عالم يتغير
فوزية رشيد
كأننا في انتظار غودو!
{ في انتظار غودو مسرحية تنتمي إلى مسرح العبث كتبها الكاتب الإيرلندي «صمويل بيكيت». تدور أحداث المسرحية حول رجلين ينتظران شخصاً يدعى «غودو» لا يصل أبداً! وهي ملهاة مأساوية أو كوميديا سوداء! المعنى في المسرحية يتم طرحه عبر وجهات نظر مختلفة، مثلا المتفلسف «الوجودي» يرى أن الانسان مسؤول عن تحديد معنى وجوده بأفعاله واختياراته! أما صاحب الفكر «العدمي» فيرى أنه ليس ثمة معنى لوجوده، لذلك لا أهمية لأن يسعى وراء أي شيء! أما «العبثي» فيحاول جاهداً أن يعثر على معنى لوجوده، لكنه في النهاية يجد نفسه قد وصل الى نفس الضفة التي يستلقي عليها «العدمي» وهو مرهق من طول السباحة! وفي المعنى تم استخدام المثقفين عبارة في «انتظار غودو» لوصف موقف ينتظرون فيه حدوث شيء ما، لكنه على الأرجح لن يحدث أبداً!
{ بين كل تلك الرؤى التي تم طرحها وتتوزع بين الرؤية الوجودية والرؤية العدمية والرؤية العبثية، هناك رؤية عادة يغفلها المثقفون في وصف الأحداث هي «الرؤية الدينية» ذات الأبعاد التاريخية! أو ما أسماها جلالة الملك «الرسالة المحمدية» وهو يصف السلوك الإيراني وعدوانه على دولنا قائلا: «ما يؤسفنا أكثر هو تجاهل إيران لما يفترض أن يجمعنا بها من رابطة دينية، وتناسيها فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية، التي أكسبت حضارتها عمقاً روحياً وإنسانياً ومعرفياً بعد عصور من الضلال. وإننا لنأمل أن تعود الأمور إلى نصابها الصحيح بترجيح كفة الأخوة الإسلامية، التي لا تستقيم إلا بالالتزام بقيم الشريعة السمحاء القائمة على العيش المشترك واحترام عهود حسن الجوار». بهذه الرؤية التاريخية الدينية وما تحمله من تذكير بالقيم الحضارية في الإسلام تصبح إيران في الكفة المخالفة لكل ذلك من حيث التخلي عن عمقها الروحي والإنساني والمعرفي واستمرارها في الوقوع في الضلال!
{ ما علاقة مسرحية «في انتظار غودو» بـ«إيران» سواء الراهنة أو التاريخية؟! في الراهن فإن إيران مستمرة فيما تقوم به من عدوان وفكر عدائي تجاه دول الجوار الخليجية والعربية، بحيث أصبح انتظار النموذج المسالم منها كمن ينتظر «غودو» الذي لا يأتي أبداً! وذلك يحيلنا الى التاريخ وتحديداً ما بعد الاسلام قبل أكثر من 1400 عام، وحيث الجدل التاريخي لا يزال يدور حول واقعة مقتل الحسين واستشهاده منذ تلك السنوات الأولى، ما جعل من الفتنة والطائفية والانقسام المذهبي وبالاً على الأمة الإسلامية! وهو الوبال الذي استغلته إيران تاريخياً تحديداً منذ زمن «إسماعيل الصفوي» لتمارس إيران تطلعاتها بعودة وهمها الامبراطوري، من خلال الأطماع في السيطرة والهيمنة، عبر ترسيخ قيم الفتنة الطائفية وتعميقها وخطاب الكراهية للأمة الإسلامية وخاصة (أهل السنة)، ما يجعل من إمكانية عودتها إلى الاسلام الحقيقي وجوهر الرسالة المحمدية التي تناست فضلها على الأمة الفارسية هي إمكانية من الصعب الوصول إليها طالما بقي فكر التطرف المذهبي وفكر ولاية الفقيه هو الفكر المسيطر على النظام في إيران! وطالما بقي الوهم التاريخي باستعادة الإمبراطورية الفارسية قبل الاسلام هو الوهم المسيطر على عقول النخب المتطرفة عرقياً في إيران! ودولنا الخليجية التي سعت ولا تزال تسعى لإبعاد المنطقة عن الدمار والخراب والحروب هي التي تدفع اليوم ثمن العدوان الايراني الموجه إليها، رغم عدم علاقتها بالحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل! دولنا تبحث عن السلام وتمارس التنمية وإيران تبحث عن الحروب والعدوان ومن خلال وكلائها وتمارس التدمير! هما مدرستان لا تلتقي تعاليمهما أبدا!
{ في سياستها وفي سلوكياتها وفي خطابها الذي تبثه في تعليم وثقافة شعبها وذيولها الموالين لها فإن إيران الراهنة واقعة في فخ العبثية والتراجيديا المأساوية، ومتناسية تماماً بعدها الاسلامي والرابطة الدينية التي تجمعها مع الدول العربية المسلمة، رغم أن نظامها الثيوقراطي عرف بلده بـ«الجمهورية الايرانية الإسلامية»! ولكن هو التعريف الذي يناقضه نظام الملالي في كل يوم! حتى بدا واضحاً أن الهوية الحقيقية للفكر والعقل السلطوي الايراني الديني والقومي لا تزال تنتمي إلى الهوية القومية أو العرقية الفارسية، وليس إلى الإسلام وفضله الذي أخرج فارس من عصور الضلال إلى عصر الحضارة! الذي تناست إيران ذلك الفضل وأبعاده العميقة الروحية والإنسانية والمعرفية، لتمارس كل ما هو نقيض لذلك الجوهر الديني الاسلامي، وقيمه القائمة على العيش المشترك واحترام عهود حسن الجوار! هل سيتغير السلوك والفكر الايراني القومي المتعلق بأهداب ما قبل التاريخ الاسلامي، إن تغير نظام الملالي، أم أن الطائفية التي تغذيها في نفسها وفي «الشيعة» أينما وجدوا ستبقى مرتبطة بتفكيك المسلمين للسيطرة عليهم كما تتوهم؟! وبذلك لكأن «غودو» الذي تنتظره شعوب المنطقة سيبقى مختفيا في جلباب إيران ولن يأتي أبدا!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك