العدد : ١٧٦٦٩ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٩ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤٨هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

مسرح الصواري.. وللأوطان روح وجسد!

{‭ ‬كما‭ ‬للبشر‭ ‬جسد‭ ‬وروح‭ ‬فإن‭ ‬للأوطان‭ ‬روح‭ ‬وجسد‭! ‬جسد‭ ‬الأوطان‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬جغرافيتها‭ ‬وبيئتها‭ ‬وسمائها‭ ‬وأرضها‭ ‬وبحرها،‭ ‬مثلما‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬مؤسساتها‭ ‬ووزاراتها‭ ‬وإداراتها،‭ ‬أي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬رسمية‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭! ‬فماذا‭ ‬عن‭ ‬الروح؟‭! ‬روح‭ ‬الأوطان‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬وحضارتها‭ ‬وتراثها‭ ‬وفي‭ ‬ثقافاتها‭ ‬وفنونها‭ ‬وفي‭ ‬الفكر‭ ‬والرواية‭ ‬والشعر‭ ‬والموسيقى‭ ‬والمسرح‭ ‬والعاملين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬المجالات،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬جوهرها‭ ‬وشخصيتها‭ ‬وخصوصيتها‭ ‬كأوطان‭! ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬يحتفي‭ ‬بتميز‭ ‬مفكرية‭ ‬ومثقفيه‭ ‬وفنانيه‭ ‬إنما‭ ‬يحتفي‭ ‬بنفسه‭ ‬وبجوهره‭ ‬الأصيل‭ ‬وبروحه‭ ‬المتميزة‭!‬

هناك‭ ‬من‭ ‬يكبر‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬ويحتل‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬الدولة‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يكبر‭ ‬الوطن‭ ‬بهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرهم‭ ‬وبصمت‭ ‬وإن‭ ‬بجهود‭ ‬ذاتية،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬هم‭ ‬ممثلو‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬فناً‭ ‬وثقافة‭ ‬وفكراً‭!‬

{‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المقدمة‭ ‬ونحن‭ ‬نحتفي‭ ‬بالمنجز‭ ‬الإبداعي‭ ‬الذي‭ ‬حققه‭ ‬‮«‬مسرح‭ ‬الصواري‮»‬‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬جرش‭ ‬للمونودراما‭ ‬الأخير،‭ ‬حيث‭ ‬نال‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬‮«‬المدعو‭ ‬صدفة‮»‬‭ ‬أربع‭ ‬جوائز‭ (‬جائزة‭ ‬أفضل‭ ‬عرض‭ ‬متكامل،‭ ‬وجائزة‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬فاز‭ ‬بها‭ ‬الفنان‭ ‬كامل‭ ‬البوسعيدي،‭ ‬وجائزة‭ ‬أفضل‭ ‬إخراج‭ ‬التي‭ ‬حظي‭ ‬بها‭ ‬المخرج‭ ‬إبراهيم‭ ‬المنسي،‭ ‬وجائزة‭ ‬أفضل‭ ‬سينوغرافيا‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬الفنان‭ ‬عبدالله‭ ‬البكري‭)‬،‭ ‬أما‭ ‬يوسف‭ ‬الحمدان‭ ‬فله‭ ‬قصة‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬الجوائز‭! ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬فاز‭ ‬في‭ ‬المهرجان‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬أفضل‭ ‬تأليف‭ ‬مسرحي‭ ‬عن‭ ‬نص‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬السيد‭ ‬خشبة‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬يستحق‭ ‬ذات‭ ‬الجائزة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬نصه‭ ‬المسرحي‭ ‬‮«‬المدعو‭ ‬صدفة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬فاز‭ ‬بالجوائز‭ ‬الأربع‭ ‬السابقة‭.‬

{‭ ‬و‭ ‬د‭. ‬يوسف‭ ‬الحمدان‭ ‬الذي‭ ‬يعشق‭ ‬المسرح‭ ‬والفنون‭ ‬عامة‭ ‬عشقه‭ ‬للحياة‭! ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬واصل‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬تعمقت‭ ‬معرفتي‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬درب‭ ‬العشق‭ ‬المسرحي‭ ‬كتابة‭ ‬ونقداً‭ ‬وتأليفاً‭ ‬ورعاية‭ ‬للممثلين‭ ‬والفنانين،‭ ‬حتى‭ ‬تحول‭ ‬مسرح‭ ‬الصواري‭ ‬معه‭ ‬ومع‭ ‬العاملين‭ ‬والفنانين‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬علامة‭ ‬مضيئة‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬البحريني،‭ ‬الذي‭ ‬يطل‭ ‬فتطل‭ ‬معه‭ ‬الإنجازات‭ ‬المسرحية‭ ‬النوعية‭ ‬والجوائز‭ ‬وإثبات‭ ‬الذات‭ ‬الإبداعية‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬محلية‭ ‬وخليجية‭ ‬وعربية‭ ‬بل‭ ‬ودولية‭ ‬مشحونة‭ ‬بالمنافسة‭! ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬منجزات‭ ‬التأليف‭ ‬والتمثيل‭ ‬والإخراج‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬الصواري‭ ‬ذات‭ ‬تميز‭ ‬خاص‭ ‬ونكهة‭ ‬فنية‭ ‬خاصة‭ ‬معجونة‭ ‬بروح‭ ‬التحدي‭ ‬الفني‭ ‬لدى‭ ‬الفنان‭ ‬البحريني‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬بجهد‭ ‬كبير‭ ‬رغم‭ ‬الظروف‭ ‬القاسية‭! ‬ومن‭ ‬المسرح‭ ‬الخليجي‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والمهرجانات‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬مهرجان‭ ‬القاهرة‭ ‬المسرحي،‭ ‬إلى‭ ‬مشاركة‭ ‬يوسف‭ ‬الحمدان‭ ‬في‭ ‬‮«‬زيوريخ‮»‬‭ ‬ممثلاً‭ ‬للنقد‭ ‬في‭ ‬المحاور‭ ‬الدولية،‭ ‬إلى‭ ‬حصوله‭ ‬في‭ ‬بطرسبرج‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬الدبلوما‭ ‬الفخرية‭ ‬عن‭ ‬نص‭ (‬هدوء‭ ‬تام‭) ‬وجائزة‭ ‬الأداء‭ ‬الجماعي،‭ ‬يواصل‭ ‬‮«‬الحمدان‮»‬‭ ‬ومسرح‭ ‬الصواري‭ ‬درب‭ ‬المنافسة‭ ‬المسرحية‭ ‬منذ‭ ‬التسعينيات‭! ‬ويحصد‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬‮«‬مهرجان‭ ‬جرش‮»‬‭ ‬الأخير‭ ‬الإشادات‭ ‬باعتبار‭ ‬‮«‬المدعو‭ ‬صدفة‮»‬‭ ‬أبرز‭ ‬أعمال‭ ‬الدورة‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬جرش‭! ‬مثلما‭ ‬يحظى‭ ‬بإعجاب‭ ‬وإشادة‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬والجمهور،‭ ‬لتطل‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬صورها‭ ‬الفنية،‭ ‬وإنجازها‭ ‬الثقافي‭ ‬والمسرحي،‭ ‬ولتتجلى‭ ‬معها‭ ‬الروح‭ ‬البحرينية‭ ‬ذات‭ ‬المخزون‭ ‬الحضاري‭ ‬العميق،‭ ‬والحضور‭ ‬الثقافي‭ ‬الرائد‭ ‬والتجسيد‭ ‬الفني‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬منا‭ ‬جميعاً‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬حفاوة‭ ‬وإشادة‭ ‬ورعاية‭.‬

{‭ ‬الفن‭ ‬والثقافة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ليسا‭ ‬فقط‭ ‬ممثلي‭ ‬الروح‭ ‬البحرينية،‭ ‬بل‭ ‬هما‭ ‬سمة‭ ‬الشخصية‭ ‬البحرينية،‭ ‬وما‭ ‬يتحقق‭ ‬فيهما‭ ‬وبهما،‭ ‬يؤكدان‭ ‬أنها‭ ‬أهم‭ ‬دعائم‭ ‬رسم‭ ‬الصورة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كله‭! ‬لأن‭ ‬المباني‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والأمكنة‭ ‬الحديثة‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الدول،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬دولة‭ ‬عن‭ ‬أخرى‭ ‬هو‭ ‬تميزها‭ ‬وخصوصيتها‭ ‬وحضورها‭ ‬الثقافي‭ ‬والفكري‭ ‬والفني،‭ ‬وامتدادها‭ ‬التاريخي‭ ‬والحضاري‭ ‬وقيمها‭ ‬الإنسانية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬المتجسدة‭ ‬في‭ ‬تراثها‭ ‬وثقافتها،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬إنجاز‭ ‬ثقافي‭ ‬وفني‭ ‬يستحق‭ ‬تقدير‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬له،‭ ‬لدعم‭ ‬الاستمرارية‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭! ‬وقد‭ ‬تشرف‭ ‬مسرح‭ ‬الصواري‭ ‬بإهداء‭ ‬جوائزه‭ ‬الخمسة‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬‮«‬مهرجان‭ ‬جرش‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مقام‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬‮«‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يدرك‭ ‬جيداً‭ ‬قيمة‭ ‬الفن‭ ‬والثقافة‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬صورة‭ ‬البحرين‭ ‬الحضارية‭ ‬وقوتها‭ ‬الناعمة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭. ‬

ولأن‭ ‬مسرح‭ ‬الصواري‭ ‬أثبت‭ ‬حضوره‭ ‬المحلي‭ ‬والخليجي‭ ‬والعربي‭ ‬بل‭ ‬والدولي،‭ ‬فإنه‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يحظى‭ ‬بـ‭(‬مقر‭ ‬دائم‭) ‬ليواصل‭ ‬عطاءه‭ ‬الفني‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الشقة‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬ينحصر‭ ‬فيها‭ ‬بأعماله‭ ‬وفعالياته‭ ‬وتدريباته‭ ‬الأولية‭!‬

{‭ ‬إن‭ ‬صورة‭ ‬البحرين‭ ‬الحضارية‭ ‬المستمدة‭ ‬من‭ ‬مثقفيها‭ ‬وفنانيها‭ ‬وأدبائها‭ ‬هي‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬العابرة‭ ‬لحدود‭ ‬الأزمان‭ ‬والعصور،‭ ‬برسوخ‭ ‬ذاكرتها‭ ‬الوطنية‭ ‬وهويتها‭ ‬التاريخية‭ ‬والمعاصرة،‭ ‬ذات‭ ‬الخلطة‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬السحرية‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬عنها‭ ‬الجميع‭! ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬التعريف‭ ‬الثقافي‭ ‬والفني‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭ ‬البحرينية،‭ ‬ومنه‭ ‬أهمية‭ ‬استمرار‭ ‬دعم‭ ‬الدولة‭ ‬للثقافة‭ ‬والفنون‭ ‬والإبداع‭ ‬والعاملين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬لأنهم‭ ‬السد‭ ‬المنيع‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬البحرين‭ ‬وخصوصية‭ ‬تاريخها‭ ‬وعمقها‭ ‬الحضاري‭ ‬ولأنهم‭ ‬ممثلو‭ ‬روح‭ ‬البحرين‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا