال الذاكرة قصيرة الأمد، أي أنهم ينسون أمورا تتعلق بساعات او حتى دقائق قليلة مضت، وعلى المستوى الشخصي فإنني كثيرا ما أغادر السرير أو الكرسي في البيت او المكتب متوجها الى غرفة أخرى، وأدخل تلك الغرفة الأخرى محدقا في محتوياتها في بلاهة، لأنني أكون قد نسيت ماذا كنت أريد فيها. وقد أنزل من السيارة وبعد عدة ساعات يأتيني شخص ليبلغني ان محركها ما زال يدور، أو أتوجه الى فندق شمشون لأن هناك محاضرة مهمة، لاكتشف ان المحاضرة كانت في فندق «دليلة» الليلة قبل الماضية. وحدث أكثر من مرة ان لاحظت ان معجون الاسنان الذي استخدمته غريب الطعم، لتقول لي زوجتي أنني حصلت على المعجون من أنبوب الكريم المضاد لجفاف البشرة. وعندي عدة نسخ من مفتاح السيارة كلفتني مبالغ ليست بالبسيطة، بعد ان صار من المألوف ان أقلب البيت رأسا على عقب بحثا عن «المفتاح، وتلك النسخ موزعة على أفراد العائلة لأنهم سئموا اتهاماتي المتكررة لهم بأنهم يحركون المفاتيح من المواقع التي أتركها فيها.
قبل سنوات طويلة جلست لامتحان في الخارجية السودانية اجتزته بجدارة، وكان متضمنا اختبار ذكاء، كشف ان معدل ذكائي (آي. كيو) 135% وهو نفس معدل الذكاء الذي أوصل بيل كلينتون الى البيت الأبيض (وأنا أيضا أقيم في بيت أبيض ولكنه مستأجر). هل الشواهد التي أوردتها أعلاه دليل على أنني أصبحت غبيا أم أنني أصبحت كهلا؟ أم الاثنين معا؟ ولعل بعض القراء يذكرون الكارثة التي كتبت عنها بدخولي حمامات نسائية في مستشفى ضخم في العاصمة السعودية الرياض، وكيف جن جنوني وثار غضبي عندما اكتشفت بداخله فتاة (حسبت أنها قليلة الحياء)، ثم اكتشفت لاحقا ان هناك رسم واضح يشير الى ان تلك الحمامات مخصصة للنساء وأن قليل الحياء (ولو سهوا) كان ابو الجعافر سليل العناتر.
شخصيا أفضل ان يقال عني غبي من ان يقال عني «كهل/ عجوز»، ليس لأنني من النوع المتصابي، الذي يكذب بشأن سنة مولده، بل لأنني لا أشعر قط بأنني متقدم في السن، فما زلت قادرا على العمل 12 ساعة يوميا، وعملي (كتابة النصوص والسيناريوهات) ليس من النوع الآلي الذي قد تؤديه بدون تركيز، بل يتطلب يقظة ذهنية كاملة، ولكن المشكلة هي انني قد اعمل يوما ما 12 ساعة ثم اكتشف ان ذلك كان في الشأن الخطأ، وقد أنجز عملا يستغرق عدة أيام في المواعيد المحددة، ثم أرسل الأوراق المتعلقة به الى جهة الاختصاص، فتصلني الأوراق بعد قليل ومعها مذكرة تقول: «يبدو انك ارسلت الينا هذه الأوراق عن طريق الخطأ.. مؤسسة برابيرو للتنظيفات». يعني، أعاني من خلل ما، ولا أتذكر الأشياء الصغيرة التي حدثت قبل سويعات أو أيام قليلة، ولكن أليس هذا دليل كِبر وتقدم في السن؟ جائز؟ ولكنني لست مقتنعا بأنني «عجوز» لأنني فعلا لست عجوزا، ولا أحب مجالسة العجائز الذين يشكون على مدار الساعة من كل شيء! ثم إنني أذكر تفاصيل أحداث مرت بي وأنا طفل صغير وأذكر تواريخ أحداث جسام عبر التاريخ العربي المضطرب! يعني ما زال عقلي «صاحيا» وكل ما هناك هو انني أعاني من خلل بسيط في الذاكرة يجعلني لا أعرف على وجه التحديد من هو رئيس الوزراء العراقي الحالي: هل هو نوري السعيد أم كاظم الساهر! وربما منشأ هذا الخلل أنني احمل جينات إفريقية – عربية، وهي التي تسبب لي حالة النسيان والتوهان لأنها جينات أدمنت الفبركة والتزوير وقلب الحقائق فلا يعود حاملها يعرف الخطأ من الصواب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك