العدد : ١٧٧٠١ - الأربعاء ٠٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠١ - الأربعاء ٠٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

كانت عهودا عذبة

هناك‭ ‬أيام‭ ‬وليال‭ ‬مازالت‭ ‬محفورة‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬وأحنُّ‭ ‬اليها‭ ‬كثيرا‭. ‬وأحنّ‭ ‬إلى‭ ‬عهود‭ ‬عذبة‭ ‬حفظها‭ ‬شاعر‭ ‬تونس‭ ‬الرقيق‭ ‬أبو‭ ‬القاسم‭ ‬الشابي‭: ‬كانتْ‭ ‬أرقُّ‭ ‬من‭ ‬الزُّهورِ‭/ ‬ومِنْ‭ ‬أَغاريدِ‭ ‬الطُّيورْ‭/ ‬أَيَّامَ‭ ‬لم‭ ‬نعْرِفْ‭ ‬منَ‭ ‬الدُّنيا‭/ ‬سوَى‭ ‬مَرَحِ‭ ‬السُّرورْ‭.‬

كان‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬العيال‭ ‬صغارا،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬تعركهم‭ ‬المدارس،‭ ‬ثم‭ ‬الجامعات،‭ ‬ثم‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭. ‬كانت‭ ‬لنا‭ ‬أيام،‭ ‬حدثت‭ ‬فيها‭ ‬أمور‭ ‬صغيرة‭ ‬ولكن‭ ‬مبهجة،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬يوم‭ ‬مازلت‭ ‬أذكر‭ ‬تفاصيله،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يوما‭ ‬عصيبا‭ ‬في‭ ‬أوله،‭ ‬صرخت‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬عضلة‭ ‬في‭ ‬جسمي‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬الألم،‭ ‬والسبب‭ ‬هو‭ ‬الارتحال‭ ‬القسري‭ ‬الى‭ ‬منزل‭ ‬جديد،‭ ‬وما‭ ‬يتطلبه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬للأثاث‭ ‬ومطاردة‭ ‬جماعة‭ ‬الستائر‭ ‬والنجار‭ ‬والسباك،‭ ‬وعدم‭ ‬الانتظام‭ ‬في‭ ‬الاستحمام،‭ ‬ولكنني‭ ‬وبرغم‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬قضيت‭ ‬بعد‭ ‬غروب‭ ‬شمسه‭ ‬ليلة‭ ‬ممتعة،‭ ‬فقد‭ ‬صار‭ ‬بيتنا‭ ‬القديم‭ ‬بلا‭ ‬سرير‭ ‬واحد،‭ ‬بينما‭ ‬بيتنا‭ ‬الجديد‭ ‬بلا‭ ‬مكيف‭ ‬واحد،‭ ‬فألقينا‭ ‬بالمراتب‭ ‬أرضا‭ ‬ونمت‭ ‬وعيالي‭ ‬وأمهم‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬زوجتي‭ ‬الأولى‭ (‬والأخيرة‭.. ‬يا‭ ‬للصمود‭ ‬والثبات‭). ‬نمنا‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬ستائر‭ ‬فيها‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬الإضاءة‭ ‬تتسلل‭ ‬اليها‭ ‬عبر‭ ‬فتحات‭ ‬الجرائد‭ ‬التي‭ ‬سدننا‭ ‬بها‭ ‬النوافذ‭. ‬كان‭ ‬العيال‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬السرور‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬صار‭ ‬مخالفا‭ ‬للمألوف‭ ‬منذ‭ ‬ان‭ ‬شرعنا‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬الى‭ ‬بيت‭ ‬آخر‭. ‬الوجبات‭ ‬كلها‭ ‬جاهزة‭. ‬غرفة‭ ‬النوم‭ ‬الرئيسية‭ ‬صارت‭ ‬ملعبا‭ ‬للكرة‭ ‬الطائرة‭ ‬وحلبة‭ ‬للمصارعة‭. ‬صار‭ ‬القفز‭ ‬فوق‭ ‬الاشياء‭ ‬مباحا‭. ‬ولأننا‭ ‬جميعا‭ ‬كنا‭ ‬مرهقين‭ ‬فقد‭ ‬ران‭ ‬السكون‭ ‬على‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬العاشرة‭ ‬ليلا،‭ ‬وفجأة‭ ‬أحسست‭ ‬بيد‭ ‬ناعمة‭ ‬تلامس‭ ‬يدي‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬يد‭ ‬مروة‭.‬‭. ‬يااااااه‭: ‬متى‭ ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬مرة‭ ‬أمسكت‭ ‬فيها‭ ‬بيدي‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تنام،‭ ‬فمنذ‭ ‬ان‭ ‬كان‭ ‬عمرها‭ ‬نحو‭ ‬تسعة‭ ‬أشهر‭ ‬اعتادت‭ ‬مروة‭ ‬النوم‭ ‬وهي‭ ‬تمسك‭ ‬بيدي‭. ‬ولحسن‭ ‬حظها‭ ‬فإنني‭ ‬متخلف‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬التربوية‭ ‬ولا‭ ‬أجعل‭ ‬أيا‭ ‬من‭ ‬أطفالي‭ ‬ينام‭ ‬بعيدا‭ ‬عني‭ ‬وأمه‭ ‬حتى‭ ‬يتجاوز‭ ‬الثالثة‭. ‬وكانت‭ ‬تحرص‭ ‬دائما‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬سريرها‭ ‬الصغير‭ ‬ملاصقا‭ ‬لسريري‭ ‬حتى‭ ‬تخرج‭ ‬يدها‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬فتحاته‭ ‬لتمسك‭ ‬بيدي‭. ‬أحيانا‭ ‬كانت‭ ‬يدي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬التنميل‭ ‬فأسحبها‭ ‬بهدوء‭ ‬من‭ ‬يدها‭ ‬فيصدر‭ ‬عنها‭ ‬صوت‭ ‬صارم‭: ‬هممممم‭. ‬ومعناه‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬صاحية،‭ ‬بلاش‭ ‬حركات‮»‬،‭ ‬فأفوض‭ ‬أمري‭ ‬الى‭ ‬الله‭ ‬وأمسك‭ ‬بيدها‭ ‬مجددا‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬مرحلة‭ ‬كبر‭ ‬فيها‭ ‬العيال‭ ‬و«تمدَّنا‭ ‬وتحضَّرنا‮»‬‭ ‬وصار‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬يطالب‭ ‬بغرفة،‭ ‬ويحكم‭ ‬إغلاق‭ ‬بابها‭ ‬معظم‭ ‬ساعات‭ ‬اليوم‭. ‬الكمبيوتر‭ ‬والتلفزيون‭ ‬والهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬خطفت‭ ‬عيالنا‭ ‬منا،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬المعتاد‭ ‬قبلها‭ ‬ان‭ ‬يخاطبني‭ ‬أحدهم‭ ‬برسالة‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تفصل‭ ‬غرفتي‭ ‬عنه‭ ‬او‭ ‬عنها‭ ‬سوى‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمتار‭: ‬بابا‭ ‬ممكن‭ ‬تطلب‭ ‬لنا‭ ‬كنتاكي‭. ‬فأرسل‭ ‬ردا‭ ‬بليغا‭: ‬لا‭!! ‬فتأتي‭ ‬رسالة‭ ‬أخرى‭: ‬أنت‭ ‬أبخل‭ ‬بابا‭ ‬في‭ ‬العالم‭! ‬فتنطلق‭ ‬مني‭ ‬رسالة‭: ‬لا‭ ‬كنتاكي‭ ‬اليوم‭. ‬سنذهب‭ ‬جميعا‭ ‬الى‭ ‬مطعم‭ ‬على‭ ‬الكورنيش‭. ‬ويكون‭ ‬لتلك‭ ‬الرسالة‭ ‬وقع‭ ‬السحر‭ ‬فأنال‭ ‬ترقية‭: ‬أنت‭ ‬أحلى‭ ‬بابا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬الله‭ ‬يخليك‭ ‬لنا‭.‬

أمسكت‭ ‬ليلتها‭ ‬بيد‭ ‬مروة‭ ‬فزال‭ ‬مني‭ ‬عناء‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية،‭ ‬التي‭ ‬ظللت‭ ‬فيها‭ ‬ألهث‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بنقل‭ ‬أشيائي‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬الجديد‭. ‬ثم‭ ‬أحسست‭ ‬بيد‭ ‬تمسك‭ ‬برجلي‭. ‬هذه‭ ‬اللمسة‭ ‬أعرفها‭ ‬جيدا‭: ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬يد‭ ‬لؤي‭ ‬أصغر‭ ‬عيالي‭ ‬والذي‭ ‬يشكو‭ ‬دائما‭ ‬من‭ ‬إرغامي‭ ‬إياه‭ ‬على‭ ‬النوم‭ ‬المبكر‭. ‬لففت‭ ‬قدمي‭ ‬حول‭ ‬يده‭ ‬وقرصته‭ ‬بأصابع‭ ‬رجلي‭ (‬ولي‭ ‬بالمناسبة‭ ‬أظافر‭ ‬في‭ ‬قدمي‭ ‬مثل‭ ‬أظلاف‭ ‬البقر‭)‬،‭ ‬فصرخ‭ ‬ثم‭ ‬ضحك‭ ‬فنهض‭ ‬الجميع‭ ‬يستفسرون‭ ‬عن‭ ‬سر‭ ‬الضحكة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الهجوع‭ ‬الجماعي‭. ‬وجلست‭ ‬على‭ ‬مرتبتي‭ ‬المفروشة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وقلت‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬جعفر‭ ‬عباس‭ ‬عميد‭ ‬هذه‭ ‬الأسرة‭ ‬المباركة‭ ‬بهذا‭ ‬قررنا‭ ‬ما‭ ‬يلي‭: ‬أولا،‭ ‬يسهر‭ ‬الجميع‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل،‭ ‬ثانيا‭ ‬مفيش‭ ‬مدارس‭ ‬أو‭ ‬عمل‭ ‬غدا‭ ‬لكم‭ ‬او‭ ‬لي‭. ‬اضيئوا‭ ‬المصابيح‭ ‬وفرفشوا‮»‬‭.. ‬ففرفشوا‭.‬

‭ ‬في‭ ‬غمرة‭ ‬اللهاث‭ ‬اليومي‭ ‬اختفت‭ ‬من‭ ‬حياتنا‭ ‬مبهجات‭ ‬كثيرة،‭ ‬وكبر‭ ‬العيال‭ ‬وكبرت‭ ‬معهم‭ ‬الأحمال‭ ‬على‭ ‬أكتافهم،‭ ‬ولم‭ ‬يعودوا‭ ‬محتاجين‭ ‬إلينا‭ ‬كثيرا‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬على‭ ‬عهود‭ ‬الصبا،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬أقول‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬ابن‭ ‬الملوح‭ ‬في‭ ‬ليلاه‭: ‬صَغيرَينِ‭ ‬نَرعى‭ ‬البَهمَ‭ ‬يا‭ ‬ليت‭ ‬أننا‭/ ‬إِلى‭ ‬اليَومِ‭ ‬لَم‭ ‬نَكبَر‭ ‬وَلَم‭ ‬تَكبَرِ‭ ‬البَهمُ‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا