العدد : ١٧٦٥٥ - السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٥ - السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٨هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

حقول لندن وعالم مفرغ من جدواه!

{‭ ‬أحياناً‭ ‬وأنا‭ ‬أقلب‭ ‬الشاشة‭ ‬خارج‭ ‬مواقع‭ ‬الأخبار‭ ‬المتكررة‭ ‬حول‭ ‬صراعات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أو‭ ‬المنطقة‭ ‬أو‭ ‬الخليج‭ ‬أو‭ ‬العالم‭! ‬يطل‭ ‬بغتة‭ ‬فيلم‭ ‬قد‭ ‬يلخص‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬الإنساني‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أو‭ ‬الحب‭ ‬أو‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الصراعات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬فيدخل‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬نفق‭ ‬الخيال‭ ‬الروائي،‭ ‬الموازي‭ ‬لنفق‭ ‬الواقع،‭ ‬وإن‭ ‬بأسلوب‭ ‬وسيناريو‭ ‬درامي‭ ‬يجسّد‭ ‬الضياع‭ ‬الانساني،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مليء‭ ‬بالفوضى‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والعنف‭ ‬والفساد‭ ‬والتنبؤات‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬القادم‭! ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام‭ ‬فيلم‭ (‬London‭ ‬Fields‭) ‬أو‭ ‬حقول‭ ‬لندن،‭ ‬المأخوذ‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬بنفس‭ ‬الاسم،‭ ‬الذي‭ ‬تدور‭ ‬أحداثه‭ ‬حول‭ ‬‮«‬نيكولا‭ ‬سيكس‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬عرافة‭ ‬تتمتع‭ ‬بقدرات‭ ‬خارقة‭ ‬وتتوقع‭ ‬مقتلها‭ ‬الوشيك‭! ‬تنتقل‭ ‬للعيش‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬وتدخل‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬غرامية‭ ‬فوضوية‭ ‬مع‭ ‬ثلاثة‭ ‬رجال‭ ‬مختلفين،‭ ‬عالمة‭ ‬أن‭ ‬أحدهم‭ ‬سيكون‭ ‬قاتلها‭! ‬هم‭ ‬كاتب‭ ‬أمريكي‭ ‬مريض‭ ‬جاء‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬الإلهام‭ ‬لكتابة‭ ‬رواية‭ ‬قبل‭ ‬موته‭! ‬والثاني‭ ‬رجل‭ ‬أعمال‭ ‬ثري،‭ ‬والثالث‭ ‬سائق‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭!‬

{‭ ‬الكاتب‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬سامسون‮»‬‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬المستوحى‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬المؤلف‭ ‬‮«‬مارتن‭ ‬آميس‮»‬‭ ‬ومن‭ ‬تأليف‭ ‬‮«‬روبرتا‭ ‬هانلي‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬رواية‭ ‬جريمة‭ ‬غامضة،‭ ‬يتصرف‭ ‬أبطالها‭ ‬بغموض‭ ‬وتتداخل‭ ‬الأحداث،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬يطرح‭ ‬الفيلم‭ ‬أسئلة‭ ‬مهمة‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الكاتب‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬يراقب‭ ‬الوقائع‭ ‬وتشابك‭ ‬الخيوط‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العرافة‭ ‬‮«‬نيكولا‮»‬‭! ‬وهو‭ ‬الكاتب‭ ‬الذي‭ ‬يفتقد‭ ‬الإلهام،‭ ‬فيجد‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬البطلة‭ ‬‮«‬نيكولا‮»‬‭ ‬وإغواءاتها‭ ‬وتوقعاتها‭ ‬حول‭ ‬الموت،‭ ‬وتلاعبها‭ ‬بالشخوص،‭ ‬وكأنه‭ ‬انتقام‭ ‬مسبق‭ ‬قبل‭ ‬قتلها‭ ‬المتوقع‭! ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الكاتب‭ ‬الذي‭ ‬وجد‭ ‬إلهامه‭ ‬في‭ ‬شخصيتها‭ ‬والآخرين‭ ‬من‭ ‬حولها‭ ‬وحوله‭ ‬يكتب‭ ‬بالفعل‭ ‬رواية‭ ‬مهمة،‭ ‬ولكن‭ ‬يقرر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يقتل‭ ‬الملهمة‭ ‬أن‭ ‬يقتل‭ ‬نفسه‭ ‬معها‭! ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬وتبادل‭ ‬شقة‭ ‬كاتب‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬صديق‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يترك‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬صدر‭ ‬‮«‬نيكولا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬قتلها‭ ‬ويتمدّد‭ ‬إلى‭ ‬جانبها‭ ‬آخر‭ ‬الفيلم،‭ ‬ليأتي‭ ‬الروائي‭ ‬الآخر‭ ‬إلى‭ ‬شقته‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬فيجدهما‭ ‬ميتين‭ ‬ويجد‭ ‬الرواية‭ ‬المكتملة‭ ‬مع‭ ‬ملاحظة‭ ‬فيأخذها‭ ‬وينسبها‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭!‬

{‭ ‬المعادلة‭ ‬التي‭ ‬وصل‭ ‬إليها‭ ‬الكاتب‭ ‬الأمريكي‭ ‬ودفعته‭ ‬إلى‭ ‬قتل‭ ‬‮«‬نيكولا‮»‬‭ ‬وقتل‭ ‬نفسه‭ ‬وما‭ ‬يشبه‭ ‬التخلّي‭ ‬النهائي‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬كان‭ ‬يحلم‭ ‬بكتابتها،‭ ‬وحيث‭ ‬حققت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أعلى‭ ‬المبيعات‭! ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬كتابته‭ ‬وهو‭ ‬يراقب‭ ‬الشخوص‭ ‬والأحداث‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬اليأس‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬مرضه‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬وحالة‭ ‬اللاجدوى‭ ‬وعدم‭ ‬الاكتراث‭ ‬حتى‭ ‬لنجاحه‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬عن‭ ‬عمد‭ ‬لها‭ ‬صديقه‭ ‬الروائي‭ ‬الإنجليزي‭! ‬فيطرح‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الفيلم‭ ‬أو‭ ‬الرواية‭ ‬أسئلته‭ ‬فيقول‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬قال‭ (‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬لما‭ ‬أكتب‭)! ‬ويضيف‭ (‬لا‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الآن‭ ‬للحقيقة‭ ‬أو‭ ‬للقيم‭ ‬ولا‭ ‬مكان‭ ‬أو‭ ‬معنى‭ ‬للحب‭)‬،‭ ‬لكأنه‭ ‬وهو‭ ‬يودع‭ ‬حياته‭ ‬يودع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أودعه‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬اهتمام‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬شغفه‭ ‬بكتابة‭ ‬رواية‭ ‬جيدة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬اختلاط‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وانقلاب‭ ‬المعنى،‭ ‬فيصبح‭ ‬قتله‭ ‬لـ«نيكولا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬جسدت‭ ‬الجمال‭ ‬الوحشي‭ ‬والإغراء‭ ‬والشغف‭ ‬الحسي‭ ‬والغرائزي‭ ‬بها،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تصارع‭ ‬بدورها‭ ‬توقعها‭ ‬لموتها‭ ‬في‭ ‬ميلادها‭ ‬الثلاثين‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭! ‬جاء‭ ‬قتل‭ ‬الكاتب‭ ‬لها‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬قتله‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يرمز‭ ‬إلى‭ ‬الشغف‭ ‬بحياة‭ ‬تبدو‭ ‬مبهرجة‭ ‬مثل‭ ‬نيكولا‭ ‬ولكنها‭ ‬أصبحت‭ ‬فارغة‭ ‬ولا‭ ‬مكان‭ ‬للمعنى‭ ‬أو‭ ‬الحب‭ ‬أو‭ ‬الخير‭ ‬فيها‭! ‬ولا‭ ‬أهمية‭ ‬حتى‭ ‬لنيل‭ ‬الشهرة‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭! ‬ولذلك‭ ‬كتب‭ ‬الرواية‭ ‬وتركها‭ ‬عمدا‭ ‬ليسرقها‭ ‬صديقه‭ ‬الروائي‭ ‬الآخر‭ ‬لها‭! ‬وكأنه‭ ‬يقول‭ (‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يهمني‭ ‬أي‭ ‬شيء‭)! ‬لتبقى‭ ‬الرواية‭ ‬بعده‭ ‬باسم‭ ‬غيره‭ ‬ولكن‭ ‬مضامينها‭ ‬التي‭ ‬نالت‭ ‬أعلى‭ ‬نسبة‭ ‬مبيعات‭ ‬بقيت‭ ‬وبقي‭ ‬تأثيرها،‭ ‬وكأن‭ ‬الكلمة‭ ‬أو‭ ‬الكتابة‭ ‬تعلن‭ ‬تمردها‭ ‬على‭ ‬يأس‭ ‬الكاتب،‭ ‬فتنتقل‭ ‬كمعنى‭ ‬ومضمون‭ ‬إلى‭ ‬ضمائر‭ ‬الآخرين‭ ‬وإن‭ ‬بدون‭ ‬اسمه‭!‬

{‭ ‬قد‭ ‬يُشتت‭ ‬الفيلم‭ ‬لمن‭ ‬يراه‭ ‬المغزى‭ ‬الحقيقي‭ ‬وراء‭ ‬الرواية‭ - ‬الفيلم،‭ ‬فيعتقد‭ ‬المشاهد‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬أحداث‭ ‬حول‭ ‬امرأة‭ ‬لعوب،‭ ‬وعلاقات‭ ‬وكاتب‭ ‬يائس‭ ‬يقتلها‭ ‬ويقتل‭ ‬نفسه‭! ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬يدقق‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الكلمات‭ ‬الأخيرة‭ ‬وهو‭ ‬يصف‭ ‬العالم‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ - ‬الفيلم‭ ‬يعالج‭ ‬مسألة‭ ‬مهمة‭ ‬تضع‭ ‬العقل‭ ‬والإبداع‭ ‬كقيمة‭ ‬ومعنى‭ ‬مقابل‭ ‬السيرورة‭ ‬القاسية‭ ‬للعالم‭ ‬المتحوّل‭ ‬الذي‭ ‬تخلى‭ ‬عن‭ ‬روحه‭ ‬وجوهره‭ ‬المتمثلين‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬والخير‭ ‬والحقيقة‭ ‬والقيم‭ ‬الأخلاقية‭! ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭ ‬المفرغ‭ ‬من‭ ‬محتواه‭ ‬الروحي‭ ‬والمعنوي‭ ‬مقابل‭ ‬استغراقه‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬المادي‭ ‬والحسي‭ ‬والغرائزي‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬للمعنى‭ ‬وللجوهر‭ ‬مكانة،‭ ‬ولكن‭ ‬المعنى‭ ‬والجوهر‭ ‬يتمردان‭ ‬ويثبتان‭ ‬أنهما‭ ‬باقيتان‭ ‬بقاء‭ ‬الحقيقة‭ ‬نفسها‭ ‬والحب‭ ‬والقيم‭ ‬والخير،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬ستبقى‭ ‬معاييره‭ ‬ثابتة‭ ‬وموجودة‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬الفوضوية‭ ‬واليأس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭! ‬ومهما‭ ‬حاول‭ ‬الفاسدون‭ ‬والأشرار‭ ‬إفراغه‭ ‬من‭ ‬محتواه‭ ‬ومعناه‭! ‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا