زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
فيليبس للتجسس
ظلت مسجلات وتلفزيونات وراديوات شركة فيليبس هي الأجود في أسواق العالم، على مدى عقود طوال، ولكن اليابانيين طرحوا أجهزة من كل صنف ولون وبأسعار في متناول الجميع، فبارت بضاعة فيليبس وغيرها من الشركات الغربية المنتجة للأجهزة الكهربائية والإلكترونية. ولأن الفاضي يعمل قاضي، فقد فكرت فيليبس ودبرت وقررت طرح جهاز اسمه دايركت لايف Direct life وإن ترجمت الاسم إلى العربية سيكون «الحياة المباشرة». وهذا الجهاز مؤامرة على الأمة العربية (أليس كل اختراع واكتشاف جديد مؤامرة على الأمة العربية، مع أن هناك من يقول – وأنا منهم – إن الأمة العربية ضحية مؤامرة من صنع نفسها وأبنائها وليس هناك في العالم من هو فاضي كي يتآمر عليهم؟ بذمتكم لماذا يتآمر علينا بلد أو أحد؟ لسرقة تصميم مفاعل الكبسة؟ لفك شفرة الفلافل؟ للاستيلاء على قواعد إطلاق صواريخ الكفتة؟)
ما علينا. فقد تم توزيع هذا الجهاز بلا مقابل على عشرات الآلاف من عمال وموظفي عدد من الشركات الأمريكية لأنه يحسب عدد السعرات الحرارية التي أحرقتها واستهلكتها خلال يوم أو أسبوع أو شهر. والجهاز في حجم طابع البريد ويمكنك أن تحمله في جيبك أو تلبسه في قلادة حول عنقك. وبين الحين والآخر تقوم بتوصيل الجهاز بالكمبيوتر (كما هو الحال مع اليو إس بي/ الفلاش ميموري) ليبلغك بوضعك الصحي بكل صراحة ووقاحة: يا ثور إذا لم تفقد ثلاثين كيلو خلال ثلاثة أشهر أحلق شنبي لو ما أصابتك جلطة.. أو جاتك نيلة أنيل من الجلطة. ودايركت لايف لا يعرف أصول مخاطبة النساء أي أنه يفتقر إلى الرقة والكياسة واللطف، وقد يفاجئ امرأة ما: اختشي على دمك.. بدل ما تحرقي سعرات حرارية حرقت أعصابي.. تاخدي كل يوم 8000 سعرة حرارية.. حرام عليكِ.. أنت بحاجة إلى خمسين سنة صيام كي تفقدي السعرات الزائدة عن حاجة جسمك!!..
بداهة فإن الجهاز يعطي رؤساءك في العمل فكرة عن حجم الجهد الذي تبذله لأداء المهام الموكلة إليك، بمعنى أنهم يستطيعون مقارنة عدد سعراتك الحرارية في بداية الدوام مع عددها بنهايته، فإذا كنت من النوع «الرِخم» الذي يستخدم الكرسي كسرير ويطبق حكم صلاة الجنازة على العمل (إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين) فإنك ستتعرض للتهزيء والشرشحة ولفت النظر. وربما الفصل من العمل.. بس لا «تشيل هم» طالما العمل في بلداننا يسير بمبدأ بي إم دبليو BMW (بي = باكر، إم = معليش، دبليو = ولا يهمك). بالمناسبة من أين جاءت كلمة «دوام» اسما لساعات العمل؟ أعني أنه لا علاقة للكلمة من قريب أو بعيد بأي شيء يتعلق بالعمل، ما لم تكن في الأصل «دوَّامة» وحذفت التاء المربوطة حتى لا يشمت بنا الأعداء. المهم لا تحملوا هم جهاز فليبس هذا لأن طبقة المديرين والتماسيح والهوامير أول من سيتضرر منه. بس الخوف هو أن هؤلاء «مفترين» فكما أنهم معفيون من التوقيع على دفاتر الحضور والانصراف فقد يعفوا أنفسهم من جهاز دايركت لايف ويدبسوا صغار الموظفين فيه، خاصة وأن الجماعة في العالم العربي يعشقون «الاستيراد» وتدخل مكتب موظف كبير لا يعرف كوعه من بوعه، فتجد فيه أجهزة عجيبة لا تجدها حتى في مكاتب المخابرات المركزية الأمريكية.
والله زرت مستشفى في دولة عربية بدعوة من إدارتها وفي إحدى القاعات وجدت معدات لم أر مثلها من قبل، فسألت عنها وقالوا لي عنها كلاما من النوع «الكبير» ولكن موظفا صغيرا همس في أذني لاحقا: والله ما في حد منهم عارف عنها شي وتراها مركونة على هذا الحال من سنتين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك