العدد : ١٧٦٥٨ - الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٨ - الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٨هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

أين ذهب كل المثقفين؟!

{‭ ‬‮«‬أين‭ ‬ذهب‭ ‬كل‭ ‬المثقفين‮»‬‭ ‬هو‭ ‬كتاب‭ ‬للفيلسوف‭ ‬وعالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬‮«‬فرانك‭ ‬فوريدي‮»‬‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬2004،‭ ‬حيث‭ ‬يقدم‭ ‬‮«‬فوريدي‮»‬‭ ‬نقداً‭ ‬حاداً‭ ‬للحالة‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬في‭ ‬الغرب‭! ‬متسائلاً‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬‮«‬المثقفين‭ ‬الحقيقيين‮»‬‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬وانحدار‭ ‬الخطاب‭ ‬الثقافي‭! ‬وأهم‭ ‬الأفكار‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬العام‭ ‬وتأثيره‭ ‬على‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬والسياسة،‭ ‬وتحول‭ ‬المثقف‭ ‬من‭ ‬صاحب‭ ‬مشروع‭ ‬فكري‭ ‬مستقل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خبير‮»‬‭ ‬تقني‭ ‬يخدم‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬السوق‭! ‬ثم‭ ‬يطرح‭ ‬المؤلف‭ ‬‮«‬فوريدي‮»‬‭ ‬رأيه‭ ‬حول‭ ‬‮«‬أزمة‭ ‬الثقافة‭ ‬الأكاديمية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تحويل‭ ‬الجامعات‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مؤسسات‭ ‬نفعية‮»‬‭ ‬تُعلي‭ ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬الوظيفية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭! ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬التعليم‭ ‬العالي‮»‬‭ ‬فقد‭ ‬طموحه‭ ‬الفكري،‭ ‬وأصبح‭ ‬ينتج‭ ‬خريجين‭ ‬لا‭ ‬يهتمون‭ ‬بالأسئلة‭ ‬الوجودية‭ ‬أو‭ ‬القيم‭ ‬العامة‭! ‬في‭ ‬فصل‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬يطرح‭ ‬المؤلف‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الاستسلام‭ ‬للثقافة‭ ‬الجماهيرية‮»‬‭ ‬وما‭ ‬يمثله‭ ‬حالياً‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭! ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬تخلّى‭ ‬المثقفون‭ ‬عن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬العليا‭ ‬للثقافة،‭ ‬وراحوا‭ ‬يسايرون‭ ‬الذوق‭ ‬العام‭ ‬والشعبوية،‭ ‬وتحولت‭ ‬الثقافة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬ترفيهية‮»‬‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ناقدة‭ ‬وبناءة‭! ‬ويدعو‭ ‬المؤلف‭ ‬إلى‭ ‬بعث‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬النقدي‭ ‬المستقل‭!‬

{‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المؤلف‭ ‬يقوم‭ ‬بنقده‭ ‬الحاد‭ ‬للحالة‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬فماذا‭ ‬نقول‭ ‬نحن‭ ‬المتأثرين‭ ‬بكل‭ ‬تأثيرات‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬وخاصة‭ ‬تأثيراتها‭ ‬على‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي؟‭! ‬ماذا‭ ‬نقول‭ ‬إذاً‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب،‭ ‬الذين‭ ‬تراجعوا‭ ‬عن‭ ‬دورهم‭ ‬الثقافي‭ ‬والفكري‭ ‬العام،‭ ‬وتركوا‭ ‬الساحة‭ ‬فارغة‭ ‬لمتسلقي‭ ‬الثقافة‭ ‬والفكر‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يحكمه‭ ‬نظام‭ ‬التفاهة‭ ‬الفكرية‭ ‬والرأي‭ ‬العام‭ ‬السطحي؟‭! ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬وكأنها‭ ‬قد‭ ‬رضيت‭ ‬بعزلة‭ ‬مثقفيها‭ ‬ومفكريها‭ ‬الحقيقيين‭ ‬وأصبحت‭ ‬لا‭ ‬تستمع‭ ‬لهم‭! ‬بل‭ ‬وضعتهم‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬التهميش‭ ‬ليختفي‭ ‬الصوت‭ ‬الفكري‭ ‬النقدي‭ ‬المستقلّ،‭ ‬ويزدهر‭ ‬سوق‭ ‬‮«‬المثقفين‭ ‬الخبراء‮»‬،‭ ‬الذين‭ ‬يخدمون‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ويبحثون‭ ‬عن‭ ‬رضا‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية،‭ ‬ليحوزوا‭ ‬المناصب‭! ‬وبذلك‭ ‬تتحوّل‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬بدورها‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعات‭ ‬تستهلك‭ ‬التفاهة‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافة‭ ‬السطحية،‭ ‬ويغيب‭ ‬الدور‭ ‬الحقيقي‭ ‬للثقافة‭ ‬الحقيقية‭ ‬والمعرفة‭ ‬العميقة،‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬تحريات‭ ‬النظام‭ ‬العولمي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬السطحية‭ ‬والتفاهة‭ ‬ونبذ‭ ‬الفكر‭ ‬العميق‭ ‬والقيم‭ ‬العليا‭!‬

{‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬أين‭ ‬ذهب‭ ‬كل‭ ‬المثقفين؟‭!‬‮»‬‭ ‬أثار‭ ‬نقاشاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وتلقى‭ ‬مراجعات‭ ‬نقدية‭ ‬من‭ ‬صحف‭ ‬ومجلات‭ ‬مشهورة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الجارديان‮»‬‭ ‬و‮«‬times‭ ‬highes‭ ‬education‮»‬،‭ ‬ويعتبر‭ ‬الكتاب‭ ‬مساهمة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬الكتاب‭ ‬تأثيراً‭ ‬ثقافياً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬جوائز‭ ‬رسمية‭!‬

وأعتقد‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬مطالبون‭ ‬بدورنا‭ ‬بفتح‭ ‬باب‭ ‬المناقشة‭ ‬واسعاً‭ ‬حول‭ (‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭)‬،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬باتت‭ ‬تعاني‭ ‬بشدة‭ ‬من‭ (‬التبعية‭ ‬الثقافية‭) ‬للثقافة‭ ‬الغربية،‭ ‬التي‭ ‬ينتقد‭ ‬ماهيتها‭ ‬‮«‬فرانك‭ ‬فوريدي‮»‬‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬المهم‭! ‬إلى‭ ‬جانب‭ (‬التبعية‭ ‬التعليمية‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬خريجي‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬والجامعات‭ ‬العربية‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬الافتقار‭ ‬إلى‭ ‬الأسئلة‭ ‬الوجودية‭ ‬أو‭ ‬أسئلة‭ ‬القيم‭ ‬والأخلاق‭ ‬والدين‭ ‬والأسئلة‭ ‬الفكرية‭ ‬العميقة‭! ‬

{‭ ‬ولأننا‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أصوات‭ ‬ثقافية‭ ‬وفكرية‭ ‬حقيقية‭ ‬ومستقلة‭ ‬وبفكر‭ ‬نقدي‭ ‬إيجابي،‭ ‬يصون‭ ‬الذاكرة‭ ‬الانسانية‭ ‬والتاريخية‭ ‬والحضارية‭ ‬للإنسان‭ ‬العربي،‭ ‬مثلما‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الاختراقات‭ ‬بدورها،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬الأسس‭ ‬المهمة‭  ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬دولنا‭ ‬هو‭ (‬تعميق‭ ‬دور‭ ‬الثقافة‭ ‬الحقيقية‭ ‬ودور‭ ‬المثقفين‭ ‬المستقلين‭)‬،‭ ‬الذين‭ ‬يقدّمون‭ ‬الآراء‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إليها‭ ‬دولنا‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬ذاكرتها‭ ‬وهويتها‭ ‬ودورها‭ ‬الحضاري،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتلاطم‭ ‬فيه‭ ‬أمواج‭ ‬السطحية‭ ‬والتفاهة‭ ‬وغياب‭ ‬دور‭ ‬المثقفين‭ ‬الحقيقيين‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬‮«‬فرانك‭ ‬فوريدي‮»‬‭ ‬في‭ ‬كتابه‭! ‬ونقول‭ ‬نحن‭ ‬مثل‭ ‬الذي‭ ‬قاله‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬ولا‭ ‬أذن‭ ‬تسمع‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا