العدد : ١٧٦٨١ - الخميس ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨١ - الخميس ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عندما يكون الخلع مبررا

أمامي‭ ‬الآن‭ ‬قصاصة‭ ‬من‭ ‬صحيفة‭ ‬الأخبار‭ ‬المصرية،‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬لها‭ ‬تاريخا،‭ ‬وتحوي‭ ‬تقريرا‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬القضاء‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬القاهرة‭ ‬الكبرى‭ ‬معززا‭ ‬بالإحصاءات،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬عجيب‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬محكمة‭ ‬الأسرة‭ ‬بمدينة‭ ‬نصر‭ ‬والنزهة‭ ‬تقضي‭ ‬بالخلع‭ ‬لصالح‭ ‬60‭ ‬امرأة‭ ‬شهريا،‭ (‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بحالات‭ ‬الطلاق‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬المبادرة‭ ‬بيد‭ ‬الرجل‭ ‬او‭ ‬تكون‭ ‬برضاء‭ ‬الطرفين؟‭). ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬أوردت‭ ‬الصحيفة‭ ‬بعض‭ ‬تفاصيلها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمهندسة‭ ‬قالت‭ ‬في‭ ‬دعواها‭ ‬إنها‭ ‬قدمت‭ ‬المال‭ ‬بسخاء‭ ‬لزوجها‭ ‬كي‭ ‬يدخل‭ ‬مجال‭ ‬العمل‭ ‬الحر،‭ ‬بل‭ ‬أسهمت‭ ‬معه‭ ‬بالجهد‭ ‬الشخصي‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬ولما‭ ‬أحس‭ ‬صاحبنا‭ ‬بالنعنشة‭ ‬والفرفشة‭ ‬والنغنغة‭ ‬المالية،‭ ‬تفرغ‭ ‬لشؤون‭ ‬العمل‭ ‬وأهمل‭ ‬أمر‭ ‬الزوجة،‭ ‬تماما‭ ‬بأن‭ ‬صار‭ ‬غائبا‭ ‬عن‭ ‬البيت‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬عن‭ ‬حياتها،‭ ‬فكان‭ ‬ان‭ ‬تقدمت‭ ‬بدعوى‭ ‬الخلع،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬ومن‭ ‬شدة‭ ‬ضيقها‭ ‬و«قرفها‮»‬‭ ‬من‭ ‬مسلك‭ ‬الزوج‭ ‬أبدت‭ ‬استعدادها‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬للتنازل‭ ‬عن‭ ‬حقوقها‭ ‬لديه‭ ‬بل‭ ‬رد‭ ‬القليل‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬لها‭ ‬عند‭ ‬الزواج،‭ ‬متنازلة‭ ‬عن‭ ‬المبالغ‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬مسيرته‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال،‭ ‬والراجح‭ ‬عندي‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تملك‭ ‬مستندات‭ ‬تؤيد‭ ‬حصول‭ ‬الزوج‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المبالغ،‭ ‬لأنها‭ ‬أعطتها‭ ‬له‭ ‬باعتبار‭ ‬ان‭ ‬‮«‬الحالة‭ ‬واحدة‮»‬‭ ‬وأن‭ ‬الزيجة‭ ‬ستدوم‭ ‬حتى‭ ‬يأتي‭ ‬هادم‭ ‬اللذات‭ ‬ومفرِّق‭ ‬الجماعات،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الموت‭.‬

أما‭ ‬قضية‭ ‬الخلع‭ ‬التي‭ ‬توقفت‭ ‬عندها‭ ‬طويلا،‭ ‬فكانت‭ ‬مقدمة‭ ‬من‭ ‬سيدة‭ ‬في‭ ‬الستين‭ ‬تطلب‭ ‬فراق‭ ‬زوجها‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬65‭ ‬سنة،‭ ‬بعد‭ ‬اقتران‭ ‬دام‭ ‬38‭ ‬سنة،‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬ثلاثة‭ ‬أبناء‭ ‬جميعهم‭ ‬تزوجوا‭ ‬واستقلوا‭ ‬بحياتهم‭. ‬وبحسب‭ ‬دعواها،‭ ‬فإنها‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬وحيدة‭ ‬بين‭ ‬جدران‭ ‬البيت‭ ‬بعد‭ ‬زواج‭ ‬أبنائها،‭ ‬لأن‭ ‬الزوج‭ ‬بات‭ ‬يقضي‭ ‬معظم‭ ‬ساعات‭ ‬الليل‭ ‬والنهار‭ ‬خارج‭ ‬البيت‭. ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬المقهى‭ ‬أو‭ ‬النادي‭. ‬حاول‭ ‬القاضي‭ ‬إثناءها‭ ‬عن‭ ‬قرارها‭ ‬بكلام‭ ‬من‭ ‬نوع‭: ‬دي‭ ‬عشرة‭ ‬عمر‭ ‬يا‭ ‬ست‭ ‬هانم‭.. ‬فات‭ ‬الكثير‭ ‬وبقي‭ ‬القليل‭. ‬ولكن‭ ‬الست‭ ‬هانم‭ ‬تمسكت‭ ‬بمطلبها‭: ‬حتى‭ ‬وعمري‭ ‬ستون‭ ‬سنة‭ ‬فأنا‭ ‬امرأة،‭ ‬وقبل‭ ‬ان‭ ‬أكون‭ ‬امرأة‭ ‬فإنني‭ ‬بنت‭ ‬آدم‭ ‬وحواء،‭ ‬ولن‭ ‬أقبل‭ ‬لنفسي‭ ‬ان‭ ‬اظل‭ ‬حبيسة‭ ‬بيت‭ ‬ينفر‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬شريك‭ ‬حياتي‭ ‬طوال‭ ‬38‭ ‬سنة‭. ‬وعلى‭ ‬فكرة‭ ‬يا‭ ‬حضرة‭ ‬القاضي‭ ‬أنا‭ ‬جايبة‭ ‬معاي‭ ‬المهر‭ ‬اللي‭ ‬دفعهولي‭ ‬كاش‭ ‬لأني‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬المطالبة‭ ‬بالخلع‭ ‬مطالبة‭ ‬برد‭ ‬المهر‭. ‬وقدمت‭ ‬للقاضي‭ ‬قيمة‭ ‬المهر‭ ‬عدا‭ ‬نقدا‭ ‬وليس‭ ‬شيكا‭ ‬أو‭ ‬كمبيالة‭!! ‬سلمت‭ ‬القاضي‭ ‬المهر‭ ‬حسبما‭ ‬هو‭ ‬مكتوب‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬الزواج‭ ‬وكان‭ ‬قدره‭ ‬25‭ ‬جنيها‭ ‬ليس‭ ‬استرلينيا‭ ‬بل‭ ‬مصريا‭ (‬تبقى‭ ‬فضيحة‭ ‬لو‭ ‬خلعتني‭ ‬زوجتي‭ ‬لأن‭ ‬المهر‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬لها‭ ‬يساوي‭ ‬بأسعار‭ ‬صرف‭ ‬العملة‭ ‬حاليا‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬عشرين‭ ‬من‭ ‬الدولار‭.. ‬تخيل‭ ‬–‭ ‬لا‭ ‬قدر‭ ‬الله‭ ‬–‭ ‬ونحن‭ ‬الآن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬قطر‭ ‬ان‭ ‬تقدم‭ ‬للقاضي‭ ‬نصف‭ ‬ريال‭ ‬قطري‭ ‬ثم‭ ‬تقول‭ ‬لي‭: ‬خلي‭ ‬الباقي‭ ‬معك‭).‬

نعم‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬أم‭ ‬60‭ ‬سنة‭ ‬بنت‭ ‬آدم‭ ‬وحواء‭ ‬وامرأة،‭ ‬ومن‭ ‬حقها‭ ‬أن‭ ‬تنعم‭ ‬بصحبة‭ ‬طيبة،‭ ‬ومن‭ ‬حقها‭ ‬أن‭ ‬تتألم‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬ظلت‭ ‬زوجة‭ ‬له‭ ‬طوال‭ ‬38‭ ‬سنة‭ ‬‮«‬اعتبر‮»‬‭ ‬أن‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬حياتها‭ ‬انتهى‭ ‬لأن‭ ‬العيال‭ ‬كبرت‭ ‬وكل‭ ‬واحد‭ ‬راح‭ ‬لحاله،‭ ‬وتفرغ‭ ‬لتسلية‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬والنادي‭ ‬وبيوت‭ ‬الأقارب‭ ‬والأصدقاء‭. ‬اخلعيه‭ ‬يا‭ ‬ستي‭ ‬وروحي‭ ‬لأهلك‭ ‬وحبايبك‭ ‬ويمكن‭ ‬تلاقي‭ ‬واحد‭ ‬يستأهلك‭ ‬وتستأهليه‭! ‬فكل‭ ‬فولة‭ ‬لها‭ ‬كيّال‭! ‬عيب‭ ‬ان‭ ‬تبتسم‭ ‬أيها‭ ‬القارئ‭ ‬ابتسامة‭ ‬سخرية‭ ‬واستخفاف‭. ‬ابن‭ ‬آدم‭ ‬لا‭ ‬يفقد‭ ‬عواطفه‭ ‬وحاجته‭ ‬للحب‭ ‬والحنان‭ ‬لأن‭ ‬عمره‭ ‬70‭ ‬أو‭ ‬83‭ ‬سنة‭.. ‬ومن‭ ‬يعرف‭ ‬‮«‬الأصول‮»‬‭ ‬رجلا‭ ‬كان‭ ‬أم‭ ‬امرأة،‭ ‬يعرف‭ ‬ان‭ ‬الانسان‭ ‬كلما‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬كان‭ ‬أحوج‭ ‬للأنيس‭ ‬والرفقة‭ ‬الطيبة‭.. ‬كون‭ ‬العيال‭ ‬كبرت‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العواطف‭ ‬بين‭ ‬الأبوين‭ ‬تصاب‭ ‬بالشيخوخة،‭ ‬ولا‭ ‬يعطي‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬التصرف‭ ‬وكأن‭ ‬الزواج‭ ‬الذي‭ ‬نجم‭ ‬عنه‭ ‬العيال‭ ‬الذين‭ ‬كبروا‭ ‬كان‭ ‬حكما‭ ‬بالسجن‭ ‬انتهى‭ ‬بخروج‭ ‬العيال‭ ‬الى‭ ‬بيوتهم‭ ‬الخاصة‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا