عالم يتغير
فوزية رشيد
حقول لندن وعالم مفرغ من جدواه!
{ أحياناً وأنا أقلب الشاشة خارج مواقع الأخبار المتكررة حول صراعات الشرق الأوسط أو المنطقة أو الخليج أو العالم! يطل بغتة فيلم قد يلخص شيئاً من البحث الإنساني عن الحقيقة أو الحب أو القيم في عالم الصراعات الإنسانية، فيدخل هذا البحث بدوره في نفق الخيال الروائي، الموازي لنفق الواقع، وإن بأسلوب وسيناريو درامي يجسّد الضياع الانساني، في زمن مليء بالفوضى الأخلاقية والعنف والفساد والتنبؤات والخوف من القادم! من هذه الأفلام فيلم (London Fields) أو حقول لندن، المأخوذ عن رواية بنفس الاسم، الذي تدور أحداثه حول «نيكولا سيكس» وهي عرافة تتمتع بقدرات خارقة وتتوقع مقتلها الوشيك! تنتقل للعيش في لندن، وتدخل في علاقات غرامية فوضوية مع ثلاثة رجال مختلفين، عالمة أن أحدهم سيكون قاتلها! هم كاتب أمريكي مريض جاء إلى لندن بحثاً عن الإلهام لكتابة رواية قبل موته! والثاني رجل أعمال ثري، والثالث سائق سيارة أجرة!
{ الكاتب الأمريكي «سامسون» في الفيلم المستوحى من رواية المؤلف «مارتن آميس» ومن تأليف «روبرتا هانلي»، وهي رواية جريمة غامضة، يتصرف أبطالها بغموض وتتداخل الأحداث، وفي النهاية يطرح الفيلم أسئلة مهمة على لسان الكاتب الأمريكي الذي يراقب الوقائع وتشابك الخيوط من خلال العرافة «نيكولا»! وهو الكاتب الذي يفتقد الإلهام، فيجد في شخصية البطلة «نيكولا» وإغواءاتها وتوقعاتها حول الموت، وتلاعبها بالشخوص، وكأنه انتقام مسبق قبل قتلها المتوقع! ولذلك فإن الكاتب الذي وجد إلهامه في شخصيتها والآخرين من حولها وحوله يكتب بالفعل رواية مهمة، ولكن يقرر بعد أن يقتل الملهمة أن يقتل نفسه معها! وهو الذي جاء إلى لندن وتبادل شقة كاتب آخر هو صديق في لندن، فإذا به يترك الرواية على صدر «نيكولا» التي قتلها ويتمدّد إلى جانبها آخر الفيلم، ليأتي الروائي الآخر إلى شقته في لندن فيجدهما ميتين ويجد الرواية المكتملة مع ملاحظة فيأخذها وينسبها إلى نفسه!
{ المعادلة التي وصل إليها الكاتب الأمريكي ودفعته إلى قتل «نيكولا» وقتل نفسه وما يشبه التخلّي النهائي عن رواية كان يحلم بكتابتها، وحيث حققت بعد ذلك أعلى المبيعات! هي أنه دخل في أثناء كتابته وهو يراقب الشخوص والأحداث إلى حالة اليأس سواء من مرضه أو من العالم وحالة اللاجدوى وعدم الاكتراث حتى لنجاحه في كتابة الرواية التي تركها عن عمد لها صديقه الروائي الإنجليزي! فيطرح في نهاية الفيلم أو الرواية أسئلته فيقول بين ما قال (لم يعد من أهمية لما أكتب)! ويضيف (لا أهمية في هذا العالم الآن للحقيقة أو للقيم ولا مكان أو معنى للحب)، لكأنه وهو يودع حياته يودع كل ما أودعه هذا العالم من اهتمام بما فيه شغفه بكتابة رواية جيدة في لحظة اختلاط كل شيء وانقلاب المعنى، فيصبح قتله لـ«نيكولا» التي جسدت الجمال الوحشي والإغراء والشغف الحسي والغرائزي بها، وهي التي تصارع بدورها توقعها لموتها في ميلادها الثلاثين وهو ما حدث! جاء قتل الكاتب لها تعبيرا عن قتله لكل ما يرمز إلى الشغف بحياة تبدو مبهرجة مثل نيكولا ولكنها أصبحت فارغة ولا مكان للمعنى أو الحب أو الخير فيها! ولا أهمية حتى لنيل الشهرة في فراغ هذا العالم! ولذلك كتب الرواية وتركها عمدا ليسرقها صديقه الروائي الآخر لها! وكأنه يقول (لم يعد يهمني أي شيء)! لتبقى الرواية بعده باسم غيره ولكن مضامينها التي نالت أعلى نسبة مبيعات بقيت وبقي تأثيرها، وكأن الكلمة أو الكتابة تعلن تمردها على يأس الكاتب، فتنتقل كمعنى ومضمون إلى ضمائر الآخرين وإن بدون اسمه!
{ قد يُشتت الفيلم لمن يراه المغزى الحقيقي وراء الرواية - الفيلم، فيعتقد المشاهد أنها مجرد أحداث حول امرأة لعوب، وعلاقات وكاتب يائس يقتلها ويقتل نفسه! ولكن من يدقق في تلك الكلمات الأخيرة وهو يصف العالم يدرك أن الرواية - الفيلم يعالج مسألة مهمة تضع العقل والإبداع كقيمة ومعنى مقابل السيرورة القاسية للعالم المتحوّل الذي تخلى عن روحه وجوهره المتمثلين في الحب والخير والحقيقة والقيم الأخلاقية! هذا العالم الجديد المفرغ من محتواه الروحي والمعنوي مقابل استغراقه في الجانب المادي والحسي والغرائزي لا يترك للمعنى وللجوهر مكانة، ولكن المعنى والجوهر يتمردان ويثبتان أنهما باقيتان بقاء الحقيقة نفسها والحب والقيم والخير، وأن كل ذلك ستبقى معاييره ثابتة وموجودة مهما بلغت الفوضوية واليأس في هذا العالم! ومهما حاول الفاسدون والأشرار إفراغه من محتواه ومعناه!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك