العدد : ١٧٦٤٧ - الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٧ - الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٨هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

هؤلاء الذين سرقوا ويسرقون أعمارنا!

{‭ ‬أحياناً‭ ‬وأنا‭ ‬التي‭ ‬عشت‭ ‬هموم‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬كغيري‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬والمفكرين‭ ‬والمبدعين‭ ‬والفنانين‭ ‬الذين‭ ‬ربطوا‭ ‬وعيهم‭ ‬الأول‭ ‬بوعي‭ ‬أوطانهم‭ ‬وأمتهم‭! ‬أتخيل‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬آخر‭ ‬وجزيرة‭ ‬نائية،‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬ساحرة‭ ‬خلابة،‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬والقلوب،‭ ‬إلا‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬أحببتهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬وأحببت‭ ‬نقاءهم‭ ‬ووعيهم‭ ‬وجمال‭ ‬أرواحهم،‭ ‬ليكون‭ ‬وجودنا‭ ‬معا‭ ‬مريحا‭ ‬وحوارنا‭ ‬فكريا‭ ‬عميقاً‭ ‬حول‭ ‬الوجود‭ ‬والإنسان،‭ ‬ولتكون‭ ‬تسليتنا‭ ‬وأوقات‭ ‬الترفيه‭ ‬عندنا‭ ‬تدارس‭ ‬لوحات‭ ‬الفنانين‭ ‬بيننا،‭ ‬أو‭ ‬نحت‭ ‬النحاتين‭ ‬منهم‭ ‬أو‭ ‬خزفيات‭ ‬الجمال‭ ‬من‭ ‬مفردات‭ ‬الطبيعة‭ ‬والبحر‭! ‬أو‭ ‬تكون‭ ‬أوقاتنا‭ ‬الأخرى‭ ‬شعراً‭ ‬ورواية‭ ‬وحكاية‭ ‬وكتابا‭ ‬وقصصا،‭ ‬أو‭ ‬فيلما‭ ‬رائعاً،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬نلهو‭ ‬على‭ ‬شطآن‭ ‬البحار‭ ‬الفيروزية‭ ‬ونحن‭ ‬جميعاً‭ ‬معاً‭! ‬أو‭ ‬نستكشف‭ ‬الأرض‭ ‬وأسرارها‭ ‬وخباياها‭ ‬في‭ ‬ترحالات‭ ‬قريبة‭ ‬وبعيدة،‭ ‬فنحن‭ ‬كائنات‭ ‬بإمكانها‭ ‬التنقل‭ ‬بسهولة‭ ‬عبر‭ ‬حدود‭ ‬مفتوحة‭! ‬هنا‭ ‬ونحن‭ ‬معاً‭ ‬لا‭ ‬حسد،‭ ‬لا‭ ‬حقد،‭ ‬لا‭ ‬بغض‭ ‬ولا‭ ‬كراهية،‭ ‬بل‭ ‬نفوس‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬سر‭ ‬وجودها‭ ‬الحقيقي‭ ‬والعميق،‭ ‬تبني‭ ‬وتعمر‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬تطأه‭ ‬بقدميها،‭ ‬وتنشر‭ ‬الحب‭ ‬والفرح‭ ‬والضحك‭ ‬واللعب‭ ‬الجميل‭ ‬برقي‭ ‬أرواحها،‭ ‬فتكون‭ ‬معا‭ ‬كائنات‭ ‬كما‭ ‬يفترض‭ ‬ان‭ ‬تعيش،‭ ‬وكما‭ ‬يحب‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬خليفته‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭! ‬ليست‭ ‬‮«‬المدينة‭ ‬الفاضلة‮»‬‭ ‬لأفلاطون،‭ ‬بل‭ ‬جزيرة‭ ‬واقعية‭ ‬مليئة‭ ‬بالحكمة‭ ‬والتفكر‭ ‬والتأمل‭ ‬والتجانس‭ ‬والعطاء‭!‬

{‭ ‬فجأة‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬الجزيرة‭ ‬وعالمها‭ ‬الجميل‭ ‬لأدخل‭ ‬الواقع‭! ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬نقيض‭ ‬ذلك‭ ‬الخيال‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬أراه‭ ‬مستحيلاً،‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الانسان‭ ‬يدرك‭ ‬جيداً‭ ‬لماذا‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭! ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬دنسه‭ ‬الأشرار‭ ‬وما‭ ‬أكثرهم‭ ‬بكل‭ ‬أشكال‭ ‬الدنس‭ ‬وجعلونا‭ ‬محبوسين‭ ‬في‭ ‬شرنقتهم‭ ‬البلاستيكية‭ ‬الشريرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التمكن‭ ‬من‭ ‬الخروج‭! ‬ليجعلوا‭ ‬عالمنا‭ ‬مليئاً‭ ‬بحروب‭ ‬الأطماع‭ ‬والأحقاد‭ ‬وبوجوه‭ ‬شياطين‭ ‬الإنس‭ ‬والجن‭ ‬الذين‭ ‬يطلون‭ ‬علينا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬وكأننا‭ ‬نعيش‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬مجبرين‭ ‬على‭ ‬مشاهدتهم‭ ‬وسماع‭ ‬كلامهم‭ ‬كل‭ ‬يوم‭! ‬ومعايشة‭ ‬تفاهات‭ ‬التافهين‭ ‬التي‭ ‬زرعوها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مفاصل‭ ‬الحياة‭ ‬يسرقون‭ ‬منا‭ ‬أوقاتنا‭ ‬وحياتنا‭! ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬العمر‭ ‬يمضي‭ ‬معهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬رغبة‭ ‬منا‭! ‬فكم‭ ‬رئيس‭ ‬دولة‭ ‬احتلالية‭ ‬رأينا‭ ‬ومازلنا‭ ‬نرى‭! ‬وكم‭ ‬رئيس‭ ‬كيان‭ ‬غاصب‭ ‬اغتصب‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬أوطاننا،‭ ‬وسرقها‭ ‬لنربط‭ ‬أعمارنا‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحق‭ ‬والعدل‭ ‬الذي‭ ‬سرقه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬للحق‭ ‬والعدالة‭ ‬فيهما‭! ‬وطوال‭ ‬العمر‭ ‬ونحن‭ ‬مشغولين‭ ‬بالتفكر‭ ‬في‭ ‬أحوال‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬ومصيرها،‭ ‬ومحاولات‭ ‬شرح‭ ‬آلامها‭ ‬ومخاضاتها،‭ ‬فنعود‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬ظلال‭ ‬الحزن‭ ‬والخيبة‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬نحلم‭ ‬به‭ ‬وما‭ ‬نتخيله‭ ‬لأنفسنا‭ ‬ولأوطاننا‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬طائراً‭ ‬مزركشاً‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬يحط‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬زمنية‭ ‬نادرة‭!‬

{‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬سرقوا‭ ‬أعمارنا‭ ‬وأعمار‭ ‬شعوبنا‭ ‬وبهجة‭ ‬أوطاننا‭ ‬المتخيلة،‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يرتقون‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬الظل‭ ‬والسواد‭ ‬الشيطانية‭! ‬يسرقون‭ ‬أعمارنا‭ ‬عبر‭ ‬اللهو‭ ‬والعبث‭ ‬بمكونات‭ ‬الغذاء‭ ‬الذي‭ ‬نأكله‭! ‬وبمكونات‭ ‬الدواء‭ ‬الذي‭ ‬نأخذه،‭ ‬وحيث‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬الحالتين‭ (‬الغذاء‭ ‬والدواء‭) ‬الانسان‭ ‬مجرد‭ (‬سلعة‭ ‬تجارية‭) ‬يرتفع‭ ‬ثمنها‭ ‬كلما‭ ‬زادت‭ ‬أمراضها‭! ‬فيكون‭ (‬المرض‭ ‬تجارة‭ ‬رابحة‭) ‬تدر‭ ‬المليارات‭ ‬والتريليونات‭ ‬للشركات‭ ‬الشيطانية،‭ ‬وكل‭ ‬وكلائها‭ ‬والموظفين‭ ‬لديها‭ ‬والتابعين‭ ‬لنظامها‭ ‬الشيطاني‭ ‬الشرير‭!‬

{‭ ‬ولم‭ ‬يكتف‭ ‬هؤلاء‭ ‬بذلك‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬يعبثون‭ ‬ويسرقون‭ ‬عقول‭ ‬أجيالنا‭ ‬عبر‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وفتنتها‭ ‬الأقوى‭ ‬وعبر‭ ‬نظام‭ ‬التفاهة‭ ‬وسيولة‭ ‬القيم‭ ‬والتلاعب‭ ‬بها‭! ‬والسخرية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أخلاقي‭ ‬أو‭ ‬فكري‭ ‬عميق‭ ‬أو‭ ‬ديني‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬حقيقة‭ ‬الوجود‭! ‬يسرقون‭ ‬الأعمار‭ ‬والعقول‭ ‬بإفراغها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ذو‭ ‬قيمة‭ ‬إنسانية‭ ‬أو‭ ‬وجودية،‭ ‬ليتم‭ ‬حشوها‭ ‬بثرثرة‭ ‬الفارغين‭ ‬ونشاز‭ ‬التافهين‭ ‬فكرا،‭ ‬وغباء‭ ‬المتذاكين،‭ ‬وشذوذ‭ ‬الشواذ‭ ‬والمتحولين‭! ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الصدماتٍ‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬مندهشاً‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬أو‭ ‬مستنكراً‭ ‬أو‭ ‬رافضاً،‭ ‬بل‭ ‬مستسلماً‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬إنسانية‭ ‬وسياسية‭ ‬وحروب‭ ‬أطماع‭ ‬يأكل‭ ‬فيها‭ ‬القوي‭ ‬الأضعف‭! ‬ومن‭ ‬جرائم‭ ‬أخلاقية‭ ‬وتجارة‭ ‬بشر‭ ‬وأعضاء‭ ‬بشرية،‭ ‬وتجارة‭ ‬بأمراض‭ ‬‮«‬مزمنة‮»‬‭ ‬يتم‭ ‬صناعتها‭ ‬للإنسان‭ ‬عبر‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭! ‬وتجارة‭ ‬مخدرات‭ ‬وتجارة‭ ‬قيم‭ ‬فاسدة‭ ‬وأخلاق‭ ‬منحلة‭ ‬و‭... ‬بما‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬القائمة‭ ‬من‭ ‬عناوين‭ ‬الفساد‭ ‬والإفساد‭!‬

{‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬والمهمومون‭ ‬بسبب‭ ‬الوعي‭ ‬بما‭ ‬يجرى‭ ‬مجبرون‭ ‬كالغرباء‭ ‬على‭ ‬معايشة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬غريب‭ ‬عن‭ ‬وعيهم‭ ‬ومشاعرهم‭ ‬وأفكارهم‭ ‬وحتى‭ ‬عن‭ ‬خيالهم‭! ‬لكنهم‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يعايشون‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬النشاز‭ ‬الشرير‭ ‬من‭ ‬شياطين‭ ‬الإنس‭ ‬والجن،‭ ‬ويحاولون‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وعي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬المواجهة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬هؤلاء‭ ‬بالإنسان‭ ‬الى‭ ‬الغياب‭ ‬الكلي‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬ووجوده‭ ‬ثم‭ ‬الى‭ ‬الفناء‭! ‬ولكن‭ ‬المخارج‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬تقلّ‭ ‬أمام‭ ‬الإفساد‭ ‬الذي‭ ‬ملأ‭ ‬البر‭ ‬والبحر‭ ‬والسماء‭! ‬ولولا‭ ‬ذلك‭ ‬الشعور‭ ‬بوجود‭ ‬الأبعاد‭ ‬الأخرى‭ ‬لهذا‭ ‬العالم،‭ ‬والإيمان‭ ‬بالحق‭ ‬والعدالة‭ ‬بعد‭ ‬الموت،‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬الاستمرار‭! ‬غرباء‭ ‬حالمون‭ ‬بالجمال‭ ‬والنقاء‭ ‬والروح‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬السمو،‭ ‬ويبقى‭ ‬الامتحان‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬هذه‭ ‬الغربة‭ ‬لساكني‭ ‬تلك‭ ‬الجزيرة‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬الخيال‭ ‬والذي‭ ‬قد‭ ‬يشبه‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬جنة‭ ‬الخلد‭ ‬التي‭ ‬تفوق‭ ‬كل‭ ‬خيال‭! ‬عذراً‭ ‬سأعود‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭ ‬فهو‭ ‬وقت‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬جمال‭ ‬وإبداع‭ ‬ما‭ ‬خلقه‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬لكي‭ ‬يصبح‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬الغريب‭ ‬ممكناً‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا