عالم يتغير
فوزية رشيد
هؤلاء الذين سرقوا ويسرقون أعمارنا!
{ أحياناً وأنا التي عشت هموم هذه الأمة كغيري من المثقفين والمفكرين والمبدعين والفنانين الذين ربطوا وعيهم الأول بوعي أوطانهم وأمتهم! أتخيل نفسي في عالم آخر وجزيرة نائية، ذات طبيعة ساحرة خلابة، ليس فيها من الوجوه والقلوب، إلا كل من أحببتهم في هذه الحياة وأحببت نقاءهم ووعيهم وجمال أرواحهم، ليكون وجودنا معا مريحا وحوارنا فكريا عميقاً حول الوجود والإنسان، ولتكون تسليتنا وأوقات الترفيه عندنا تدارس لوحات الفنانين بيننا، أو نحت النحاتين منهم أو خزفيات الجمال من مفردات الطبيعة والبحر! أو تكون أوقاتنا الأخرى شعراً ورواية وحكاية وكتابا وقصصا، أو فيلما رائعاً، أو أن نلهو على شطآن البحار الفيروزية ونحن جميعاً معاً! أو نستكشف الأرض وأسرارها وخباياها في ترحالات قريبة وبعيدة، فنحن كائنات بإمكانها التنقل بسهولة عبر حدود مفتوحة! هنا ونحن معاً لا حسد، لا حقد، لا بغض ولا كراهية، بل نفوس قادرة على إدراك سر وجودها الحقيقي والعميق، تبني وتعمر كل مكان تطأه بقدميها، وتنشر الحب والفرح والضحك واللعب الجميل برقي أرواحها، فتكون معا كائنات كما يفترض ان تعيش، وكما يحب الله أن يجد خليفته على هذه الأرض! ليست «المدينة الفاضلة» لأفلاطون، بل جزيرة واقعية مليئة بالحكمة والتفكر والتأمل والتجانس والعطاء!
{ فجأة أخرج من الجزيرة وعالمها الجميل لأدخل الواقع! الواقع الذي هو نقيض ذلك الخيال الذي لا أراه مستحيلاً، لو كان الانسان يدرك جيداً لماذا هو موجود في هذه الحياة! الواقع الذي دنسه الأشرار وما أكثرهم بكل أشكال الدنس وجعلونا محبوسين في شرنقتهم البلاستيكية الشريرة من دون التمكن من الخروج! ليجعلوا عالمنا مليئاً بحروب الأطماع والأحقاد وبوجوه شياطين الإنس والجن الذين يطلون علينا في كل مكان، وكأننا نعيش هذه الحياة من أجل أن نكون مجبرين على مشاهدتهم وسماع كلامهم كل يوم! ومعايشة تفاهات التافهين التي زرعوها في كل مفاصل الحياة يسرقون منا أوقاتنا وحياتنا! حتى بات العمر يمضي معهم من دون أن نشعر ومن دون رغبة منا! فكم رئيس دولة احتلالية رأينا ومازلنا نرى! وكم رئيس كيان غاصب اغتصب جزءا من أوطاننا، وسرقها لنربط أعمارنا بالدفاع عن الحق والعدل الذي سرقه في عالم لا مكان للحق والعدالة فيهما! وطوال العمر ونحن مشغولين بالتفكر في أحوال هذه الأمة ومصيرها، ومحاولات شرح آلامها ومخاضاتها، فنعود بعدها إلى ظلال الحزن والخيبة لأن ما نحلم به وما نتخيله لأنفسنا ولأوطاننا لا يزال طائراً مزركشاً في السماء، لم يستطع أن يحط على الأرض إلا في لحظات زمنية نادرة!
{ هؤلاء الذين سرقوا أعمارنا وأعمار شعوبنا وبهجة أوطاننا المتخيلة، لا يزالون يرتقون في عوالم الظل والسواد الشيطانية! يسرقون أعمارنا عبر اللهو والعبث بمكونات الغذاء الذي نأكله! وبمكونات الدواء الذي نأخذه، وحيث في كلا الحالتين (الغذاء والدواء) الانسان مجرد (سلعة تجارية) يرتفع ثمنها كلما زادت أمراضها! فيكون (المرض تجارة رابحة) تدر المليارات والتريليونات للشركات الشيطانية، وكل وكلائها والموظفين لديها والتابعين لنظامها الشيطاني الشرير!
{ ولم يكتف هؤلاء بذلك بل هم يعبثون ويسرقون عقول أجيالنا عبر التكنولوجيا وفتنتها الأقوى وعبر نظام التفاهة وسيولة القيم والتلاعب بها! والسخرية من كل ما هو أخلاقي أو فكري عميق أو ديني يضعنا أمام حقيقة الوجود! يسرقون الأعمار والعقول بإفراغها من كل ما هو ذو قيمة إنسانية أو وجودية، ليتم حشوها بثرثرة الفارغين ونشاز التافهين فكرا، وغباء المتذاكين، وشذوذ الشواذ والمتحولين! حتى يصبح العقل من كثرة الصدماتٍ لا يعود مندهشاً مع الوقت أو مستنكراً أو رافضاً، بل مستسلماً لكل ما يحدث من جرائم إنسانية وسياسية وحروب أطماع يأكل فيها القوي الأضعف! ومن جرائم أخلاقية وتجارة بشر وأعضاء بشرية، وتجارة بأمراض «مزمنة» يتم صناعتها للإنسان عبر الغذاء والدواء! وتجارة مخدرات وتجارة قيم فاسدة وأخلاق منحلة و... بما لا تنتهي القائمة من عناوين الفساد والإفساد!
{ كل ذلك والمهمومون بسبب الوعي بما يجرى مجبرون كالغرباء على معايشة كل ما هو غريب عن وعيهم ومشاعرهم وأفكارهم وحتى عن خيالهم! لكنهم كل يوم يعايشون كل هذا النشاز الشرير من شياطين الإنس والجن، ويحاولون المشاركة في بناء وعي قادر على المواجهة، قبل أن يصل هؤلاء بالإنسان الى الغياب الكلي عن نفسه ووجوده ثم الى الفناء! ولكن المخارج كل يوم تقلّ أمام الإفساد الذي ملأ البر والبحر والسماء! ولولا ذلك الشعور بوجود الأبعاد الأخرى لهذا العالم، والإيمان بالحق والعدالة بعد الموت، لما كان بالإمكان الاستمرار! غرباء حالمون بالجمال والنقاء والروح الباحثة عن السمو، ويبقى الامتحان هنا هو هذه الغربة لساكني تلك الجزيرة أو ذلك العالم الذي في الخيال والذي قد يشبه بعض الشيء جنة الخلد التي تفوق كل خيال! عذراً سأعود إلى هناك فهو وقت التأمل في جمال وإبداع ما خلقه الله في هذا الكون لكي يصبح الاستمرار في البقاء على أرض الواقع الغريب ممكناً!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك