العدد : ١٧٦٣٤ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٤ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤٨هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

في وداع الأديب والشاعر البحريني علي عبد الله خليفة صوت الوطن وذاكرته

{‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬محرقي‭ ‬بسيط‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬طبقة‭ ‬الغواصين،‭ ‬انبثقت‭ ‬موهبته‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬ديوانه‭ ‬الأول‭ (‬أنين‭ ‬الصواري‭) ‬في‭ ‬1969،‭ ‬التي‭ ‬عبَّرت‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬الإنسان‭ ‬ومعاناته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أنين‭ ‬الغواصين‭ ‬ومعاناتهم،‭ ‬كما‭ ‬لعب‭ ‬الوطن‭ ‬منطلقا‭ ‬لمضامينه‭ ‬الوطنية‭ ‬وقضايا‭ ‬الإنسان،‭ ‬ودفع‭ ‬مضامين‭ ‬الواقعية‭ ‬بقصائد‭ ‬ذات‭ ‬توجه‭ ‬رمزي‭ ‬ورومانسي‭ ‬عاطفي،‭ ‬ليتشكل‭ ‬مساره‭ ‬الشعري‭ ‬بإضاءات‭ ‬موطن‭ ‬والذاكرة‭ ‬والإنسان‭ ‬كما‭ ‬في‭ (‬إضاءة‭ ‬لذاكرة‭ ‬الوطن‭) ‬وديوان‭ (‬عصافير‭ ‬المسا‭) ‬و‭(‬ويتشابه‭ ‬الشجر‭)! ‬و‭(‬عطش‭ ‬النخيل‭) ‬و‭(‬في‭ ‬وداع‭ ‬السيدة‭ ‬الخضراء‭) ‬و‭(‬حورية‭ ‬العاشق‭)! ‬وكان‭ ‬همه‭ ‬الشِعري‭ ‬والأدبي‭ ‬كبيراً،‭ ‬ليدمج‭ ‬بين‭ ‬الموهبة‭ ‬والعمل‭ ‬المؤسسي،‭ ‬فأسهم‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ (‬أسرة‭ ‬الأدباء‭ ‬والكتاب‭) ‬1969،‭ ‬وعمل‭ ‬بضع‭ ‬سنوات‭ ‬معدّاً‭ ‬ومقدّماً‭ ‬لبرنامج‭ ‬بالعامية‭ ‬يضيء‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬المواويل‭ ‬الشعبية،‭ ‬ومن‭ ‬منا‭ ‬لا‭ ‬يتذكر‭ ‬ذلك‭ ‬البرنامج‭ ‬الإذاعي‭ ‬الدافئ‭ ‬بصوت‭ ‬علي‭ ‬خليفة‭ (‬ظمأ‭ ‬الأوتار‭)‬؟‭!‬

{‭ ‬اشتغل‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬والشعر‭ ‬وبادر‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬وتشجيع‭ ‬وتأسيس‭ ‬مؤسسات‭ ‬وروافد‭ ‬ومجلات‭ ‬أدبية‭ ‬وتراثية‭ ‬وشعبية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وفي‭ ‬الخليج،‭ ‬بل‭ ‬وعمل‭ ‬بكل‭ ‬جهد‭ ‬لإيصال‭ ‬صوت‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭! ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأسماء‭ ‬الإبداعية‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ (‬فصحى‭ ‬وعامية‭).‬

‭ ‬ترأس‭ (‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للفن‭ ‬الشعبي‭ (‬157‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬نظم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفعاليات‭ ‬والمؤتمرات‭ ‬احتفاءً‭ ‬بالتراث‭ ‬الخليجي‭ ‬وإيصاله‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬ثقافات‭ ‬الشعوب‭ ‬وأصالتها،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرعى‭ ‬مجلة‭ (‬المأثورات‭ ‬الشعبية‭) ‬ومجلة‭ (‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭) ‬بأفكار‭ ‬وطموحات‭ ‬تعتني‭ ‬بحفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬والتأسيس‭ ‬لثقافة‭ ‬إنسانية‭ ‬مشتركة‭ ‬تجمع‭ ‬الاختلافات‭ ‬والتنوعات‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬ثقافية‭ ‬واحدة‭!‬

{‭ ‬المستشرقة‭ ‬البولندية‭ ‬د‭. ‬بربارا‭ ‬بيكو‭ ‬لسكي‭ ‬قالت‭ ‬عنه‭: (‬الشاعر‭ ‬البحريني‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬خليفة‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الشعراء‭ ‬المعاصرين‭ ‬الذين‭ ‬رسموا‭ ‬أفق‭ ‬الحركة‭ ‬الشعرية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭). ‬

أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬عقود‭ ‬وهو‭ ‬يفتح‭ ‬أبواب‭ ‬الشعر‭ ‬والكلمة‭ ‬والتأسيس‭ ‬ويقود‭ ‬المبادرات‭ ‬ليخترق‭ ‬بصوته‭ ‬ونشاطه‭ ‬الثقافي‭ ‬كل‭ ‬الأسوار‭ ‬العالية،‭ ‬بنفس‭ ‬وإحساس‭ ‬ولغة‭ ‬شفيفة،‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬الشفافية‭ ‬مثل‭ ‬روحه،‭ ‬وعمق‭ ‬يشبه‭ ‬عمق‭ ‬وغموض‭ ‬المحيطات،‭ ‬وبصيرة‭ ‬تحرّك‭ ‬خارطة‭ ‬الشاعر‭ ‬وعوالم‭ ‬الجمال‭!‬

{‭ ‬وبين‭ ‬الوطن‭ ‬والشغف‭ ‬بتسجيل‭ ‬ذاكرته‭ ‬وتراثه‭ ‬وثقافته‭ ‬الشعبية،‭ ‬كان‭ ‬تحرّكه‭ ‬بين‭ ‬الشعر‭ ‬والفعاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬يتنامى‭ ‬طوال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬يجمع‭ ‬في‭ ‬موسيقى‭ ‬قلبه‭ ‬ألحان‭ ‬المشاعر‭ ‬العميقة‭ ‬والملحمية‭ ‬والرمزية‭ ‬والأسطورية،‭ ‬لتشكل‭ ‬خرائط‭ ‬روحه‭ ‬تلك‭ ‬خرائط‭ ‬الوطن‭ ‬وبعيون‭ ‬مليئة‭ ‬بالشغف‭ ‬والطموح،‭ ‬وعمق‭ ‬الصوت‭ ‬كما‭ ‬في‭ (‬ظمأ‭ ‬الأوتار‭)‬،‭ ‬وحب‭ ‬للبحرين‭ ‬ولمدينة‭ ‬المحرق‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬ولادته‭ ‬وحياته‭ ‬الأولى،‭ ‬وتوزعّه‭ ‬الأول‭ ‬بين‭ ‬هواجس‭ ‬موهبته‭ ‬وطموحاته،‭ ‬وهواجس‭ ‬العائلة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬مبكراً‭ ‬لكي‭ ‬يساعدها،‭ ‬وهواجس‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬يتشكل‭ ‬في‭ ‬وعيه‭ ‬عبر‭ ‬حب‭ ‬وتعلق‭ ‬عميقين‭!‬

{‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬خليفة،‭ ‬مازلت‭ ‬أذكر‭ ‬لقائي‭ ‬الأول‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬‮«‬دار‭ ‬الغد‮»‬،‭ ‬ومجلة‭ ‬‮«‬كتابات‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬فيها‭ ‬بتشجيع‭ ‬منه‭ ‬ببعض‭ ‬القصص‭ ‬للأطفال،‭ ‬وبعض‭ ‬المقالات،‭ ‬وقد‭ ‬تحولت‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬كلمات‮»‬‭ ‬أصدرته‭ ‬أسرة‭ ‬الأدباء‭ ‬والكتاب‭! ‬مازلت‭ ‬أذكر‭ ‬ذلك‭ ‬البريق‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬والدماثة‭ ‬في‭ ‬خلقه،‭ ‬والدفء‭ ‬في‭ ‬صوته‭ ‬وهو‭ ‬يشجعني‭ ‬على‭ ‬الانطلاقة‭ ‬الأدبية،‭ ‬وعضوية‭ ‬أسرة‭ ‬الأدباء،‭ ‬لتكون‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬البداية‭ ‬التي‭ ‬استمرّت‭ ‬معها‭ ‬لقاءات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬‮«‬علام‭ ‬عبدالله‮»‬‭ ‬الشاعر‭ ‬البحريني‭ ‬الصديق‭ ‬وبرفقة‭ ‬صديقة‭ ‬الدرب‭ ‬الطويل‭ ‬حمدة‭ ‬خميس‭ ‬ووجوه‭ ‬أدبية‭ ‬أخرى،‭ ‬ولتصبح‭ ‬الصداقة‭ ‬بصمة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬حياتي‭.‬

{‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬الجميل‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬عام‭ ‬2005‭ ‬حين‭ ‬جمع‭ ‬الشاعر‭ ‬الكبير‭ ‬‮«‬محمود‭ ‬درويش‮»‬‭ ‬بالأدباء‭ ‬والمثقفين‭ ‬في‭ ‬بيته،‭ ‬ومازلت‭ ‬أذكر‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬الحميمي‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬دخل‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬صالة‭ ‬تجمعنا‭ ‬فإذا‭ ‬أول‭ ‬شيء‭ ‬يقوله‭: ‬‮«‬فوزية‭ ‬رشيد‮»‬‭ ‬هنا‭! ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬تجمعني‭ ‬به‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬لقاءات‭ ‬سابقة‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬لقاء‭ ‬‮«‬معرض‭ ‬فرانكفورت‮»‬‭ ‬2004‭.‬

وفي‭ ‬مرة‭ ‬لاحقة‭ ‬دعوتُ‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬للقاء‭ ‬إثر‭ ‬أحداث‭ ‬2011،‭ ‬للتفكرّ‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬إدارة‭ ‬أسرة‭ ‬الأدباء‭ ‬السلبي‭ ‬آنذاك،‭ ‬وحين‭ ‬تحدثت‭ ‬مع‭ ‬علي‭ ‬خليفة،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬بارك‭ ‬الفكرة‭ ‬وأبدى‭ ‬استعداده‭ ‬أن‭ ‬نلتقي‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬وكان‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك،‭ ‬وقد‭ ‬كتبت‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬عدة‭ ‬مقالات‭ ‬توضح‭ ‬ما‭ ‬جرى‭!‬

وكم‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬السنوي‭ ‬لأسرة‭ ‬الأدباء‭ ‬يحمل‭ ‬فينا‭ ‬جميعاً‭ ‬دهشة‭ ‬الكلمة‭ ‬وسطوتها‭ ‬وقوتها‭ ‬في‭ ‬حياتنا،‭ ‬والفرح‭ ‬بذلك‭ ‬الدور‭ ‬الريادي‭ ‬لأسرة‭ ‬الأدباء‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لـعلي‭ ‬خليفة‭ ‬البصمة‭ ‬الواضحة‭ ‬فيها‭ ‬منذ‭ ‬التأسيس،‭ ‬وكان‭ ‬لي‭ ‬شرف‭ ‬رئاسة‭ ‬الأسرة‭ ‬ذاتها‭ ‬يوماً‭.‬

{‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬أضاء‭ ‬قلبي‭ ‬وأنا‭ ‬أودعه‭ ‬في‭ ‬المقبرة‭ ‬يوم‭ ‬دفنه‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬يرحل‭ ‬فعلاً؟‭! ‬ما‭ ‬ألهمني‭ ‬تجاوز‭ ‬ثقل‭ ‬الحزن‭ ‬وهو‭ ‬ثقيل‭ ‬جداً‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬علي‭ ‬خليفة‭ ‬ترك‭ ‬بصمة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬وذاكرته،‭ ‬وفي‭ ‬ترابه،‭ ‬وفي‭ ‬روح‭ ‬أصدقائه‭ ‬ومعارفه‭ ‬والأجيال‭ ‬الشابة،‭ ‬هي‭ ‬بصمة‭ ‬لا‭ ‬تغادر‭ ‬هواء‭ ‬وتراب‭ ‬الوطن‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬عاشقاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬له،‭ ‬وكان‭ ‬يوزع‭ ‬عطاءاته‭ ‬شعراً‭ ‬وإحساساً‭ ‬وتأسيساً،‭ ‬وتحمل‭ ‬وجه‭ ‬الوطن‭ ‬والخليج‭ ‬معه‭ ‬أينما‭ ‬توجه‭ ‬في‭ ‬الفعاليات‭ ‬العالمية،‭ ‬لا‭ ‬لينال‭ ‬الجوائز‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬وإنما‭ ‬ليحضن‭ ‬الجائزة‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬يخطوها،‭ ‬وهي‭ ‬حب‭ ‬الناس‭ ‬له،‭ ‬ومباركة‭ ‬الوطن‭ ‬والخليج‭ ‬لكل‭ ‬عطاءاته‭ ‬المهمة‭! ‬مثله‭ ‬لا‭ ‬يرحل‭ ‬لأنه‭ ‬باقٍ‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬ذاكرة‭ ‬الوطن‭ ‬وشعبه‭ ‬باقية‭! ‬وما‭ ‬دام‭ ‬عطاؤه‭ ‬مسجلاً‭ ‬بين‭ ‬العطاءات‭ ‬الشعرية‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭.‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة،‭ ‬وأسكنه‭ ‬فسيح‭ ‬جناته،‭ ‬وإنا‭ ‬لله‭ ‬وإنا‭ ‬إليه‭ ‬راجعون‭.‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا