عالم يتغير
فوزية رشيد
الخليج بين مطرقة وسندان إيران!
{ كان العنوان البديهي هو أن الخليج العربي اليوم واقع بين مطرقة أمريكا وسندان إيران، ولكن لأن التعنت الإيراني الذي دخل حالة الانتحار السياسي يريد أن يخنق قبل انتحاره كل دول الخليج والعالم، من خلال التحكم في ممرّ دولي هو مضيق هرمز، وضرب حركة الملاحة فيه والاحتياجات النفطية والطاقة، وبما يؤثر تأثيراً خطيرا في حركة التجارة العالمية مع مرور الوقت، خاصة بعد تراجع إمكانية استمرار الاعتماد على الحلول المؤقتة مثل استخدام المخزون سواء من الطاقة بالنسبة إلى العالم، أو من الأغذية وكل الاحتياجات بالنسبة إلى دولنا، وهذا يجعل من التهديد الإيراني أو تهديدات الحرس الثوري تهديداً لكل العالم الذي بدأ يدرك حجم التمادي الإيراني في استسهال تحدّي المصالح الإقليمية والدولية! وهذا يحيلنا إلى البداية وإلى أن الخليج جراء التهوّر الإيراني واقع بين مطرقة وسندان إيران معا!
{ أمريكا تضغط عسكريا وحصار اقتصادي ومالي، وإيران ترّد بضرب الخليج والأردن، وبهجمات فاشلة كما وصفها الجيش الأمريكي على سفن حربية أمريكية، ولكن بالمقابل تم قصف ناقلات نفط تابعة للحرس الثوري! وفي البيان الأمريكي، أن السفن الإيرانية الثلاث، التي تم قصفها كانت (جزءاً من شبكة ظلت بمليارات الدولارات تُموّل الحرس الثوري الإيراني ووكلاءه في المنطقة) أي أن الحرس الثوري مستمر في نهجه العدواني ضدّ دول المنطقة!
{ وفيما يتصاعد الضغط الأمريكي عبر الحصار الاقتصادي والمالي والهجمات المتقطعة منذ أشهر، وحين وصفها نائب الرئيس الأمريكي «جي - جيه دي فانس» بأنها ليست حرباً! قال ترامب تعليقاً على ذلك قبل أيام (أنا أسميه صراعا عسكريا لأنه أمر بسيط بالنسبة إلينا.. إنه ليس بالأمر الكبير)!
ولكن مثل هذا التصريح لا يعكس الأمر الواقع! لآن التقليل من أضرار الحرب هو خطاب للداخل الأمريكي، وليس لدول الخليج الأكثر تضرّراً من ردات الفعل الإيرانية على هجمات أمريكا المتقطعة! إلى جانب الاستمرار في عدم الحسم وجعل الحالة دائرة بين «اللا حرب واللا سلم» هي حالة منهكة وليس أمرا بسيطا بل أمرا كبيرا، مع استمرار الاستنزاف لدول الخليج العربي والاقتصاد العالمي! وحيث صبر دولنا على الاستفزازات العسكرية الدائمة والهجوم الغاشم على المنشآت الحيوية، لا يمكن الرهان عليه كحالة دائمة! خاصة حين تختلط أوراق الاستفزاز الإيراني بلعبة الأمم التي تلعبها الولايات المتحدة على المنطقة والعالم!
{ ولعل أصدق التصريحات الإيرانية هي تلك التي أدلى بها الرئيس الإيراني السابق «حسن روحاني» قبل أيام، وهو يصف المأزق الإيراني على المستوى السياسي والشعبي، ويدين تحديات الحرس الثوري بشكل غير مباشر وهو يقول (إنه إذا كان من المقرّر أن تواصل إيران القتال مع القوى الكبرى في العالم مدة 20 عاما أخرى، فينبغي أولاً سؤال الشعب الإيراني عن رأيه)!
وفي لقاء عُقد في 31 أغسطس 2026 مع عدد من المحافظين الذين عملوا معه خلال رئاسته السابقة، قال في تسجيلات مصورة بثتها مواقع إيرانية قال (إذا وافق الشعب الإيراني على مواصلة الحرب مع القوى الكبرى، فهذا جيد جداً ولنواصل الطريق، ولكن إذا لم يقبل الشعب فلا بدّ من قبول الطريق الآخر الذي يقترحه شعبنا)! بل وربما بصراحة نادرة أضاف (لا أحد حاكم من جانب نفسه أو من جانب الله! من خلال أصوات الشعب وُضعت السلطة والحكم في أيدي من يحكمون) هل هذا توجيه مباشر لنقد من يعبر أنه يحكم من جانب الله؟! وطالب «حسن روحاني» بالاستعداد للتشاور مع الشعب الإيراني وهو يشير إلى ما وصفه بـ (مشورة) النبي محمد صلى الله عليه وسلم) الناس.، بل وجه النقد إلى الإعلام الرسمي ووصف جهاز الإذاعة والتلفزيون بأنه لا يمثل جميع فئات الشعب، بل هو محتكر لفئة محدودة وأقلية صغيرة بدلا من أن يكون إعلاما وطنيا!
وأكدّ أن الإعلام الإيراني وإدارة التلفزيون الرسمي لا تحترم الشعب الإيراني! ونضيف (ولا تحترم شعوب العالم كلها)!
{ مثل تلك التصريحات للرئيس الإيراني السابق تشير إما إلى وجود انقسام حقيقي في الموقف الإيراني من الحرب، أو أن «روحاني» يمارس لعبة تبادل الأدوار، باعتبار التعبير عن رأيه بهذا الشكل قد يمثل (خط رجعة) لإيران، بعد تواصل الضغط الأمريكي، وتدهور الأوضاع داخل إيران، والمزيد من سقوط التومان «العملة الإيرانية» ووصول الشعب الإيراني إلى أعلى درجات الضغط الداخلي مادياً ونفسياً، واتساع خط الفقر في كل إيران!
{ والمشكلة أن لعبة التحدّي التي لا يتم حسمها بل ويعمل الطرفان الأمريكي والإيراني على استمرارها، وحيث ترامب والحرس الثوري كل يعمل ويواصل في ذلك وفقاً لحساباته الخاصة! فإن المنطقة والعالم وتحديداً الخليج العربي تقع عليه أعباء هذه الحالة من اللا حرب واللا سلم، مثلما تقع أعباؤها على الشعب الإيراني نفسه، الذي يبدو أن «الحرس الثوري» لا يفكرّ فيه ولا في أحواله وإنما يستمر في إعلان انتصاراته الوهمية، حاله حال «ترامب» الذي بدوره يعلن انتصاراته! من الواضح أن العالم يحتاج اليوم إلى تحديد مفهوم الانتصار أولاً حتى يتخلص من استفزازات وتداعيات الحرب القائمة!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك