زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
تهجين اللغة
عشت سنين عددا على وهم أن الإنجليزية هي لغتي الثانية، ليس بعد اللغة العربية بل بعد لسان أهلي الذي هو اللغة النوبية التي كان أسلافي يتكلمون بها قبل خمسة آلاف سنة، وأسميت ذلك بالوهم لأنه كان بالفعل كذلك، لأنني لم أكن أعرف كلمة إنجليزية واحدة حتى بلغت المرحلة الدراسية المتوسطة، وما شاقني وأعجبني في الإنجليزية هو، وكما هو الحال في اللغة النوبية، عدم وجود التذكير والتأنيث والمثنى فيها، بينما كان أهل السودان النوبي يضحكون علينا ونحن نقول: يا ولد تعالي ويا بنت ما تتكلم كتير. ورغم أن حروف العلة في اللغة العربية والإبدال والإعلال علّتني، إلا أنه تسنى لي، بالقراءة والمطالعة، بعيدا عن المقررات المدرسية اكتشاف جماليات اللغة العربية حتى صرت أتباهى بأنها لغتي الأولى.
ومثل كثيرين غيري فإنني من أنصار تعلم لغة أجنبية أو أكثر، وأصبحت في الآونة الأخيرة من أقوى أنصار التركيز على تعليم الانجليزية في مدارسنا، بعد ان أصبحت الانجليزية وبلا منازع لغة صناعة المعلومات (الإنترنت) وصناعة الترفيه، وبالتحديد التلفزيون، فمن أراد ان يتابع برامج تلفزيونية لأغراض تعليمية أو ترفيهية فلا سبيل إلى ذلك أمامه سوى البرامج الأمريكية او البريطانية.. أو البرامج العربيزية التي تقدمها بعض القنوات اللبنانية بخليط من الانجليزية واللهجة اللبنانية، ويبدو أنه كما انتصرت اللغة الانجليزية على بقية اللغات العالمية، واصبح تعلمها ضرورة من الصين الى بيرو، فليس من المستبعد ان تنتصر اللهجة اللبنانية على اللهجات الأخرى والفصحى كلغة التخاطب عبر شاشات التلفزة العربية، ويعزز من فرص انتصار اللهجة اللبنانية المحكية أنها مسنودة على الشاشات الفضية بإمكانيات بيولوجية، وفسيولوجية لا تتوافر لدى المذيعات باللهجات الأخرى.
ومن هذا المنطلق فقد حرصت على أن يجيد عيالي الانجليزية بوصفها أداة لنيل المعرفة، ولكن ليس كأداة للحذلقة والتنطع والتسطح الذي يكون بنثر المفردات الانجليزية بين العبارات العربية كما جرت العادة في العالم العربي، بعد ان توهم البعض أن ذلك يضفي عليهم رداء الثقافة والتثقف، وكما ان الشاعر «لم ير من عيوب الناس شيئا*** كنقص القادرين على التمام» فإنني لم أر عيبا أكبر من أن يداري شخص عيّه اللغوي وبؤس محصلته من لغته الام باستعارة مفردات وجمل من لغة أخرى، وسيقول من يعرفونني: لا تنه عن شيء وتأتي مثله! يقصدون أنني استعير أحيانا أثناء الحديث بالعربية مفردات إنجليزية، ولكن لي بعض العذر: فقد ولدت أعجميا، وناطقا باللغة النوبية، ولكنني جاهدت وناضلت حتى أصقل لساني العربي، حتى صار الوضع عندي مقلوبا، بأن أصبحت لغتي الفصحى أفضل من لغتي العامية، والى يومنا هذا فإن أصلي النوبي يفضحني اذا تحدثت طويلا بالعامية السودانية إذ قد أؤنث المذكر وأبهدل المؤنث، وعذري الآخر هو أنني نتاج منهج مدرسي بريطاني صرف، ودرست كافة المواد باللغة الانجليزية، وفي المرحلة الجامعية درست حتى الفكر الاسلامي باللغة الانجليزية، وكنا مطالبين بالاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث الشريف مترجما بالإنجليزية، وبعد التخرج ظللت أعتاش من اللغة الانجليزية بل كنت عميلا بريطانيا حيث عملت ضابط إعلام في السفارة البريطانية في الخرطوم، ومع هذا فإنني لست راضيا عن لجوئي الى المفردات الانجليزية حتى لو اقتصر استخدامي لها مخاطبة من اعرف تماما أنهم يجيدونها.
يا عالم اسألوني عن معنى موت أي لغة لان اللغة النوبية التي يفترض انها لساني الأم تعاني من سكرات الموت لأنها غير مكتوبة، ولأن أبناءها وبناتها باتوا يتخاطبون بالعربية، ولم تعد النوبية تنتج ثقافة او معرفة، وإذا ماتت العربية في الأفواه فإننا سنموت معها موتا معنويا. وإذا كان ثمة غزو ثقافي فأكبر مخاطره انه يروج للغة الغزاة. وإذا كان تكوينك اللغوي الأساسي هشا فإنك ستنجرف وتصبح تحت رحمة الغزاة وتشتري بضاعتهم من دون تمييز غثها من سمينها!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك