العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

تباين في تقديم العزاء

قبل‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬فقدَ‭ ‬صديق‭ ‬عزيز‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬السودان‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬القطرية‭ ‬الدوحة‭ ‬والدته،‭ ‬واجتمعنا‭ ‬لديه‭ ‬معزين،‭ ‬وكان‭ ‬بيننا‭ ‬نفر‭ ‬من‭ ‬أصدقائه‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬وبعد‭ ‬ان‭ ‬طال‭ ‬جلوسنا‭ ‬معه‭ ‬قال‭ ‬لنا‭: ‬تفضلوا‭ ‬يا‭ ‬جماعة،‭ ‬شكر‭ ‬الله‭ ‬سعيكم،‭ ‬روحوا‭ ‬بيوتكم‭ ‬ارتاحوا‭. ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬متعارف‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬العزاء‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬وهو‭ ‬ان‭ ‬‮«‬صاحب‭ ‬العزاء‮»‬‭ ‬يعرب‭ ‬عن‭ ‬تقديره‭ ‬لظروف‭ ‬المعزين‭ ‬ويشكرهم‭ ‬ويرجوهم‭ ‬ان‭ ‬ينصرفوا‭ ‬لشؤونهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬بمعنى‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬يثقل‭ ‬عليهم‭ ‬لإدراكه‭ ‬ان‭ ‬لديهم‭ ‬مشاغل‭ ‬أخرى،‭ ‬فينصرف‭ ‬الناس‭ ‬عنه‭ ‬ليعودوا‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأحوال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬لتخفيف‭ ‬وقع‭ ‬المصاب‭ ‬عليه،‭ ‬ومن‭ ‬أجمل‭ ‬الممارسات‭ ‬عندنا‭ ‬والتي‭ ‬أتمنى‭ ‬ألا‭ ‬تختفي،‭ ‬ان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬سرادق‭ ‬عزاء‭ ‬شخص‭ ‬يمسك‭ ‬بدفتر‭ ‬وقلم،‭ ‬ليسجل‭ ‬إسهامات‭ ‬أصدقاء‭ ‬وأقارب‭ ‬صاحب‭ ‬العزاء‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬‮«‬المأتم‮»‬،‭ ‬فقبل‭ ‬الانصراف‭ ‬من‭ ‬خيمة‭ ‬او‭ ‬سرادق‭ ‬العزاء‭ ‬يتوجه‭ ‬الناس‭ ‬الى‭ ‬صاحب‭ ‬الدفتر‭ ‬للجود‭ ‬بالموجود،‭ ‬ويحتفظ‭ ‬صاحب‭ ‬العزاء‭ ‬بذلك‭ ‬الدفتر‭ ‬ليعرف‭ ‬من‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬المأتم‭ ‬الخاص‭ ‬به،‭ ‬ويرد‭ ‬لهم‭ ‬الصاع‭ ‬صاعين،‭ ‬بأن‭ ‬يدفع‭ ‬لهم‭ ‬أحيانا‭ ‬ضعف‭ ‬ما‭ ‬دفعوه‭ ‬له‭ ‬اذا‭ ‬أصابهم‭ ‬مكروه‭ ‬في‭ ‬عزيز‭ ‬لديهم،‭ (‬من‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬فرق‭ ‬التضخم‭)‬،‭ ‬أحد‭ ‬ظرفاء‭ ‬بلدتنا‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬السودان‭ ‬النوبي،‭ ‬عمنا‭ ‬فضل‭ ‬كبسون‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬كان‭ ‬دائما‭ ‬شارد‭ ‬الذهن،‭ ‬وذات‭ ‬مرة‭ ‬توفي‭ ‬زميل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬فذهب‭ ‬الى‭ ‬خيمة‭ ‬العزاء‭ ‬وجلس‭ ‬فيها‭ ‬وشرب‭ ‬الشاي‭ ‬ثم‭ ‬دفع‭ ‬مساهمته‭ ‬وغادر‭ ‬المكان،‭ ‬وعلى‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬مائتي‭ ‬خطوة‭ ‬مرّ‭ ‬بخيمة‭ ‬أخرى‭  ‬وأصواتا‭ ‬يعرفها‭ ‬تنادي‭ ‬عليه،‭ ‬فتوجه‭ ‬نحوهم‭ ‬واكتشف‭ ‬أنهم‭ ‬زملاء‭ ‬العمل‭ ‬وأنه‭ ‬دفع‭ ‬مساهمة‭ ‬في‭ ‬مأتم‭ ‬شخص‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭. ‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فضل‭ ‬كبسون‭ ‬ينساه‭ ‬هو‭ ‬موعد‭ ‬مباريات‭ ‬فريق‭ ‬المريخ،‭ ‬ولكنه‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬توجه‭ ‬الى‭ ‬مشاهدة‭ ‬مباراة‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬استاد‭ ‬في‭ ‬أم‭ ‬درمان‭ ‬ليجده‭ ‬خاليا‭ ‬ومظلما‭ ‬فيطنطن‭: ‬البهايم‭ ‬دول‭ ‬يلغوا‭ ‬المباراة‭ ‬ولا‭ ‬يعلنوا‭ ‬الإلغاء‭.. ‬وتكون‭ ‬المباراة‭ ‬أصلا‭ ‬مقررة‭ ‬في‭ ‬استاد‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭.‬

واعود‭ ‬الى‭ ‬صديقي‭ ‬الذي‭ ‬انصرفنا‭ ‬من‭ ‬بيته،‭ ‬بعد‭ ‬القيام‭ ‬بواجب‭ ‬العزاء،‭ ‬وذهب‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬الى‭ ‬حال‭ ‬سبيله،‭ ‬ليتصل‭ ‬بي‭ ‬صديق‭ ‬قطري‭ ‬غاضبا‭: ‬عُمرها‭ ‬ما‭ ‬حصلت‭ ‬معي‭. ‬نروح‭ ‬نعزيه،‭ ‬يطردنا‭ ‬من‭ ‬بيته؟‭ ‬قِلّة‭ ‬ذوق‭ ‬عجيبة‭!! ‬أدركت‭ ‬انه‭ ‬بحسب‭ ‬قول‭ ‬المكلوم‭ ‬في‭ ‬أمه‭ ‬لنا‭: ‬‮«‬تفضلوا‭ ‬روحوا‭ ‬بيوتكم‭ ‬وارتاحوا‮»‬،‭ ‬طردا‭ ‬غير‭ ‬مهذب،‭ ‬وتعالت‭ ‬ضحكاتي،‭ ‬وتعالى‭ ‬معها‭ ‬غضب‭ ‬صاحبي‭ ‬القطري‭: ‬ايش‭ ‬فيكم‭ ‬انتو‭ ‬يا‭ ‬سودانيين‭. ‬تطردون‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬بيوت‭ ‬العزاء‭ ‬وتضحكون‭ ‬لما‭ ‬نتشكى‭ ‬لكم‭!! ‬واضطررت‭ ‬الى‭ ‬كتمان‭ ‬ضحكي‭ ‬وشرحت‭ ‬للرجل‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬عادتنا‭ ‬لنريح‭ ‬المعزين‭ ‬من‭ ‬عناء‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬المأتم‭ ‬الكئيب،‭ ‬وقلت‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬الأصول‭ ‬السودانية‭ ‬تقتضي‭ ‬منه‭ ‬ان‭ ‬يذهب‭ ‬الى‭ ‬بيت‭ ‬العزاء‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬وأضفت‭: ‬هاذي‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬تجلس‭ ‬لين‭ ‬يطردوك‭!‬

وهكذا‭ ‬فان‭ ‬اختلاف‭ ‬العادات‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬بعض‭ ‬أشكال‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬المستعصية،‭ ‬وأذكر‭ ‬انني‭ ‬ذهبت‭ ‬لتقديم‭ ‬العزاء‭ ‬لصديق‭ ‬أردني‭ ‬فقد‭ ‬والده،‭ ‬وفوجئت‭ ‬يعرض‭ ‬عليّ‭ ‬نحو‭ ‬عشرة‭ ‬اصناف‭ ‬من‭ ‬التبغ‭ ‬وثلاثة‭ ‬اصناف‭ ‬من‭ ‬القهوة،‭ ‬وكنت‭ ‬مستاء‭ ‬وتساءلت‭ ‬في‭ ‬سري‭: ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬لنا‭ ‬الشيشة‭ ‬بالمرة‭! ‬وأدركت‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬عاداتهم،‭ ‬وذات‭ ‬مرة‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬سرادق‭ ‬عزاء‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬رجل‭ ‬شبعان‭ ‬أي‭ ‬غني‭ ‬يسكن‭ ‬جوار‭ ‬مبنى‭ ‬الإذاعة‭ ‬والتلفزيون‭ ‬في‭ ‬عاصمتنا‭ ‬الوطنية‭ ‬ام‭ ‬درمان‭ (‬نسيمها‭ ‬كذلك‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬العاصمة‭ ‬التي‭ ‬اختارها‭ ‬محمد‭ ‬أحمد‭ ‬المهدي‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬ثورة‭ ‬وطنية‭ ‬مسلحة‭ ‬ونجح‭ ‬في‭ ‬طرد‭ ‬الحكام‭ ‬الأتراك‭ ‬من‭ ‬السودان،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬الخرطوم‭ ‬كانت‭ ‬عاصمة‭ ‬الحكم‭ ‬التركي‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬صبية‭ ‬يقدمون‭ ‬للناس‭ ‬العصير‭ (‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬غير‭ ‬مألوف‭ ‬في‭ ‬المآتم‭ ‬عندنا‭)‬،‭ ‬والشاي‭ ‬والقهوة،‭ ‬فدخل‭ ‬السرادق‭ ‬سائحان‭ ‬أوروبيان،‭ ‬لاحظا‭ ‬ان‭ ‬المشروبات‭ ‬ببلاش‭ ‬وعندما‭ ‬توجه‭ ‬نحوهم‭ ‬صبي‭ ‬يحمل‭ ‬العصير‭ ‬والشاي‭ ‬صاح‭ ‬أحدهم‭: ‬نو‭..‬نو‭..‬بير،‭ ‬حسبها‭ ‬ابن‭ ‬قراد‭ ‬الخنزير‭ ‬جبانة‭ ‬هايصة‭.. ‬وطلب‭ ‬بيرة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا