عالم يتغير
فوزية رشيد
أين ذهب كل المثقفين؟!
{ «أين ذهب كل المثقفين» هو كتاب للفيلسوف وعالم الاجتماع «فرانك فوريدي» صدر عام 2004، حيث يقدم «فوريدي» نقداً حاداً للحالة الثقافية والفكرية في الغرب! متسائلاً عن غياب «المثقفين الحقيقيين» عن الحياة العامة، وانحدار الخطاب الثقافي! وأهم الأفكار في الكتاب تدور حول تراجع دور المثقف العام وتأثيره على الرأي العام والسياسة، وتحول المثقف من صاحب مشروع فكري مستقل إلى «خبير» تقني يخدم مؤسسات الدولة أو السوق! ثم يطرح المؤلف «فوريدي» رأيه حول «أزمة الثقافة الأكاديمية» في الغرب، حيث تم تحويل الجامعات إلى «مؤسسات نفعية» تُعلي من المهارات الوظيفية على حساب التفكير النقدي! ويشير إلى أن «التعليم العالي» فقد طموحه الفكري، وأصبح ينتج خريجين لا يهتمون بالأسئلة الوجودية أو القيم العامة! في فصل آخر في الكتاب يطرح المؤلف فكرة «الاستسلام للثقافة الجماهيرية» وما يمثله حالياً من ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي! وفي هذا المشهد تخلّى المثقفون عن الدفاع عن القيم العليا للثقافة، وراحوا يسايرون الذوق العام والشعبوية، وتحولت الثقافة إلى «حالة ترفيهية» بدل أن تكون ناقدة وبناءة! ويدعو المؤلف إلى بعث دور المثقف النقدي المستقل!
{ إذا كان المؤلف يقوم بنقده الحاد للحالة الثقافية والفكرية في الغرب، فماذا نقول نحن المتأثرين بكل تأثيرات الثقافة الغربية على العالم، وخاصة تأثيراتها على عالمنا العربي؟! ماذا نقول إذاً عن دور المثقفين العرب، الذين تراجعوا عن دورهم الثقافي والفكري العام، وتركوا الساحة فارغة لمتسلقي الثقافة والفكر في عالم يحكمه نظام التفاهة الفكرية والرأي العام السطحي؟! حتى أصبحت المجتمعات العربية وكأنها قد رضيت بعزلة مثقفيها ومفكريها الحقيقيين وأصبحت لا تستمع لهم! بل وضعتهم في خانة التهميش ليختفي الصوت الفكري النقدي المستقلّ، ويزدهر سوق «المثقفين الخبراء»، الذين يخدمون المؤسسات، ويبحثون عن رضا الجهات الرسمية، ليحوزوا المناصب! وبذلك تتحوّل المجتمعات العربية بدورها إلى مجتمعات تستهلك التفاهة الفكرية والثقافة السطحية، ويغيب الدور الحقيقي للثقافة الحقيقية والمعرفة العميقة، التي تواجه تحريات النظام العولمي القائم على ترسيخ السطحية والتفاهة ونبذ الفكر العميق والقيم العليا!
{ كتاب «أين ذهب كل المثقفين؟!» أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والثقافية، وتلقى مراجعات نقدية من صحف ومجلات مشهورة مثل «الجارديان» و«times highes education»، ويعتبر الكتاب مساهمة مهمة في النقاش حول دور المثقف في العصر الحديث، ما منح الكتاب تأثيراً ثقافياً ملحوظاً رغم عدم حصوله على جوائز رسمية!
وأعتقد أننا في الوطن العربي مطالبون بدورنا بفتح باب المناقشة واسعاً حول (دور المثقف في العصر الحديث)، وخاصة أن مجتمعاتنا باتت تعاني بشدة من (التبعية الثقافية) للثقافة الغربية، التي ينتقد ماهيتها «فرانك فوريدي» في كتابه المهم! إلى جانب (التبعية التعليمية)، حيث خريجي التعليم العالي والجامعات العربية كما في الغرب يعانون من الافتقار إلى الأسئلة الوجودية أو أسئلة القيم والأخلاق والدين والأسئلة الفكرية العميقة!
{ ولأننا في الوطن العربي بحاجة إلى أصوات ثقافية وفكرية حقيقية ومستقلة وبفكر نقدي إيجابي، يصون الذاكرة الانسانية والتاريخية والحضارية للإنسان العربي، مثلما يحافظ على الهوية الوطنية التي تتعرض للكثير من الاختراقات بدورها، فإن من الأسس المهمة للحفاظ على دولنا هو (تعميق دور الثقافة الحقيقية ودور المثقفين المستقلين)، الذين يقدّمون الآراء العميقة التي تحتاج إليها دولنا للحفاظ على ذاكرتها وهويتها ودورها الحضاري، في عالم تتلاطم فيه أمواج السطحية والتفاهة وغياب دور المثقفين الحقيقيين كما قال «فرانك فوريدي» في كتابه! ونقول نحن مثل الذي قاله منذ سنوات طويلة، ولا أذن تسمع!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك