عالم يتغير
فوزية رشيد
اتفاقية مكة نقلة نوعية!
{ للسعودية ولدول الخليج بشكل عام فلسفة سياسية وعسكرية تعتمد على إشاعة السلام في المنطقة والعالم، ولكن السلام القادر على حماية نفسه عبر القوة «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل». ولذلك فإن توقيع الاتفاقيات الدفاعية المشتركة هي أحد أساليب بناء المنظومة الدفاعية والردعية، التي تقوم عليها الفلسفة الاستراتيجية السعودية والخليجية، سواء لحماية الأمن والاستقرار أو لحماية الملاحة أو الطاقة، أو تحقيق رؤيتها التنموية على المدى القريب والمدى البعيد!
ولهذا كانت (اتفاقية مكة) للدفاع المشترك بين ثلاث من أكبر وأهم دول المنطقة هي (السعودية وباكستان وتركيا) اتفاقية نوعية وتحوّلا مهما في بناء نظام دفاعي مشترك، وخاصة لما لكل واحدة من هذه الدول من مزايا قوة سياسية واستراتيجية واقتصادية وعسكرية ومالية ذات تأثير عالمي كبير؛ إلى جانب قوة التأثير الدينية لبلاد الحرمين!
{ لطالما كنّا نسمع ونقرأ بل ونكتب عن مخططات رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، تتخللها أطماع توسعية صهيونية وإيرانية! ولكن هذه المرة ها هو توجّه سعودي جاد لرسم ملامح خارطة جديدة للمنطقة بناء على رؤيتها الدفاعية والردع الجماعي بما يدعم الأمن والاستقرار على المستويين الاقليمي والدولي، إلى جانب رؤية البحرين حول الاتفاقية بأنها تعزّر منظومة الدفاع المشترك لمجلس التعاون! ولذلك فإن الاتفاقية مفتوحة لتنضم إليها دول خليجية أخرى إلى جانب مصر! وتعتبر هذه الاتفاقية تحولاً مهماً في مرحلة عسيرة تحيط بالخليج والمنطقة من أنواء وأعاصير جيواسراتيجية وتهديدات بحرب شاملة، ما يجعل «الردع الجماعي» أساساً مهماً في ترسيخ الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، و(الخروج من بوتقة التنافسات الإقليمية إلى ساحة تكاملية على المستويات كافة)! وتعميق العلاقات الاستراتيجية بين الدول الثلاث وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات والتمديدات، ولذلك تم اعتبارها اتفاقية تاريخية ذات بُعد مستقبلي يرسم خارطة التحالفات الجديدة لمستقبل المنطقة استراتيجياً.
{ هناك من قال إن «اتفاقية مكة» وما تحمله من رمزية المكان المقدس، وحيث النوايا تمت تحت أستار الكعبة كعهد مع الله ومن الأرض إلى السماء، يجعلها اتفاقية مقدسة! لأن التحديات والتهديدات تحيط بالدول الموقعة وهي أهم وأكبر الدول الإسلامية، ما يجعل من توقيعها على الاتفاقية حماية لأمن واستقرار وسلام المنطقة كلها، ويحملها مسؤوليات «البُعد الديني» أيضاً في الحفاظ على الأوطان والشعوب! ولذلك وبهذا البُعد ترسم الدول الثلاث مكان خطواتها القادمة في ظل التمادي من الدول الطامعة والإرهابية ضد أمن واستقرار الخليج والمنطقة، ما يجعل دولنا بقيادة السعودية بحاجة إلى استخلاص الدروس لبناء منظومة دفاعية من دول المنطقة ذاتها وخاصة في ظل تردد القوى الكبرى الذي اتضح أن أمن الخليج الذي يتمّ الاعتداء عليه ليس على قائمة أولوياتها!
{ هذه الاتفاقية تعني رؤية استراتيجية جديدة ينبني من خلالها الدفاع المشترك بأيدي دولها، من دون الاقتصار كما كانت الرؤية السابقة على بناء تحالفات دولية مع الدول الكبرى فقط، أثبتت الوقائع أن تفكيرها منحصر في مصالحها ورؤاها بل ومخططاتها، وليس في الحفاظ على استقرار منطقتنا وخليجنا وشعوبنا! وهذا بدوره يعني أيضاً البناء على تحالفات عربية جديدة ذات بُعد عربي، وليس كما يروج البعض بأنه لم يعد من مكان للتحالفات العربية - العربية! بناء على أخطاء وقصور عربي في حماية الأمن القومي العربي! أي تكتل جماعي بهدف الردع الاستراتيجي سواء كان عربيا-عربيا أو عربيا-إقليميا أو عربيا-دوليا بقيادة السعودية ودول الخليج ذات الرؤية الدفاعية المماثلة، هو تكتل مطلوب وتحول في خارطة الدفاع المشترك في ظل المخططات المختلفة التي تعمل على رسم خارطة المنطقة بحسب أطماعها وأهوائها، ولا تعبأ بالمخاطر التي تتسبب فيها بما يتعلق بأمن الخليج العربي وأمن المنطقة!
وحتى تترسخ هذه الاتفاقية المهمة والمحورية ولتعزيز مصداقيتها، فإن جهود التكامل الاستراتيجي بين دول الاتفاقية لا بد أن تأخذ حيزاً مستمراً في الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية، وحيث أساس كل ذلك هو الحفاظ على أمن واستقرار الخليج والإقليم ومواجهة التهديدات التي تعبث بكل ذلك!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك