عالم يتغير
فوزية رشيد
لعبة الأمم والخليج العربي!
أكثر ما لفت نظري وأنا أبحث عن كتاب «لعبة الأمم» وهو الكتاب الشهير الذي صدر عام 1969 لـ«مايلز كوبلاند»، العميل السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية هو ارتباط هذا المصطلح «لعبة الأمم» بمنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط تحديداً! حيث السياسة الدولية وصراع القوى الكبرى على مناطق النفوذ والثروات، مما أحالني إلى النظر للوراء قليلاً، حين اتخذت تلك اللعبة «لعبة الأمم» زخمها الكبير منذ منتصف القرن الماضي «القرن العشرين» بُعيد الانتهاء من الحرب العالمية الثانية، والتأسيس الاستعماري الشائن للكيان الصهيوني ليشق خارطة الوطن العربي من منتصفها! ولتبدأ ملفات اللعب الثقيل على المنطقة العربية، كتجسيد لما جاء من توصيات مؤتمر لندن ما بين 1905 و1907، باعتبار أن الاسلام والعرب هم المنافس الحقيقي لكل القيم والمنظومة الغربية، مما يجعلهما الخطر الحقيقي الذي يستوجب إبقاء العرب في حالة ضعف دائم! وألا تكون لهم القدرة على النهوض أو التطور أو الاستقلالية في البناء والتنمية والتفكير والتعليم!
اليوم ما يحدث في منطقة الخليج العربي تحديداً باعتبار الدول الخليجية هي النموذج العربي في التنمية والتطور والازدهار على المستوى العربي، ولذلك لا بد من فرملته خاصة فرملة الأبعاد الثقيلة في التنمية والاستقلالية في السعودية ذات الثقل الاستراتيجي متعدد الأشكال وهو ما يعيد إلى الأذهان صيغة اللعب الأممي الخبيث في كتاب «مايلز كوبلاند»، الذي يصور فيه الكاتب الأمم كقطع شطرنج تحركها الخارجية الأمريكية! وبحسب سيناريوهات تتفق ولعبة الأمم، في إطار من التلاعب بالدول العربية وأسرار دبلوماسية من وراء الكواليس واختراق المخابرات الأمريكية (CIA) للعديد من الدول العربية!
{ هذا المدخل السريع يجعلنا نقف أمام ما يحدث في منطقة الخليج العربي في الوقت الراهن منذ 28 فبراير 2026 ، أي قبل 6 أشهر مما تمت تسميته بالحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ، فيما اتضح أن دول الخليج العربي يتم استهدافها كلما استهدفت أمريكا إيران وأمريكا تدرك ذلك جيدا وتغض الطرف عنه! فيما توارى الكيان الصهيوني إلى الخلف! هو إذا سيناريو أمريكي - إسرائيلي، الظاهر فيه هو إيران كهدف، فيما المتواري أو الباطن فيه هو ضرب التنمية والنهضة والتطور والقوة في دول الخليج العربي واستنزافها! هكذا نصبح مجددا على طاولة الشطرنج الأمريكية، وأسرار تلاعباتها وسياساتها ودبلوماسيتها، باعتبارها التعبير الذي يختزل صراع القوى الكبرى على مناطق النفوذ والثروات، بأسلوب «ترامب» هذه المرة! الذي لا يرى العالم والدول والشعوب إلا خزائن مفتوحة لنهب ما يمكن نهبه منها ومن ثرواتها! والسيطرة على ما يمكن السيطرة عليه من جغرافيتها ومنافذها البحرية!
{ في كتاب «لعبة الأمم» إلى جانب ما يصوره الكاتب حول الدول الكبرى كلاعبين رئيسيين والدول الأخرى كقطع شطرنج يتم تحريكها لتحقيق مصالح واشنطن أو القوى العظمى! فإن الكاتب يكشف أيضا عن أسرار وطرق اختراق أنظمة الحكم والدول التي يتم استهدافها! وهنا يتضح حجم التداخل والتأثير بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا السياسية والثغرات الداخلية والثغرات الخارجية وما بين الصراعات الإقليمية والدولية على الوطن العربي وعلى الخليج العربي! ولم يكن اعتباطا هذا الاستهداف لدول الخليج أمنها واستقرارها رغم التحالفات الخليجية - الأمريكية والغربية، ولماذا تم وضع الخليج العربي مجددا في صلب «لعبة الأمم» حالياً، ومحاولة ابتزازه واستنزافه عبر جرّه إلى الحرب مع إيران!
{ الخليج العربي تم وضعه في صلب «لعبة الأمم» التي تتجدّد بقوة هذه الأيام من خلال الحرب الأمريكية – الإيرانية، لما لهذا الخليج من أهمية جيو سياسية، حيث يعد شرياناً للطاقة وممرا تجاريا عالمياً، وحيث التلاعب بمضيق هرمز سواء من الطرف الإيراني أو الأمريكي، يوضح بين ما يوضحه ماهية تنافس القوى الدولية مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وإن بسيناريوهات غامضة!
{ ولعل بحث دول الخليج العربي عن الحلول الدبلوماسية وعدم الانجرار في الحرب يدل على استيعابها للعبة الأمم واجتهادها السياسي والتحالفي لخلق توازنات إقليمية (حلف أو اتفاق مكة مؤخراً) خاصة أنها تتعرض باستمرار لضغوط وتجاذبات مرتبطة بالاستقطاب الدولي، والأمن الإقليمي، والحروب بالوكالة والاتفاقيات الاقتصادية الكبرى، وهذا يضع الخليج وعلى رأسه السعودية في قلب (التحول الاستراتيجي) الذي تسعى فيه دول الخليج العربي إلى الانتقال من كونها «موضوعاً» في لعبة الأمم الكبرى أو قطع شطرنج على طاولة الولايات المتحدة، إلى لاعب «أساسي» يمتلك قراره السيادي، وينوع تحالفاته الاقتصادية والدبلوماسية بما يخدم مصالحه الوطنية!
{ تدرك دول الخليج العربي اليوم أنها مطالبة وبقوة أن تتوحد بقرارها الخليجي وتسند التحالف الإقليمي المهم (اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان) وسد كل الثغرات بينها وبين بعض لأن حرب الخليج القائمة حالياً بين أمريكا وإيران ليس الهدف الوحيد فيها هو إيران وإنما استنزاف دول الخليج وضرب تنميتها ونهضتها ونموذجها العربي الذي تمت محاريته منذ بدايات القرن الماضي مؤتمر لندن 1905 - 1907، حتى لا ينهض العرب ولا يتوحد العرب، خوفاً من العودة إلى الحضارة العربية الإسلامية وصولاً إلى الأندلس! إلى جائب النموذج الإسلامي الإمبراطوري العثماني!
وبهذا المنظور لا بدّ أن تدرك الولايات المتحدة، أن لعبتها في الخليج مكشوفة، وهدفها النهائي واضح، وأن ما يتطلع إليه الكيان الصهيوني من حرب طائفية لا بدّ أن تكون على طاولة الدراسة الاستراتيجية، لتلافيها والقضاء على اللاعبين الصغار فيها من أتباع وعملاء ووكلاء إيران وأمريكا والصهاينة معاً! وأن على دول الخليج أن تعلن حقها الثابت في الأمن والاستقرار والتنمية والتطور وتدافع عنه بكل قوتها بعيداً عن لعبة الأمم الخبيثة، وبعيداً عن صراعات القوى الكبرى التي لا تزال تعتقد أن العالم ودوله مجرد طاولة شطرنج يلعبون عليها!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك