عالم يتغير
فوزية رشيد
الحوكمة العالمية والحكمة الصينية!
{ العالم كله يشهد حجم التراجع والعجز في النظام الدولي الراهن، الذي سقطت كل أقنعته خاصة بعد الحرب على غزة وأحداثها المأساوية المؤلمة بعد طوفان الأقصى 2023 واستمرت أكثر من ثلاث سنوات وتداعياتها مستمرة حتى الآن التي جعلت تلك الحرب شعوب العالم كله تستيقظ على ما يمثله هذا النظام الغربي، من الإخلال بدور الأمم المتحدة وبالقانون الدولي وبالمبادئ الإنسانية وبما يمثله الاستفراد الرأسمالي الجشع بالعالم والذي أدى الى فساد الحوكمة العالمية! وغياب العدل والسلام والأمن العالمي!
حتى أصبح هذا العالم وكأنه مجرد ساحة مفتوحة لكل أنواع الجشع والاستغلال والهيمنة عبر الحروب والأزمات والصراعات من دون النظر الى مستقبله ومستقبل الشعوب التي تعيش على الأرض! في ظل هذا العجز الدولي بانت الشعوب تعيش ضبابية سياسية وقانونية وأخلاقية بل وإنسانية وتحتاج إلى رؤى جديدة تعيد التوازن إلى العالم! وهنا يأتي دور القوى الكبرى الجديدة وعلى رأسها الصين!
{ خلال قمة رؤساء الدول الأعضاء في (منظمة شنغهاي للتعاون)، التي انعقدت بين يومي 31 أغسطس و 1 سبتمبر 2025، أطلق الرئيس الصيني «شي جين بينغ» مبادرة جديدة تحت اسم (مبادرة الحوكمة العالمية GGI) وقد مر حاليا عام على هذه المبادرة، التي تحتاج إلى وعي عالمي يحتضن مبادئها ومقترحاتها وإجراءاتها لحوكمة عالمية أكثر عدلاً، وخاصة أن العالم يواجه كثيرا من التحديات بل والتهديدات التي قوضت بين ما قوضت سيادة القانون على المستوى الدولي، مما يجعل العالم بحاجة الى أسس هذه المبادرة الصينية ومفاهيمها الأساسية التي تؤكد (المساواة في السيادة بين الدول، وسيادة القانون على الصعيد الدولي، والتعددية أي تعددية الأقطاب في العالم، والنهج المتمحور حول الشعب، والإجراءات الملموسة) ومبدأ السيادة بين الدول منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة ولكن من دون تفعيل، واحترام سيادة الدول لا تفرقة فيه بين دول كبيرة أو صغيرة، ودول غنية أو فقيرة، ودول قوية أو ضعيفة! ومثل السيادة تأتي أهمية احترام القانون الدولي! وأهمية فتح الباب أمام التعددية القطبية من أجل تحقيق السلام والاستقرار والتنمية عبر التكاملية بين الدول، وخلق التوازن بين الحقوق والواجبات والتعامل مع القضايا العالمية، باعتبارها تحدياً عالمياً، وعلى جميع الدول المساهمة في حلها من خلال التعاون الدولي الحقيقي، وليس عبر نظام عالمي فاسد يكرس الاستفراد بالقوة، وممارسة الهيمنة والسطوة والابتزاز لتحقيق أطماع دول وقوى تقود النظام الدولي الفاسد قيادة أمريكية - غربية، لا تزال تحاول تدوير آليات استعمارها القديم الذي مارسته في العالم وإن بثباب جديدة!
{ لهذا فإن المبادرة الصينية تستحق أن يتفاعل العالم كله معها بعين الجديَّة، لأن الحكمة الصينية على المستوى التاريخي تقوم على رؤية الإنسان والعالم في إطار متكامل، وتنعكس تلك الرؤية على استراتيجية الصين حول التنمية والسلام عبر مبادرات عديدة منها مبادرة (الأمن العالمي)2020 ومبادرة (التنمية العالمية)2021 و(الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي والحضارة العالمية) عام 2023، ومبادرة الحوكمة العالمية عام 2025! هكذا تثبت الصين التأكيد الدائم على خلق عالم متناغم ومتعاون، وحيث مبادرتها الأهم «مبادرة الحزام والطريق»، تعكس مشهداً عالمياً مستقبليا، لعالم أكثر أمنا وأكثر تماسكا وأكثر استقرارا، كشروط بديهية للتنمية المستدامة في العالم، كطريق جيو استراتيجي قائم على مفاهيم التعاون العالمي والتكامل بين الدول يجعل المؤسسات الدولية أكثر فعالية واستقلالية وبما يخدم مصالح كل الدول خاصة الدول النامية!
{ من الواضح أن الصين، وهي تسعى إلى إصلاح شامل للحكم العالمي أو النظام الدولي، تحتاج في مبادرتها حول (الحوكمة العالمية)، إلى تكاتف دولي بعيداً عن سياسات الاستقطاب الغربية، التي لا تريد إلا مصالحها وحدها! وهذا يستدعي إصلاح المؤسسات الدولية، خاصة أنه مطلب عالمي يتجدد سنوياً بعد تهالك أهداف تأسس المؤسسات الدولية تلك بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كرست جوهرها فقط للمصالح والهيمنة الغربية على العالم!
وهذا يتطلب بالفعل أن يكون للدول النامية مجال أوسع للتعبير عن مشاركتها وفعاليتها في صنع القرار الدولي! ولأن كل المبادرات الصينية بشكل عام تصب في النهاية في ترسيخ (مبادرة الحزام والطريق) فإنها تصب بالطبع في الأمن العالمي والتنمية المستدامة والاستقرار والسلام كأسس لربط العالم اقتصاديا وتجارياً ومالياً وتكنولوجيا على أسس جديدة تطرحها مبادرة الحزام والطريق نفسها كمبادئ دولية جديدة!
{ ولكي يتحقق التعاون الدولي القائم على احترام سيادة كل الدول وعلى احترام الحقوق والواجبات وفق القانون الدولي، وعلى تحقيق التنمية المستدامة المشتركة بين الدول لتحقيق المصلحة للجميع، فإن المستقبل العالمي المشترك بحاجة ماسة اليوم إلى (حوارات دولية) مستمرة تقودها القوى المتطلعة إلى نظام دولي جديد أكثر عدلاً ومساواة، خاصة والعالم قد دخل مجالات التطور العلمي والتكنولوجي من أوسع الأبواب، مما يجعل المبادئ التي تحكم الاقتصاد الدولي والتجاري والمالي بحاجة إلى رؤى جديدة، كالتي تطرحها الصين كمبادرات صينية، توضح أن العالم يحتاج إلى (إدارة جديدة) من خلال التعددية والتعاون الدولي الحقيقي، وحيث الفرص مفتوحة للجميع في المشاركة والاستفادة؟!
{ بعد مرور عام على مبادرة الحوكمة العالمية المهمة التي تعمل على تهيئة الظروف وصناعة الفرص لعالم أكثر توازناً، فإن الحوار الدولي المتكرر حول هذه المبادرة هو أمر حيوي كما قلنا لتكريس مبدأ التعددية والتعاون الدولي في مواجهة التحديات، والتكامل الحضاري والثقافي بين الشعوب المختلفة، ولإتاحة الفرصة لعالم يتطلع إلى التنمية الشاملة والتكاملية بين الدول، بدلا من الصراعات والأزمات والحروب التي لا يستفيد منها إلا قادة الاستبداد العالمي وقادة الشركات (شركات السلاح) وغيرها، وقادة التفكير الاستعماري الجديد، الذي يسيطر فيه 1% على أكثر من نصف ثروات العالم! والمستقبل تصنعه الدول معاً وهذا ما تدعو إليه الصين والحكمة الصينية!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك