زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
عندما يكون الخلع مبررا
أمامي الآن قصاصة من صحيفة الأخبار المصرية، لا أعرف لها تاريخا، وتحوي تقريرا عن أداء القضاء المصري في منطقة القاهرة الكبرى معززا بالإحصاءات، وكان من عجيب ما فيه أن محكمة الأسرة بمدينة نصر والنزهة تقضي بالخلع لصالح 60 امرأة شهريا، (فما بالك بحالات الطلاق التي تكون فيها المبادرة بيد الرجل او تكون برضاء الطرفين؟). ومن بين القضايا التي أوردت الصحيفة بعض تفاصيلها ما يتعلق بمهندسة قالت في دعواها إنها قدمت المال بسخاء لزوجها كي يدخل مجال العمل الحر، بل أسهمت معه بالجهد الشخصي في العمل، ولما أحس صاحبنا بالنعنشة والفرفشة والنغنغة المالية، تفرغ لشؤون العمل وأهمل أمر الزوجة، تماما بأن صار غائبا عن البيت ومن ثم عن حياتها، فكان ان تقدمت بدعوى الخلع، مما يعني أنه ومن شدة ضيقها و«قرفها» من مسلك الزوج أبدت استعدادها ليس فقط للتنازل عن حقوقها لديه بل رد القليل الذي قدمه لها عند الزواج، متنازلة عن المبالغ الضخمة التي قدمتها له في بداية مسيرته في عالم الأعمال، والراجح عندي هو أنها لم تكن تملك مستندات تؤيد حصول الزوج على تلك المبالغ، لأنها أعطتها له باعتبار ان «الحالة واحدة» وأن الزيجة ستدوم حتى يأتي هادم اللذات ومفرِّق الجماعات، الذي هو الموت.
أما قضية الخلع التي توقفت عندها طويلا، فكانت مقدمة من سيدة في الستين تطلب فراق زوجها البالغ من العمر 65 سنة، بعد اقتران دام 38 سنة، أسفر عن ثلاثة أبناء جميعهم تزوجوا واستقلوا بحياتهم. وبحسب دعواها، فإنها وجدت نفسها وحيدة بين جدران البيت بعد زواج أبنائها، لأن الزوج بات يقضي معظم ساعات الليل والنهار خارج البيت. وتحديدا في المقهى أو النادي. حاول القاضي إثناءها عن قرارها بكلام من نوع: دي عشرة عمر يا ست هانم.. فات الكثير وبقي القليل. ولكن الست هانم تمسكت بمطلبها: حتى وعمري ستون سنة فأنا امرأة، وقبل ان أكون امرأة فإنني بنت آدم وحواء، ولن أقبل لنفسي ان اظل حبيسة بيت ينفر منه من كان شريك حياتي طوال 38 سنة. وعلى فكرة يا حضرة القاضي أنا جايبة معاي المهر اللي دفعهولي كاش لأني في حالة المطالبة بالخلع مطالبة برد المهر. وقدمت للقاضي قيمة المهر عدا نقدا وليس شيكا أو كمبيالة!! سلمت القاضي المهر حسبما هو مكتوب في عقد الزواج وكان قدره 25 جنيها ليس استرلينيا بل مصريا (تبقى فضيحة لو خلعتني زوجتي لأن المهر الذي قدمته لها يساوي بأسعار صرف العملة حاليا واحد على عشرين من الدولار.. تخيل – لا قدر الله – ونحن الآن نعيش في دولة قطر ان تقدم للقاضي نصف ريال قطري ثم تقول لي: خلي الباقي معك).
نعم تلك السيدة أم 60 سنة بنت آدم وحواء وامرأة، ومن حقها أن تنعم بصحبة طيبة، ومن حقها أن تتألم لأن من ظلت زوجة له طوال 38 سنة «اعتبر» أن دوره في حياتها انتهى لأن العيال كبرت وكل واحد راح لحاله، وتفرغ لتسلية نفسه في المقاهي والنادي وبيوت الأقارب والأصدقاء. اخلعيه يا ستي وروحي لأهلك وحبايبك ويمكن تلاقي واحد يستأهلك وتستأهليه! فكل فولة لها كيّال! عيب ان تبتسم أيها القارئ ابتسامة سخرية واستخفاف. ابن آدم لا يفقد عواطفه وحاجته للحب والحنان لأن عمره 70 أو 83 سنة.. ومن يعرف «الأصول» رجلا كان أم امرأة، يعرف ان الانسان كلما تقدم في السن كان أحوج للأنيس والرفقة الطيبة.. كون العيال كبرت لا يعني أن العواطف بين الأبوين تصاب بالشيخوخة، ولا يعطي أي طرف في العلاقة الزوجية التصرف وكأن الزواج الذي نجم عنه العيال الذين كبروا كان حكما بالسجن انتهى بخروج العيال الى بيوتهم الخاصة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك