العدد : ١٧٦٧٩ - الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٩ - الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

تهجين اللغة

عشت‭ ‬سنين‭ ‬عددا‭ ‬على‭ ‬وهم‭ ‬أن‭ ‬الإنجليزية‭ ‬هي‭ ‬لغتي‭ ‬الثانية،‭ ‬ليس‭ ‬بعد‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بل‭ ‬بعد‭ ‬لسان‭ ‬أهلي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬اللغة‭ ‬النوبية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬أسلافي‭ ‬يتكلمون‭ ‬بها‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬سنة،‭ ‬وأسميت‭ ‬ذلك‭ ‬بالوهم‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬بالفعل‭ ‬كذلك،‭ ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬كلمة‭ ‬إنجليزية‭ ‬واحدة‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬المرحلة‭ ‬الدراسية‭ ‬المتوسطة،‭ ‬وما‭ ‬شاقني‭ ‬وأعجبني‭ ‬في‭ ‬الإنجليزية‭ ‬هو،‭ ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬النوبية،‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬التذكير‭ ‬والتأنيث‭ ‬والمثنى‭ ‬فيها،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬أهل‭ ‬السودان‭ ‬النوبي‭ ‬يضحكون‭ ‬علينا‭ ‬ونحن‭ ‬نقول‭: ‬يا‭ ‬ولد‭ ‬تعالي‭ ‬ويا‭ ‬بنت‭ ‬ما‭ ‬تتكلم‭ ‬كتير‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬حروف‭ ‬العلة‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬والإبدال‭ ‬والإعلال‭ ‬علّتني،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬تسنى‭ ‬لي،‭ ‬بالقراءة‭ ‬والمطالعة،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬المقررات‭ ‬المدرسية‭ ‬اكتشاف‭ ‬جماليات‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬حتى‭ ‬صرت‭ ‬أتباهى‭ ‬بأنها‭ ‬لغتي‭ ‬الأولى‭.‬

ومثل‭ ‬كثيرين‭ ‬غيري‭ ‬فإنني‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬تعلم‭ ‬لغة‭ ‬أجنبية‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬وأصبحت‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬أنصار‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬تعليم‭ ‬الانجليزية‭ ‬في‭ ‬مدارسنا،‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬أصبحت‭ ‬الانجليزية‭ ‬وبلا‭ ‬منازع‭ ‬لغة‭ ‬صناعة‭ ‬المعلومات‭ (‬الإنترنت‭) ‬وصناعة‭ ‬الترفيه،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬التلفزيون،‭ ‬فمن‭ ‬أراد‭ ‬ان‭ ‬يتابع‭ ‬برامج‭ ‬تلفزيونية‭ ‬لأغراض‭ ‬تعليمية‭ ‬أو‭ ‬ترفيهية‭ ‬فلا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أمامه‭ ‬سوى‭ ‬البرامج‭ ‬الأمريكية‭ ‬او‭ ‬البريطانية‭.. ‬أو‭ ‬البرامج‭ ‬العربيزية‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬بعض‭ ‬القنوات‭ ‬اللبنانية‭ ‬بخليط‭ ‬من‭ ‬الانجليزية‭ ‬واللهجة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنه‭ ‬كما‭ ‬انتصرت‭ ‬اللغة‭ ‬الانجليزية‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬اللغات‭ ‬العالمية،‭ ‬واصبح‭ ‬تعلمها‭ ‬ضرورة‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬الى‭ ‬بيرو،‭ ‬فليس‭ ‬من‭ ‬المستبعد‭ ‬ان‭ ‬تنتصر‭ ‬اللهجة‭ ‬اللبنانية‭ ‬على‭ ‬اللهجات‭ ‬الأخرى‭ ‬والفصحى‭ ‬كلغة‭ ‬التخاطب‭ ‬عبر‭ ‬شاشات‭ ‬التلفزة‭ ‬العربية،‭ ‬ويعزز‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬انتصار‭ ‬اللهجة‭ ‬اللبنانية‭ ‬المحكية‭ ‬أنها‭ ‬مسنودة‭ ‬على‭ ‬الشاشات‭ ‬الفضية‭ ‬بإمكانيات‭ ‬بيولوجية،‭ ‬وفسيولوجية‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬لدى‭ ‬المذيعات‭ ‬باللهجات‭ ‬الأخرى‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬فقد‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يجيد‭ ‬عيالي‭ ‬الانجليزية‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬لنيل‭ ‬المعرفة،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬كأداة‭ ‬للحذلقة‭ ‬والتنطع‭ ‬والتسطح‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬بنثر‭ ‬المفردات‭ ‬الانجليزية‭ ‬بين‭ ‬العبارات‭ ‬العربية‭ ‬كما‭ ‬جرت‭ ‬العادة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬توهم‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يضفي‭ ‬عليهم‭ ‬رداء‭ ‬الثقافة‭ ‬والتثقف،‭ ‬وكما‭ ‬ان‭ ‬الشاعر‭ ‬‮«‬لم‭ ‬ير‭ ‬من‭ ‬عيوب‭ ‬الناس‭ ‬شيئا‭*** ‬كنقص‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬التمام‮»‬‭ ‬فإنني‭ ‬لم‭ ‬أر‭ ‬عيبا‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يداري‭ ‬شخص‭ ‬عيّه‭ ‬اللغوي‭ ‬وبؤس‭ ‬محصلته‭ ‬من‭ ‬لغته‭ ‬الام‭ ‬باستعارة‭ ‬مفردات‭ ‬وجمل‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬أخرى،‭ ‬وسيقول‭ ‬من‭ ‬يعرفونني‭: ‬لا‭ ‬تنه‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬وتأتي‭ ‬مثله‭! ‬يقصدون‭ ‬أنني‭ ‬استعير‭ ‬أحيانا‭ ‬أثناء‭ ‬الحديث‭ ‬بالعربية‭ ‬مفردات‭ ‬إنجليزية،‭ ‬ولكن‭ ‬لي‭ ‬بعض‭ ‬العذر‭: ‬فقد‭ ‬ولدت‭ ‬أعجميا،‭ ‬وناطقا‭ ‬باللغة‭ ‬النوبية،‭ ‬ولكنني‭ ‬جاهدت‭ ‬وناضلت‭ ‬حتى‭ ‬أصقل‭ ‬لساني‭ ‬العربي،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬الوضع‭ ‬عندي‭ ‬مقلوبا،‭ ‬بأن‭ ‬أصبحت‭ ‬لغتي‭ ‬الفصحى‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬لغتي‭ ‬العامية،‭ ‬والى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬فإن‭ ‬أصلي‭ ‬النوبي‭ ‬يفضحني‭ ‬اذا‭ ‬تحدثت‭ ‬طويلا‭ ‬بالعامية‭ ‬السودانية‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬أؤنث‭ ‬المذكر‭ ‬وأبهدل‭ ‬المؤنث،‭ ‬وعذري‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬نتاج‭ ‬منهج‭ ‬مدرسي‭ ‬بريطاني‭ ‬صرف،‭ ‬ودرست‭ ‬كافة‭ ‬المواد‭ ‬باللغة‭ ‬الانجليزية،‭ ‬وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬الجامعية‭ ‬درست‭ ‬حتى‭ ‬الفكر‭ ‬الاسلامي‭ ‬باللغة‭ ‬الانجليزية،‭ ‬وكنا‭ ‬مطالبين‭ ‬بالاستشهاد‭ ‬بالقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬والحديث‭ ‬الشريف‭ ‬مترجما‭ ‬بالإنجليزية،‭ ‬وبعد‭ ‬التخرج‭ ‬ظللت‭ ‬أعتاش‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬الانجليزية‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬عميلا‭ ‬بريطانيا‭ ‬حيث‭ ‬عملت‭ ‬ضابط‭ ‬إعلام‭ ‬في‭ ‬السفارة‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬الخرطوم،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬فإنني‭ ‬لست‭ ‬راضيا‭ ‬عن‭ ‬لجوئي‭ ‬الى‭ ‬المفردات‭ ‬الانجليزية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬اقتصر‭ ‬استخدامي‭ ‬لها‭ ‬مخاطبة‭ ‬من‭ ‬اعرف‭ ‬تماما‭ ‬أنهم‭ ‬يجيدونها‭.‬

يا‭ ‬عالم‭ ‬اسألوني‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬موت‭ ‬أي‭ ‬لغة‭ ‬لان‭ ‬اللغة‭ ‬النوبية‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬انها‭ ‬لساني‭ ‬الأم‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬سكرات‭ ‬الموت‭ ‬لأنها‭ ‬غير‭ ‬مكتوبة،‭ ‬ولأن‭ ‬أبناءها‭ ‬وبناتها‭ ‬باتوا‭ ‬يتخاطبون‭ ‬بالعربية،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬النوبية‭ ‬تنتج‭ ‬ثقافة‭ ‬او‭ ‬معرفة،‭ ‬وإذا‭ ‬ماتت‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الأفواه‭ ‬فإننا‭ ‬سنموت‭ ‬معها‭ ‬موتا‭ ‬معنويا‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬غزو‭ ‬ثقافي‭ ‬فأكبر‭ ‬مخاطره‭ ‬انه‭ ‬يروج‭ ‬للغة‭ ‬الغزاة‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬تكوينك‭ ‬اللغوي‭ ‬الأساسي‭ ‬هشا‭ ‬فإنك‭ ‬ستنجرف‭ ‬وتصبح‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬الغزاة‭ ‬وتشتري‭ ‬بضاعتهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬غثها‭ ‬من‭ ‬سمينها‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا