عالم يتغير
فوزية رشيد
العالم يمر بأزمة عميقة
{ بابا الفاتيكان «البابا ليو» وفي كلمة أمام البرلمان الإسباني وفي نقد واضح بشأن اتجاهات القيادة في العالم قال: «يمر العالم بأزمة روحية وثقافية عميقة، تتجلى في أشكال متعددة من العنف والاستقطاب وانعدام الثقة المتبادل»، وأضاف: «يمكن للأسلحة أن تفرض صمتاً مؤقتاً، لكن لا يمكنها أبدأ بناء سلام حقيقي ودائم» واستقبل أعضاء البرلمان الإسباني كلمة البابا، التي ألقاها باللغة الإسبانية، بتصفيق حار استمر سبع دقائق! لأن فشل الأساس الأخلاقي للنظام الدولي، بات محسوساً وملموساً في كل مكان في العالم!، وحيث الحروب والعنف والفقر وتحديات الصراعات المستمرة والأزمات الدولية والعالمية المتفاقمة، أصبحت هو المناخ المعتاد الذي يعيشه البشرية في عالم اليوم!
{ منذ زمن طويل لم يمر العالم بحصيلة أزمات مركبة ومتداخلة كما هو الآن! أزمات تبدأ بانهيارات متلاحقة في أسس النظام الدولي، تتداخل فيها الجوانب السياسية والقانونية كمنظومة فاشلة مع فشل القيم الروحية والثقافية والأخلاقية لتتحول شحنة الأزمات هذه معاً إلى (أزمة وجودية حقيقية) في كل تلك الجوانب، حتى أصبحت المعاناة الإنسانية المتفاقمة وتداعيات التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، هي معاناة فريدة من نوعها محكومة من جهة بالتخلف المعرفي والأخلاقي والإنساني والسياسي، أي التخلف الحضاري بشكل عام! ومن جهة أخرى بتداعيات متفاقمة لتأثيرات وتداعيات التطوّر المادي والتكنولوجي والذكاء الصناعي على حياة البشر! ليتحول هذا التطور المنفلت والفوضوي إلى تهديد من نوع آخر للسياق الوجودي للإنسان!
{ الغريب أن توجهات القيادة في العالم والتي يتم توجيه النقد عادة لها لم يتم فهم عناصرها وتركيبتها! أي بوصف أكثر بساطة يدور السؤال حول: من تلك القيادة التي تقود العالم؟! هل هي القوى الكبرى؟! وما دور تلك القوى؟! وما رؤيتها في إدارة العالم؟! هل هي رؤية تسند المصالح الدولية ومصالح الشعوب، أم تسلط على العالم لتدير مصالحها الخاصة؟! وسؤال آخر: ولكن من يتحكم في تلك القوى؟! هل هي المؤسسات السياسية الطبيعية أم أنها تُدار بسطوة شركات كبرى عابرة للقارات، وتتحكم بقوتها العالمية والإعلامية والاقتصادية في السياسة العالمية؟! وتتحكم بالتالي في الأزمات الدولية الكبرى، وفي الاتجاهات الجيوستراتيجية لمؤسسات صنع القرار الدولي، وفي الصحة العالمية والغذاء والدواء، وإدارة الأوبئة! والتحكم في البيئة والمناخ، تجتمع كل أشكال السطوة والهيمنة تلك في إدارة سياسة القوى الكبرى في العالم، وخاصة القوى الاستعمارية الكبرى في الغرب، لينتج من ذلك التحكم كل أشكال الفشل للأسس التي تحكم النظام الدولي كما ينتج التخلف المعرفي والأخلاقي والإنساني، الذي تجلى بوضوح في السنوات الأخيرة بعد الحرب على غزة! ثم اليوم الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، ينتج بالتالي من كل ذلك عالم مضطرب هش وفوضوي!
*هي الفوضى التي يُعاد إنتاجها دون توقف في العالم وعلى مستويات مختلفة، ليلعب التنافس الدولي بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة والصين) منطلقاً وحافزاً لإشاعة الفوضى الجيوإستراتيجية والسياسية وصناعة الأزمات، باعتبارها نسيج المرحلة الراهنة لنمط النظام الدولي القائم على الصراع المباشر وغير المباشر بين تلك القوى! وبما تصب توجهاتها في النهاية لخدمة «الشركات الكبرى» التي تنتعش ميزانياتها التي تفوق ميزانية مجموعة من الدول الغنية، بل وأغلب ميزانيات دول العالم! من خلال دفع العالم وبشكل مستمر إلى نفق الأزمات العميقة المتعددة سياسيا وأخلاقيا وإنسانيا وقانونيا!
{ المفارقة أن لا أحد يعرف جيداً من يدير تلك الشركات الكبرى التي بدورها تدير أكبر القوى في العالم، والتي تتحكم في حكومات الدول بطرق مباشرة وأخرى مواربة أو غير مباشرة! التكهنات تطال بعض العوائل الماسونية والصهيونية العالمية! ولكن هؤلاء تتحرك عناصرها من خلف الستار ولا أحد يعرفهم على المستوى الإعلامي! آخرون يصفونهم بالنخب المتحكمة التي تتحكم في 99% من التعداد السكاني للعالم، من خلال تحكمها في كل الأسس التي كانت قائمة للنظام الدولي وحالياً بوسائل التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، باتت في غنى حتى عن كثير من أسس تلك المنظومة التي تدير النظام الدولي! أما سؤال من يتحكم في هؤلاء أيضاً وإلى أين يساق العالم؟! تلك حكاية أخرى! ولا غالب إلا الله.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك