زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الكمبيوتر قد «يجلطك»
هل أتتكم حكاية سارا تومبسن؟ هي طالبة بريطانية مجتهدة، ظلت منذ بداية العام الدراسي الحالي تعود من المدرسة الثانوية، وتمضي نحو ست ساعات متصلة في استذكار الدروس، على أمل إحراز درجات تؤهلها لدخول جامعة محترمة. ونشرت الصحف البريطانية في 20 نوفمبر الماضي صورا لسارا وهي تمشي على عكازتين، وكان ذلك بعد أن نجت من الموت بأعجوبة، والسبب: «المذاكرة»، فالجلوس على كرسي ست ساعات في المدرسة ثم مثلها في البيت سبب لها جلطة الشريان العميق في الساق (دي. في. تي.DVT). وسارا هذه تبلغ من العمر 18 سنة وليس بجسمها الرشيق حمولة زائدة من الشحوم. وفي كوريا الجنوبية يموت العشرات من صغار السن بسبب تعقيدات الدورة الدموية التي تنجم من الجلوس بلا حراك ساعات طويلة امام الكمبيوتر. وحدث ان مدير بنك السودان المركزي الأسبق جاء جوا الى العاصمة القطرية الدوحة قادما من عاصمة في شرق آسيا بعد رحلة استغرقت عشر ساعات، وفوجئ بأنه غير قادر على النهوض، فكان أن تم اكتشاف أنه يعاني من جلطة الشريان العميق.
قبل سنوات أصيب صديق لي بجلطة مماثلة وزرته في المستشفى ووجدت زوجته وسألتها: الزول ده لا يدخن ولا يسهر ولا يسكر ولا يرمرم عند الأكل، فكيف تعرض لجلطة؟ كان ردها عجيبا: سبب الجلطة.. الصلاة!! لم يكن الوضع يتحمل الهذر (الهزار) فنظرت إليها باستنكار من تتساءل عيونه: هل تزعمين أن الصلاة تسبب الجلطة؟ فواصلت الحديث: صاحبك ده بيروح المسجد قبل صلاة العصر بنصف ساعة، ولا يغادره إلا بعد صلاة العشاء، ويقضي الفترات التي تتخلل الصلوات في قراءة القرآن.. ولم استوعب كلامها. وفي ذلك الأثناء دخل علينا الطبيب المختص وكنت أعرفه جيدا، وسألته عن حال صديقي المريض، فردد نفس الكلام عن «الصلاة»، ولكن مع توضيح ان الجلوس القرفصاء في المسجد ساعات طويلة (وليس الصلاة في حد ذاتها) لا يختلف عن الجلوس بلا حركة في طائرة خلال رحلة طويلة وإن ذلك يسبب جلطة الشريان العميق.
ولن أقول للطلاب الذين يكرهون المذاكرة: ثبت أنكم على حق ولو من حيث لا تدرون، لأن حالة سارا تومبسن أثبتت أن المذاكرة ضارة بالصحة. بل «قاتلة». وكما نقلت أعلاه، على لسان الطبيب فإن الأمر يتعلق بعدم تحريك الساق والأقدام لتنشيط الدورة الدموية ولهذا قد يصاب بالجلطة الشخص الكسول الذي يلزم السرير 15 يوما وهو يتوحوح ويئن ويطن ويزن لأن «الكحة» لم تفارقه، وقد يصاب بها المرضى الذين تتطلب حالتهم الصحية لزوم السرير فترات زمنية طويلة (ما لم يتبع الإجراءات الاحترازية المنصوص عليها في البروتوكول الطبي الخاص بالمريض الذي تطول إقامته في السرير).
في زمننا العجيب هذا لم تعد أمراض مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وآلام الظهر والجلطات محصورة في كبار السن. فمع انتشار الوجبات السريعة وتوافر وسائل الترفيه التي تشجع على الاسترخاء والجلوس طويلا، صار هناك أطفال في سن العاشرة يعانون من «الضغط» وأمراض القلب والشرايين. في الصين مات شاب في العشرين من العمر لأنه كان يجلس يوميا عشر ساعات متتالية مستخدما الانترنت ليمارس الألعاب الفيديوية. وجدوه ذات يوم ميتا على كرسيه أمام الكمبيوتر. أصيب بجلطة مفاجئة في غياب أهل البيت فكانت القاضية. ولا أخاف على عيالنا من المذاكرة ساعات طويلة، بل من الجلوس أمام الكمبيوتر/ الآيباد معظم ساعات يقظتهم. وتجد من يدمن الانترنت خاصة شبكات التواصل الاجتماعي سعيدا لأن لديه 687 أو 7004 أصدقاء يقضي معظم الوقت وهو يتآنس معهم.. يا حبيبتي ويا حبيبي ليس بين هؤلاء «صديق» واحد حقيقي. من هم أولى بوقتك وينبغي عليك ان تتواصل معهم اجتماعيا موجودون حولك. ويحبونك حقيقة وسيسعدهم أن تخاطبهم وجها لوجه.
عيب يا جماعة أن يحمل شخص ما طعامه ليتناوله وهو يتخبط في الشبكة العنكبوتية بدلا من أن يتناوله مع بقية أفراد العائلة!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك