زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
كانت عهودا عذبة
هناك أيام وليال مازالت محفورة بقوة في ذاكرتي وأحنُّ اليها كثيرا. وأحنّ إلى عهود عذبة حفظها شاعر تونس الرقيق أبو القاسم الشابي: كانتْ أرقُّ من الزُّهورِ/ ومِنْ أَغاريدِ الطُّيورْ/ أَيَّامَ لم نعْرِفْ منَ الدُّنيا/ سوَى مَرَحِ السُّرورْ.
كان ذلك عندما كان العيال صغارا، وقبل أن تعركهم المدارس، ثم الجامعات، ثم بيئات العمل. كانت لنا أيام، حدثت فيها أمور صغيرة ولكن مبهجة، ومن بينها يوم مازلت أذكر تفاصيله، فقد كان يوما عصيبا في أوله، صرخت فيه كل عضلة في جسمي من فرط الألم، والسبب هو الارتحال القسري الى منزل جديد، وما يتطلبه ذلك من نقل للأثاث ومطاردة جماعة الستائر والنجار والسباك، وعدم الانتظام في الاستحمام، ولكنني وبرغم كل ذلك، قضيت بعد غروب شمسه ليلة ممتعة، فقد صار بيتنا القديم بلا سرير واحد، بينما بيتنا الجديد بلا مكيف واحد، فألقينا بالمراتب أرضا ونمت وعيالي وأمهم التي هي زوجتي الأولى (والأخيرة.. يا للصمود والثبات). نمنا في غرفة واحدة لا ستائر فيها مما جعل الإضاءة تتسلل اليها عبر فتحات الجرائد التي سدننا بها النوافذ. كان العيال في منتهى السرور لأن كل شيء في حياتنا صار مخالفا للمألوف منذ ان شرعنا في الانتقال الى بيت آخر. الوجبات كلها جاهزة. غرفة النوم الرئيسية صارت ملعبا للكرة الطائرة وحلبة للمصارعة. صار القفز فوق الاشياء مباحا. ولأننا جميعا كنا مرهقين فقد ران السكون على البيت في نحو العاشرة ليلا، وفجأة أحسست بيد ناعمة تلامس يدي. كانت تلك يد مروة.. يااااااه: متى كانت آخر مرة أمسكت فيها بيدي قبل ان تنام، فمنذ ان كان عمرها نحو تسعة أشهر اعتادت مروة النوم وهي تمسك بيدي. ولحسن حظها فإنني متخلف في الشؤون التربوية ولا أجعل أيا من أطفالي ينام بعيدا عني وأمه حتى يتجاوز الثالثة. وكانت تحرص دائما ان يكون سريرها الصغير ملاصقا لسريري حتى تخرج يدها من بين فتحاته لتمسك بيدي. أحيانا كانت يدي تعاني من التنميل فأسحبها بهدوء من يدها فيصدر عنها صوت صارم: هممممم. ومعناه «أنا صاحية، بلاش حركات»، فأفوض أمري الى الله وأمسك بيدها مجددا.
ثم جاءت مرحلة كبر فيها العيال و«تمدَّنا وتحضَّرنا» وصار كل منهم يطالب بغرفة، ويحكم إغلاق بابها معظم ساعات اليوم. الكمبيوتر والتلفزيون والهواتف الذكية خطفت عيالنا منا، وكان من المعتاد قبلها ان يخاطبني أحدهم برسالة عبر الهاتف بينما لا تفصل غرفتي عنه او عنها سوى نحو ثلاثة أمتار: بابا ممكن تطلب لنا كنتاكي. فأرسل ردا بليغا: لا!! فتأتي رسالة أخرى: أنت أبخل بابا في العالم! فتنطلق مني رسالة: لا كنتاكي اليوم. سنذهب جميعا الى مطعم على الكورنيش. ويكون لتلك الرسالة وقع السحر فأنال ترقية: أنت أحلى بابا في العالم الثالث، الله يخليك لنا.
أمسكت ليلتها بيد مروة فزال مني عناء الأيام الماضية، التي ظللت فيها ألهث وراء كل من له علاقة بنقل أشيائي الى البيت الجديد. ثم أحسست بيد تمسك برجلي. هذه اللمسة أعرفها جيدا: كانت تلك يد لؤي أصغر عيالي والذي يشكو دائما من إرغامي إياه على النوم المبكر. لففت قدمي حول يده وقرصته بأصابع رجلي (ولي بالمناسبة أظافر في قدمي مثل أظلاف البقر)، فصرخ ثم ضحك فنهض الجميع يستفسرون عن سر الضحكة التي أعقبت الهجوع الجماعي. وجلست على مرتبتي المفروشة على الأرض وقلت «أنا جعفر عباس عميد هذه الأسرة المباركة بهذا قررنا ما يلي: أولا، يسهر الجميع حتى بعد منتصف الليل، ثانيا مفيش مدارس أو عمل غدا لكم او لي. اضيئوا المصابيح وفرفشوا».. ففرفشوا.
في غمرة اللهاث اليومي اختفت من حياتنا مبهجات كثيرة، وكبر العيال وكبرت معهم الأحمال على أكتافهم، ولم يعودوا محتاجين إلينا كثيرا كما كان الحال على عهود الصبا، ومع هذا لا أقول ما قاله ابن الملوح في ليلاه: صَغيرَينِ نَرعى البَهمَ يا ليت أننا/ إِلى اليَومِ لَم نَكبَر وَلَم تَكبَرِ البَهمُ.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك