العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

اتفاقية مكة نقلة نوعية!

{‭ ‬للسعودية‭ ‬ولدول‭ ‬الخليج‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬فلسفة‭ ‬سياسية‭ ‬وعسكرية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬إشاعة‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم،‭ ‬ولكن‭ ‬السلام‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬نفسه‭ ‬عبر‭ ‬القوة‭ ‬‮«‬وأعدّوا‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬استطعتم‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬ومن‭ ‬رباط‭ ‬الخيل‮»‬‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدفاعية‭ ‬المشتركة‭ ‬هي‭ ‬أحد‭ ‬أساليب‭ ‬بناء‭ ‬المنظومة‭ ‬الدفاعية‭ ‬والردعية،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الفلسفة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬السعودية‭ ‬والخليجية،‭ ‬سواء‭ ‬لحماية‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬أو‭ ‬لحماية‭ ‬الملاحة‭ ‬أو‭ ‬الطاقة،‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬رؤيتها‭ ‬التنموية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القريب‭ ‬والمدى‭ ‬البعيد‭!‬

ولهذا‭ ‬كانت‭ (‬اتفاقية‭ ‬مكة‭) ‬للدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬ثلاث‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬وأهم‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬هي‭ (‬السعودية‭ ‬وباكستان‭ ‬وتركيا‭) ‬اتفاقية‭ ‬نوعية‭ ‬وتحوّلا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬دفاعي‭ ‬مشترك،‭ ‬وخاصة‭ ‬لما‭ ‬لكل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬مزايا‭ ‬قوة‭ ‬سياسية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وعسكرية‭ ‬ومالية‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬عالمي‭ ‬كبير؛‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قوة‭ ‬التأثير‭ ‬الدينية‭ ‬لبلاد‭ ‬الحرمين‭!‬

{‭ ‬لطالما‭ ‬كنّا‭ ‬نسمع‭ ‬ونقرأ‭ ‬بل‭ ‬ونكتب‭ ‬عن‭ ‬مخططات‭ ‬رسم‭ ‬خارطة‭ ‬جديدة‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬تتخللها‭ ‬أطماع‭ ‬توسعية‭ ‬صهيونية‭ ‬وإيرانية‭! ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬ها‭ ‬هو‭ ‬توجّه‭ ‬سعودي‭ ‬جاد‭ ‬لرسم‭ ‬ملامح‭ ‬خارطة‭ ‬جديدة‭ ‬للمنطقة‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬رؤيتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬والردع‭ ‬الجماعي‭ ‬بما‭ ‬يدعم‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الاقليمي‭ ‬والدولي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬حول‭ ‬الاتفاقية‭ ‬بأنها‭ ‬تعزّر‭ ‬منظومة‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون‭! ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الاتفاقية‭ ‬مفتوحة‭ ‬لتنضم‭ ‬إليها‭ ‬دول‭ ‬خليجية‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مصر‭! ‬وتعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬تحولاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬عسيرة‭ ‬تحيط‭ ‬بالخليج‭ ‬والمنطقة‭ ‬من‭ ‬أنواء‭ ‬وأعاصير‭ ‬جيواسراتيجية‭ ‬وتهديدات‭ ‬بحرب‭ ‬شاملة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬‮«‬الردع‭ ‬الجماعي‮»‬‭ ‬أساساً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الأمن‭ ‬والسلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬و‭(‬الخروج‭ ‬من‭ ‬بوتقة‭ ‬التنافسات‭ ‬الإقليمية‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬تكاملية‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬كافة‭)! ‬وتعميق‭ ‬العلاقات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬وتوحيد‭ ‬الجهود‭ ‬لمواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬والتمديدات،‭ ‬ولذلك‭ ‬تم‭ ‬اعتبارها‭ ‬اتفاقية‭ ‬تاريخية‭ ‬ذات‭ ‬بُعد‭ ‬مستقبلي‭ ‬يرسم‭ ‬خارطة‭ ‬التحالفات‭ ‬الجديدة‭ ‬لمستقبل‭ ‬المنطقة‭ ‬استراتيجياً‭.‬

{‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬‮«‬اتفاقية‭ ‬مكة‮»‬‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬رمزية‭ ‬المكان‭ ‬المقدس،‭ ‬وحيث‭ ‬النوايا‭ ‬تمت‭ ‬تحت‭ ‬أستار‭ ‬الكعبة‭ ‬كعهد‭ ‬مع‭ ‬الله‭ ‬ومن‭ ‬الأرض‭ ‬إلى‭ ‬السماء،‭ ‬يجعلها‭ ‬اتفاقية‭ ‬مقدسة‭! ‬لأن‭ ‬التحديات‭ ‬والتهديدات‭ ‬تحيط‭ ‬بالدول‭ ‬الموقعة‭ ‬وهي‭ ‬أهم‭ ‬وأكبر‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬توقيعها‭ ‬على‭ ‬الاتفاقية‭ ‬حماية‭ ‬لأمن‭ ‬واستقرار‭ ‬وسلام‭ ‬المنطقة‭ ‬كلها،‭ ‬ويحملها‭ ‬مسؤوليات‭ ‬‮«‬البُعد‭ ‬الديني‮»‬‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الأوطان‭ ‬والشعوب‭! ‬ولذلك‭ ‬وبهذا‭ ‬البُعد‭ ‬ترسم‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬مكان‭ ‬خطواتها‭ ‬القادمة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التمادي‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الطامعة‭ ‬والإرهابية‭ ‬ضد‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬الخليج‭ ‬والمنطقة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬دولنا‭ ‬بقيادة‭ ‬السعودية‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬استخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬لبناء‭ ‬منظومة‭ ‬دفاعية‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬ذاتها‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تردد‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬الذي‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬الذي‭ ‬يتمّ‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليه‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬أولوياتها‭!‬

{‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬تعني‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬جديدة‭ ‬ينبني‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬بأيدي‭ ‬دولها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الاقتصار‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬الرؤية‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬تحالفات‭ ‬دولية‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬فقط،‭ ‬أثبتت‭ ‬الوقائع‭ ‬أن‭ ‬تفكيرها‭ ‬منحصر‭ ‬في‭ ‬مصالحها‭ ‬ورؤاها‭ ‬بل‭ ‬ومخططاتها،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬منطقتنا‭ ‬وخليجنا‭ ‬وشعوبنا‭! ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬يعني‭ ‬أيضاً‭ ‬البناء‭ ‬على‭ ‬تحالفات‭ ‬عربية‭ ‬جديدة‭ ‬ذات‭ ‬بُعد‭ ‬عربي،‭ ‬وليس‭ ‬كما‭ ‬يروج‭ ‬البعض‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬للتحالفات‭ ‬العربية‭ - ‬العربية‭! ‬بناء‭ ‬على‭ ‬أخطاء‭ ‬وقصور‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭! ‬أي‭ ‬تكتل‭ ‬جماعي‭ ‬بهدف‭ ‬الردع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬عربيا‭-‬عربيا‭ ‬أو‭ ‬عربيا‭-‬إقليميا‭ ‬أو‭ ‬عربيا‭-‬دوليا‭ ‬بقيادة‭ ‬السعودية‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬ذات‭ ‬الرؤية‭ ‬الدفاعية‭ ‬المماثلة،‭ ‬هو‭ ‬تكتل‭ ‬مطلوب‭ ‬وتحول‭ ‬في‭ ‬خارطة‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المخططات‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬خارطة‭ ‬المنطقة‭ ‬بحسب‭ ‬أطماعها‭ ‬وأهوائها،‭ ‬ولا‭ ‬تعبأ‭ ‬بالمخاطر‭ ‬التي‭ ‬تتسبب‭ ‬فيها‭ ‬بما‭ ‬يتعلق‭ ‬بأمن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وأمن‭ ‬المنطقة‭!‬

وحتى‭ ‬تترسخ‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬المهمة‭ ‬والمحورية‭ ‬ولتعزيز‭ ‬مصداقيتها،‭ ‬فإن‭ ‬جهود‭ ‬التكامل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الاتفاقية‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬حيزاً‭ ‬مستمراً‭ ‬في‭ ‬الجوانب‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وحيث‭ ‬أساس‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬الخليج‭ ‬والإقليم‭ ‬ومواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬التي‭ ‬تعبث‭ ‬بكل‭ ‬ذلك‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا