عالم يتغير
فوزية رشيد
مسرح الصواري.. وللأوطان روح وجسد!
{ كما للبشر جسد وروح فإن للأوطان روح وجسد! جسد الأوطان يتمثل في جغرافيتها وبيئتها وسمائها وأرضها وبحرها، مثلما يتمثل في مؤسساتها ووزاراتها وإداراتها، أي كل ما يمثل الدولة من بنية رسمية وبنية تحتية! فماذا عن الروح؟! روح الأوطان نجدها في تاريخها وحضارتها وتراثها وفي ثقافاتها وفنونها وفي الفكر والرواية والشعر والموسيقى والمسرح والعاملين في كل تلك المجالات، وكل ما يعبر عن جوهرها وشخصيتها وخصوصيتها كأوطان! لذلك فإن الوطن الذي يحتفي بتميز مفكرية ومثقفيه وفنانيه إنما يحتفي بنفسه وبجوهره الأصيل وبروحه المتميزة!
هناك من يكبر في الوطن ويحتل المسؤولية في تمثيل الدولة ومؤسساتها، وهناك من يكبر الوطن بهم أكثر من غيرهم وبصمت وإن بجهود ذاتية، وهؤلاء هم ممثلو الروح في الوطن فناً وثقافة وفكراً!
{ كان لا بد من هذه المقدمة ونحن نحتفي بالمنجز الإبداعي الذي حققه «مسرح الصواري» في مهرجان جرش للمونودراما الأخير، حيث نال العرض المسرحي «المدعو صدفة» أربع جوائز (جائزة أفضل عرض متكامل، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة التي فاز بها الفنان كامل البوسعيدي، وجائزة أفضل إخراج التي حظي بها المخرج إبراهيم المنسي، وجائزة أفضل سينوغرافيا التي حصل عليها الفنان عبدالله البكري)، أما يوسف الحمدان فله قصة أخرى مع الجوائز! وهو الذي فاز في المهرجان ذاته على جائزة أفضل تأليف مسرحي عن نص مسرحية «السيد خشبة»، وكان يستحق ذات الجائزة مرة أخرى عن نصه المسرحي «المدعو صدفة» الذي فاز بالجوائز الأربع السابقة.
{ و د. يوسف الحمدان الذي يعشق المسرح والفنون عامة عشقه للحياة! وهو الذي واصل منذ أن تعمقت معرفتي به في الثمانينيات درب العشق المسرحي كتابة ونقداً وتأليفاً ورعاية للممثلين والفنانين، حتى تحول مسرح الصواري معه ومع العاملين والفنانين فيه إلى علامة مضيئة في المسرح البحريني، الذي يطل فتطل معه الإنجازات المسرحية النوعية والجوائز وإثبات الذات الإبداعية في أجواء محلية وخليجية وعربية بل ودولية مشحونة بالمنافسة! ما يجعل من منجزات التأليف والتمثيل والإخراج في مسرح الصواري ذات تميز خاص ونكهة فنية خاصة معجونة بروح التحدي الفني لدى الفنان البحريني الذي يعمل بجهد كبير رغم الظروف القاسية! ومن المسرح الخليجي إلى المشاركة البحرينية في الدول العربية والمهرجانات العربية على رأسها مهرجان القاهرة المسرحي، إلى مشاركة يوسف الحمدان في «زيوريخ» ممثلاً للنقد في المحاور الدولية، إلى حصوله في بطرسبرج في روسيا على شهادة الدبلوما الفخرية عن نص (هدوء تام) وجائزة الأداء الجماعي، يواصل «الحمدان» ومسرح الصواري درب المنافسة المسرحية منذ التسعينيات! ويحصد كما في «مهرجان جرش» الأخير الإشادات باعتبار «المدعو صدفة» أبرز أعمال الدورة هذا العام في جرش! مثلما يحظى بإعجاب وإشادة لجنة التحكيم والجمهور، لتطل مملكة البحرين، وهي في أبهى صورها الفنية، وإنجازها الثقافي والمسرحي، ولتتجلى معها الروح البحرينية ذات المخزون الحضاري العميق، والحضور الثقافي الرائد والتجسيد الفني الذي يحتاج منا جميعاً إلى كل حفاوة وإشادة ورعاية.
{ الفن والثقافة في البحرين ليسا فقط ممثلي الروح البحرينية، بل هما سمة الشخصية البحرينية، وما يتحقق فيهما وبهما، يؤكدان أنها أهم دعائم رسم الصورة البحرينية في العالم كله! لأن المباني والمؤسسات والأمكنة الحديثة موجودة في كل الدول، ولكن ما يميز دولة عن أخرى هو تميزها وخصوصيتها وحضورها الثقافي والفكري والفني، وامتدادها التاريخي والحضاري وقيمها الإنسانية والأخلاقية المتجسدة في تراثها وثقافتها، ولذلك فإن كل إنجاز ثقافي وفني يستحق تقدير الجهات المعنية له، لدعم الاستمرارية في مثل هذا الإنجاز! وقد تشرف مسرح الصواري بإهداء جوائزه الخمسة التي حصل عليها في «مهرجان جرش» إلى مقام جلالة الملك «حمد بن عيسى آل خليفة» الذي يدرك جيداً قيمة الفن والثقافة في ترسيخ صورة البحرين الحضارية وقوتها الناعمة على مستوى المنطقة والعالم.
ولأن مسرح الصواري أثبت حضوره المحلي والخليجي والعربي بل والدولي، فإنه يستحق أن يحظى بـ(مقر دائم) ليواصل عطاءه الفني بعيداً عن الشقة الصغيرة التي ينحصر فيها بأعماله وفعالياته وتدريباته الأولية!
{ إن صورة البحرين الحضارية المستمدة من مثقفيها وفنانيها وأدبائها هي المعبرة عن روح هذه الأرض العابرة لحدود الأزمان والعصور، برسوخ ذاكرتها الوطنية وهويتها التاريخية والمعاصرة، ذات الخلطة الخاصة أو السحرية التي يعرفها عنها الجميع! وليس هناك ما هو أهم من التعريف الثقافي والفني عن تلك الروح البحرينية، ومنه أهمية استمرار دعم الدولة للثقافة والفنون والإبداع والعاملين في هذا المجال، لأنهم السد المنيع للدفاع عن هوية البحرين وخصوصية تاريخها وعمقها الحضاري ولأنهم ممثلو روح البحرين!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك