عالم يتغير
فوزية رشيد
أمريكا وإيران والمعادلة الخبيثة وعن قصد!
{ كلنا نتذكر حين كان الهدف من الكيان الصهيوني والغرب هو العراق، فإن الهجوم الكاسح من الكيان أنهى تجربة العراق النووية في الثمانينيات في عدة ساعات فقط! كان ذلك في 1981 حيث دمر الكيان الصهيوني مفاعل تموز، رغم أن البرنامج كان سلمياً! ثم تمّ اختراع تورط العراق في أحداث سبتمبر بحجة كاذبة حول أسلحة الدمار الشامل، تم تدمير العراق واحتلاله عام 2003، بعد حصار قاس دام 13 عاماً! وتم إسقاط النظام وتسليم العراق لإيران وأعوانها ومليشياتها! لم يكن هناك خطابات متناقضة ومتغيرة تجاه العراق كما يحدث اليوم من الجائب الأمريكي تجاه إيران!
ولم تكن المعادلة قائمة على عدم الحسم أو على اللاحرب واللاسلم، أو على المفاوضات المستمرة غير المعروفة في غاياتها وأهدافها! أو على «السماح» لإيران بالتلاعب بممرات الطاقة، والهجوم على الناقلات والسفن والتلاعب بمضيق هرمز وإغلاقه، والتهديد من خلال «الحوثي» حول «باب المندب»! أي صناعة الأزمة في الخليج والعالم، وكأن الأمر في حقيقته لا يهم الولايات المتحدة، وأن إيران هي الأقوى في العالم كما تروج لنفسها، وترامب يمارس لعبة إضعاف أمريكا أمامها عن قصد!
{ هناك أمر مريب حين يطرح الواقع أمام الأعين شكوكاً حول الأهداف الأمريكية في المنطقة! وإن كان تخبطها هو سياسة في حدّ ذاتها! وأن تخفيضات إدارة ترامب في سقف مطالبها مقصودة أيضاً! ليس لانتشال نفسها من حرب إيران، وإنما للإبقاء على الأزمة وإدارتها على الطريقة الأمريكية، التي تجعل من «مضيق هرمز» لعبة في اليد الإيرانية، لإضعاف وصول النفط إلى الصين والضغط عليها من جهة، ولتعطيل التنمية التي كانت متسارعة في الخليج من جهة أخرى، وإدخالها بالتدريج في حالة الضعف والاستفزاز، الذي قد يؤدي مع الوقت إلى مواجهة بين السعودية ودول خليجية أخرى وإيران! فتتدمر المنطقة كما يحلم الكيان الصهيوني! ليكون هذا الكيان هو الأقوى وهو المهيمن بين دول مدمرة! ولا نصدق الخلافات التي يتم الترويج لها بين أمريكا والكيان الصهيوني!
{ في بداية الحرب في فبراير 2026 كانت الأهداف هي تحقيق الاستسلام الكامل لإيران، وتغيير النظام، وضمان عدم حصول إيران مطلقاً على سلاح نووي، وإنهاء دعم طهران للجماعات التابعة لها وأذرعها ووكلائها! كل تلك الأهداف رغم الضربات «الاسرائيلية» والأمريكية في هذه الحرب وفي الحرب التي سبقتها «حرب الـ12 يوماً» في 2025 لم يتم تحقيقها! بل بعد مرور 6 أشهر تغيرت الأهداف عدة مرات وجرى تقليصها! ليعلن نائب الرئيس الأمريكي «جيه دي فانس» في آخر تصريح له قبل أيام مع شبكة «فوكس فيوز» أن الإدارة الأمريكية تستعد للاكتفاء بأقل وربما أقل كثيراً!
وأن الهدف حالياً هو ضمان استمرار دول الخليج في تصدير النفط والغاز للاقتصاد العالمي، وبما يضمن استقرار أسعار الطاقة وخاصة للأمريكيين!
والهدف الثاني هو ضمان ألا تحصل إيران مطلقاً على سلاح نووي! أما الأضرار التي تلحق بدول الخليج فلا مكان لها في التفكير الأمريكي! ولذلك فإن كل الأهداف التي قامت من أجلها الحرب، وورطت الخليج والمنطقة والعالم من خلالها في أزمات مختلفة، أكثرها شِدّة هي على دول الخليج نفسها! كل الأهداف السابقة تم التراجع عنها! وتمّ ترك دول الخليج لتواجه وحدها أيضا تفاقم الأزمات التي تصنعها إيران عن عمد والاعتداءات المتكررة، من دون اهتمام أمريكي حقيقي! وكأن الطبخة المسمومة التي اتفقت عليها أطراف الحرب (أمريكا، إسرائيل، إيران) هي التأثير على دول الخليج العربي واستمرار الاعتداءات عليها بما يلحق الضرر بأمن الطاقة ومن ثم اقتصادها وتنميتها! ومع هذا التعنت الإيراني المتروك من الجانب الأمريكي لكل أشكال التمادي تتم تهيئة الخليج والمنطقة لحرب شاملة كما هو الرجاء «الإسرائيلي» رغم ما يقال عن خلافات بينها وبين أمريكا، لا أراها إلا تبادل أدوار!
{ هل دفع المنطقة إلى حافة الهاوية هو السياسة الأمريكية الحقيقية، لتحويل منطقة الخليج والشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة لحروب واسعة النطاق، وتتوالد مع مرور الوقت؟ هل هذا هو سبب «الغضب الخليجي غير المسبوق» كما كشفت صحيفة «واشنطن بوست» وخاصة مع عجز «ترامب» عن إنهاء حرب إيران؟! هل هو عجز أمريكي أم هو توجه مقصود لاستمرار الغليان على صفيح ساخن لإدارة الأزمة أمريكيا ضد الصين حتى لو بالإضرار بالخليج، ما يعني في الوقت ذاته التخلي عن الحلفاء الخليجيين، رغم أن ترامب هو الذي أشعل فتيل الحرب وبدون التشاور مع دول الخليج التي تدفع اليوم الثمن؟! بل جعل المفاوضات تستمر مع إيران فيما هي تشن الاعتداءات الغادرة على دول الخليج، ووكلاؤها بدورهم وخاصة في العراق واليمن الذين يشنون اعتداءاتهم على المنطقة حتى اليوم!
{ وبحسب صحيفة واشنطن بوست وتقريرها فإن الاعتماد التاريخي لدول الخليج على واشنطن كشريك أمني ومورد للأسلحة ربما قد دخل مرحلة التخلخل، وأن الوضع الحالي ينم عن إحباط خليجي، دفع عدة دول إلى مناقشة جدوى استمرار استضافة القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها والبحث عن ترتيبات أمنية جديدة! وبحسب مسؤول أوروبي رفيع المستوى فإن (اتفاقية الدفاع المشترك) بين السعودية وتركيا وباكستان تمثل رسالة واضحة ومباشرة إلى واشنطن! وأن هذه الدول تسعى بشكل حثيث إلى تنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية، وأن الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد كافيا!
{ وإذا كان ترامب «يمارس سياسة متهورة» و«غير متوقعة» كما يصفها البعض! وسواء كانت تلك السياسة مقصودة في حدّ ذاتها، أو أنها فقط ناجمة عن تهور الرئيس الأمريكي فإن من يدفع ثمن هذا التلاعب السياسي الخبيث وإعطاء الكيان الفرصة لإيران مرة بعد أخرى لكي تمارس عدوانها على دول الخليج، وهي تواصل الابتزاز عليها وعلى العالم من خلال «مضيق هرمز»، الذي تحوّل إلى مشكلة بعد أن كان ممراً طبيعياً! نقول إن على دولنا الخليجية أن تواصل سعيها في البحث عن ترتيبات أمنية جديدة! وأن تحمي شعوبها ودولها من العبث الصهيوني (الأمريكي - الاسرائيلي - الإيراني) المجتمع اليوم كما نرى على الإضرار بدول الخليج والمنطقة العربية وحدها، قبل أن يحين الدور على إيران نفسها ليبقى الكيان الصهيوني المهيمن الأوحد بعدها كما يحلم الصهاينة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك