زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
عيني باردة
كتبت قبل سنوات وعلى مدى أربعة أيام متتالية مقالات عن سوزان بويل، تلك المرأة الاسكتلندية التي بهرت العالم بحنجرتها البديعة، بعد ان قررت المشاركة في مسابقة لاكتشاف المواهب الجديدة في قناة تلفزيونية بريطانية، ثم انتقلت إلى برنامج مشابه في الولايات المتحدة.. وشرحت مطولا لماذا عشقت الآنسة سوزان هذه، ولم تستنكر زوجتي ذلك رغم أن بعض الوشاة سرب إليها «معلومات خطيرة» مفادها ان جعفر اعترف على صفحات الجرائد بأنه متيم بخواجية. لم تسألني زوجتي عنها، ولكن يبدو أنها استعانت بعملائها في مجال الاستخبارات الداخلية -أي عيالنا- واكتشفت أيضا أنهم متيمون بها، ومن المؤكد انها ما كانت ستسكت على الأمر ما لم تر صورة بويل، وهي كما قلت في مقالاتي تلك من حيث الشكل من النوع الذي قد تصدر حولها فتوى من أحد جهابذة الإفتاء التلفزيوني الفوري بأن بقاء رجل معها في غرفة أبوابها وشبابيكها محكمة الإغلاق، لا يمثل خلوة غير شرعية لأنه لا سبيل أمام الشيطان مهما اجتهد بأن يكون ثالثهما. وهو نفس صنف المفتي الذي قال ان الجمع بين 6 زوجات من جنوب شرق آسيا، جائز لأنهن وبسبب صغر أحجامهن، «يساوين» 4 من الحجم الطبيعي!!
ولأن سوزان بويل ذات ملامح ليس فيها أي قدر من الوسامة، وكانت وقتها قد شارفت على الخمسين، فقد كانت محل استخفاف أعضاء لجنة التحكيم الذين وقفت أمامهم، إلى أن بدأت تغني واستمالت خلال دقائق قلوب عشرات الملايين في مختلف أنحاء العالم. ولهذا رأيت أنها تستحق الإشادة. ورغم أنني ظللت أتابع أخبار سوزان بانتظام، فإنني سرعان ما كتمت عن القراء أمرا يخصها. بمعنى أنني لم أكتب عن وضع صعب مرت ولا تزال تمر به. وتلقيت عشرات الرسائل التي تقول إنني على حق في إعجابي بسوزان ثم تلقيت 3 رسائل من 3 قراء يزعمون بان عيني حارة وأنني «جبت خبرها».
مع تراكم الشهرة والمال خلال وقت قصير، صارت سوزان بويل نزيلة مستشفى الأمراض العقلية، وتكتمت على الأمر لأنني كنت مدركا أن هناك من سيقول إنني «طخيتها عين». والله يا جماعة عيني ما تطخ نملة. عيناي أنهكتهما النظارات الطبية، وشموس السودان ومنطقة الخليج، وظلتا تنكمشان تدريجيا حتى بت أخشى أن أصحو يوما ما ولا أجدهما، ثم إنهم يقولون ان عين المحب لا تحسد وبالتالي لا تضر. تفسيري لانهيار سوزان نفسيا حتى احتاجت الى لزوم سرير مستشفى الأمراض العقلية هو أنها ضحية «التجارة». ففي جولة لاحقة من برنامج المواهب البريطاني أعطى الحكام المركز الأول لفرقة من عشرة شبان اسمها دايفيرسيتي (التنوع) وجاءت خالتي سوزان في المركز الثاني. القائمون على أمر البرنامج رأوا أن سوزان ناجحة بهم أو بدونهم وضمنوا أنهم يستطيعون إنتاج ألبوم خاص بها وتوزيع ملايين النسخ منه، ويا بخت من نفع واستنفع، «فلماذا لا نلمع فرقة دايفيرسيتي حتى تنجح بدورها ونجني منها الملايين أيضا».
كتبت أكثر من مرة منبها القراء الباحثين عن الثراء المفاجئ عن طريق الاشتراك في البرامج التلفزيونية بالمكالمات والرسائل النصية القصيرة، أنهم في واقع الأمر يدفعون في المكالمة والرسالة الواحدة كلفتها مضروبة في عشرة. وحتى المداخلات الهاتفية في برامج حوارية «بريئة» قد تكون بالشيء الفلاني بموجب اتفاق سري بين شركة اتصالات وقناة تلفزيونية أو إذاعية. اسمعوا كلامي، فقد قضيت نصف حياتي العملية في «التلفزيون». وصدقوني إذا قلت لكم ان الكثير من الحسناوات التي تصب «ريالة» الرجال بمجرد ظهورهن على الشاشة حتى وهن يقرأن أخبار الكوارث، لسن على الطبيعة أكثر حلاوة من أبي الجعافر!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك