زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
تباين في تقديم العزاء
قبل أيام قليلة فقدَ صديق عزيز من أهل السودان في العاصمة القطرية الدوحة والدته، واجتمعنا لديه معزين، وكان بيننا نفر من أصدقائه من مختلف الدول العربية، وبعد ان طال جلوسنا معه قال لنا: تفضلوا يا جماعة، شكر الله سعيكم، روحوا بيوتكم ارتاحوا. هذا أمر متعارف عليه في بيوت العزاء في السودان وهو ان «صاحب العزاء» يعرب عن تقديره لظروف المعزين ويشكرهم ويرجوهم ان ينصرفوا لشؤونهم الخاصة، بمعنى انه لا يريد ان يثقل عليهم لإدراكه ان لديهم مشاغل أخرى، فينصرف الناس عنه ليعودوا في غالب الأحوال أكثر من مرة لتخفيف وقع المصاب عليه، ومن أجمل الممارسات عندنا والتي أتمنى ألا تختفي، ان في كل سرادق عزاء شخص يمسك بدفتر وقلم، ليسجل إسهامات أصدقاء وأقارب صاحب العزاء في تكاليف «المأتم»، فقبل الانصراف من خيمة او سرادق العزاء يتوجه الناس الى صاحب الدفتر للجود بالموجود، ويحتفظ صاحب العزاء بذلك الدفتر ليعرف من أسهموا في المأتم الخاص به، ويرد لهم الصاع صاعين، بأن يدفع لهم أحيانا ضعف ما دفعوه له اذا أصابهم مكروه في عزيز لديهم، (من دون مراعاة فرق التضخم)، أحد ظرفاء بلدتنا في شمال السودان النوبي، عمنا فضل كبسون رحمه الله، كان دائما شارد الذهن، وذات مرة توفي زميل له في العمل فذهب الى خيمة العزاء وجلس فيها وشرب الشاي ثم دفع مساهمته وغادر المكان، وعلى بعد نحو مائتي خطوة مرّ بخيمة أخرى وأصواتا يعرفها تنادي عليه، فتوجه نحوهم واكتشف أنهم زملاء العمل وأنه دفع مساهمة في مأتم شخص لا يعرفه. الشيء الوحيد الذي لم يكن فضل كبسون ينساه هو موعد مباريات فريق المريخ، ولكنه كثيرا ما توجه الى مشاهدة مباراة حاسمة في استاد في أم درمان ليجده خاليا ومظلما فيطنطن: البهايم دول يلغوا المباراة ولا يعلنوا الإلغاء.. وتكون المباراة أصلا مقررة في استاد في الخرطوم.
واعود الى صديقي الذي انصرفنا من بيته، بعد القيام بواجب العزاء، وذهب كل منا الى حال سبيله، ليتصل بي صديق قطري غاضبا: عُمرها ما حصلت معي. نروح نعزيه، يطردنا من بيته؟ قِلّة ذوق عجيبة!! أدركت انه بحسب قول المكلوم في أمه لنا: «تفضلوا روحوا بيوتكم وارتاحوا»، طردا غير مهذب، وتعالت ضحكاتي، وتعالى معها غضب صاحبي القطري: ايش فيكم انتو يا سودانيين. تطردون الناس من بيوت العزاء وتضحكون لما نتشكى لكم!! واضطررت الى كتمان ضحكي وشرحت للرجل ان تلك عادتنا لنريح المعزين من عناء البقاء في مناخ المأتم الكئيب، وقلت له ان الأصول السودانية تقتضي منه ان يذهب الى بيت العزاء مرة أخرى، وأضفت: هاذي المرة لا تجلس لين يطردوك!
وهكذا فان اختلاف العادات قد يؤدي الى بعض أشكال سوء الفهم المستعصية، وأذكر انني ذهبت لتقديم العزاء لصديق أردني فقد والده، وفوجئت يعرض عليّ نحو عشرة اصناف من التبغ وثلاثة اصناف من القهوة، وكنت مستاء وتساءلت في سري: ولماذا لا يقدم لنا الشيشة بالمرة! وأدركت ان تلك عاداتهم، وذات مرة كنت في سرادق عزاء في منزل رجل شبعان أي غني يسكن جوار مبنى الإذاعة والتلفزيون في عاصمتنا الوطنية ام درمان (نسيمها كذلك لأنها كانت العاصمة التي اختارها محمد أحمد المهدي الذي قاد ثورة وطنية مسلحة ونجح في طرد الحكام الأتراك من السودان، في حين ان الخرطوم كانت عاصمة الحكم التركي)، وكان هناك صبية يقدمون للناس العصير (وهذا أمر غير مألوف في المآتم عندنا)، والشاي والقهوة، فدخل السرادق سائحان أوروبيان، لاحظا ان المشروبات ببلاش وعندما توجه نحوهم صبي يحمل العصير والشاي صاح أحدهم: نو..نو..بير، حسبها ابن قراد الخنزير جبانة هايصة.. وطلب بيرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك