العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

كأننا في انتظار غودو!

{‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬غودو‭ ‬مسرحية‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ ‬العبث‭ ‬كتبها‭ ‬الكاتب‭ ‬الإيرلندي‭ ‬‮«‬صمويل‭ ‬بيكيت‮»‬‭. ‬تدور‭ ‬أحداث‭ ‬المسرحية‭ ‬حول‭ ‬رجلين‭ ‬ينتظران‭ ‬شخصاً‭ ‬يدعى‭ ‬‮«‬غودو‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬أبداً‭! ‬وهي‭ ‬ملهاة‭ ‬مأساوية‭ ‬أو‭ ‬كوميديا‭ ‬سوداء‭! ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬المسرحية‭ ‬يتم‭ ‬طرحه‭ ‬عبر‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬مختلفة،‭ ‬مثلا‭ ‬المتفلسف‭ ‬‮«‬الوجودي‮»‬‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الانسان‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬تحديد‭ ‬معنى‭ ‬وجوده‭ ‬بأفعاله‭ ‬واختياراته‭! ‬أما‭ ‬صاحب‭ ‬الفكر‭ ‬‮«‬العدمي‮»‬‭ ‬فيرى‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬معنى‭ ‬لوجوده،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬أهمية‭ ‬لأن‭ ‬يسعى‭ ‬وراء‭ ‬أي‭ ‬شيء‭! ‬أما‭ ‬‮«‬العبثي‮»‬‭ ‬فيحاول‭ ‬جاهداً‭ ‬أن‭ ‬يعثر‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬لوجوده،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬وصل‭ ‬الى‭ ‬نفس‭ ‬الضفة‭ ‬التي‭ ‬يستلقي‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬العدمي‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬مرهق‭ ‬من‭ ‬طول‭ ‬السباحة‭! ‬وفي‭ ‬المعنى‭ ‬تم‭ ‬استخدام‭ ‬المثقفين‭ ‬عبارة‭ ‬في‭ ‬‮«‬انتظار‭ ‬غودو‮»‬‭ ‬لوصف‭ ‬موقف‭ ‬ينتظرون‭ ‬فيه‭ ‬حدوث‭ ‬شيء‭ ‬ما،‭ ‬لكنه‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬لن‭ ‬يحدث‭ ‬أبداً‭!‬

{‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الرؤى‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬طرحها‭ ‬وتتوزع‭ ‬بين‭ ‬الرؤية‭ ‬الوجودية‭ ‬والرؤية‭ ‬العدمية‭ ‬والرؤية‭ ‬العبثية،‭ ‬هناك‭ ‬رؤية‭ ‬عادة‭ ‬يغفلها‭ ‬المثقفون‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬الأحداث‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الرؤية‭ ‬الدينية‮»‬‭ ‬ذات‭ ‬الأبعاد‭ ‬التاريخية‭! ‬أو‭ ‬ما‭ ‬أسماها‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬‮«‬الرسالة‭ ‬المحمدية‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬يصف‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬وعدوانه‭ ‬على‭ ‬دولنا‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬ما‭ ‬يؤسفنا‭ ‬أكثر‭ ‬هو‭ ‬تجاهل‭ ‬إيران‭ ‬لما‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يجمعنا‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬رابطة‭ ‬دينية،‭ ‬وتناسيها‭ ‬فضل‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬الفارسية،‭ ‬التي‭ ‬أكسبت‭ ‬حضارتها‭ ‬عمقاً‭ ‬روحياً‭ ‬وإنسانياً‭ ‬ومعرفياً‭ ‬بعد‭ ‬عصور‭ ‬من‭ ‬الضلال‭. ‬وإننا‭ ‬لنأمل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬نصابها‭ ‬الصحيح‭ ‬بترجيح‭ ‬كفة‭ ‬الأخوة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستقيم‭ ‬إلا‭ ‬بالالتزام‭ ‬بقيم‭ ‬الشريعة‭ ‬السمحاء‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬واحترام‭ ‬عهود‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‮»‬‭. ‬بهذه‭ ‬الرؤية‭ ‬التاريخية‭ ‬الدينية‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬تذكير‭ ‬بالقيم‭ ‬الحضارية‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬تصبح‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الكفة‭ ‬المخالفة‭ ‬لكل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬عمقها‭ ‬الروحي‭ ‬والإنساني‭ ‬والمعرفي‭ ‬واستمرارها‭ ‬في‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬الضلال‭!‬

{‭ ‬ما‭ ‬علاقة‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬في‭ ‬انتظار‭ ‬غودو‮»‬‭ ‬بـ‮«‬إيران‮»‬‭ ‬سواء‭ ‬الراهنة‭ ‬أو‭ ‬التاريخية؟‭! ‬في‭ ‬الراهن‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬مستمرة‭ ‬فيما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬عدوان‭ ‬وفكر‭ ‬عدائي‭ ‬تجاه‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبح‭ ‬انتظار‭ ‬النموذج‭ ‬المسالم‭ ‬منها‭ ‬كمن‭ ‬ينتظر‭ ‬‮«‬غودو‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬أبداً‭! ‬وذلك‭ ‬يحيلنا‭ ‬الى‭ ‬التاريخ‭ ‬وتحديداً‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاسلام‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1400‭ ‬عام،‭ ‬وحيث‭ ‬الجدل‭ ‬التاريخي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬واقعة‭ ‬مقتل‭ ‬الحسين‭ ‬واستشهاده‭ ‬منذ‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الفتنة‭ ‬والطائفية‭ ‬والانقسام‭ ‬المذهبي‭ ‬وبالاً‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬الإسلامية‭! ‬وهو‭ ‬الوبال‭ ‬الذي‭ ‬استغلته‭ ‬إيران‭ ‬تاريخياً‭ ‬تحديداً‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬‮«‬إسماعيل‭ ‬الصفوي‮»‬‭ ‬لتمارس‭ ‬إيران‭ ‬تطلعاتها‭ ‬بعودة‭ ‬وهمها‭ ‬الامبراطوري،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأطماع‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬والهيمنة،‭ ‬عبر‭ ‬ترسيخ‭ ‬قيم‭ ‬الفتنة‭ ‬الطائفية‭ ‬وتعميقها‭ ‬وخطاب‭ ‬الكراهية‭ ‬للأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وخاصة‭ (‬أهل‭ ‬السنة‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬عودتها‭ ‬إلى‭ ‬الاسلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬وجوهر‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬التي‭ ‬تناست‭ ‬فضلها‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬الفارسية‭ ‬هي‭ ‬إمكانية‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬طالما‭ ‬بقي‭ ‬فكر‭ ‬التطرف‭ ‬المذهبي‭ ‬وفكر‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬هو‭ ‬الفكر‭ ‬المسيطر‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬إيران‭! ‬وطالما‭ ‬بقي‭ ‬الوهم‭ ‬التاريخي‭ ‬باستعادة‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الفارسية‭ ‬قبل‭ ‬الاسلام‭ ‬هو‭ ‬الوهم‭ ‬المسيطر‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬النخب‭ ‬المتطرفة‭ ‬عرقياً‭ ‬في‭ ‬إيران‭! ‬ودولنا‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬سعت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تسعى‭ ‬لإبعاد‭ ‬المنطقة‭ ‬عن‭ ‬الدمار‭ ‬والخراب‭ ‬والحروب‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬اليوم‭ ‬ثمن‭ ‬العدوان‭ ‬الايراني‭ ‬الموجه‭ ‬إليها،‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬علاقتها‭ ‬بالحرب‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وأمريكا‭ ‬وإسرائيل‭! ‬دولنا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬السلام‭ ‬وتمارس‭ ‬التنمية‭ ‬وإيران‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الحروب‭ ‬والعدوان‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬وكلائها‭ ‬وتمارس‭ ‬التدمير‭! ‬هما‭ ‬مدرستان‭ ‬لا‭ ‬تلتقي‭ ‬تعاليمهما‭ ‬أبدا‭!‬

{‭ ‬في‭ ‬سياستها‭ ‬وفي‭ ‬سلوكياتها‭ ‬وفي‭ ‬خطابها‭ ‬الذي‭ ‬تبثه‭ ‬في‭ ‬تعليم‭ ‬وثقافة‭ ‬شعبها‭ ‬وذيولها‭ ‬الموالين‭ ‬لها‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬الراهنة‭ ‬واقعة‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬العبثية‭ ‬والتراجيديا‭ ‬المأساوية،‭ ‬ومتناسية‭ ‬تماماً‭ ‬بعدها‭ ‬الاسلامي‭ ‬والرابطة‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تجمعها‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬المسلمة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬نظامها‭ ‬الثيوقراطي‭ ‬عرف‭ ‬بلده‭ ‬بـ«الجمهورية‭ ‬الايرانية‭ ‬الإسلامية‮»‬‭! ‬ولكن‭ ‬هو‭ ‬التعريف‭ ‬الذي‭ ‬يناقضه‭ ‬نظام‭ ‬الملالي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭! ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬الهوية‭ ‬الحقيقية‭ ‬للفكر‭ ‬والعقل‭ ‬السلطوي‭ ‬الايراني‭ ‬الديني‭ ‬والقومي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬أو‭ ‬العرقية‭ ‬الفارسية،‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام‭ ‬وفضله‭ ‬الذي‭ ‬أخرج‭ ‬فارس‭ ‬من‭ ‬عصور‭ ‬الضلال‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬الحضارة‭! ‬الذي‭ ‬تناست‭ ‬إيران‭ ‬ذلك‭ ‬الفضل‭ ‬وأبعاده‭ ‬العميقة‭ ‬الروحية‭ ‬والإنسانية‭ ‬والمعرفية،‭ ‬لتمارس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬نقيض‭ ‬لذلك‭ ‬الجوهر‭ ‬الديني‭ ‬الاسلامي،‭ ‬وقيمه‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬واحترام‭ ‬عهود‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‭! ‬هل‭ ‬سيتغير‭ ‬السلوك‭ ‬والفكر‭ ‬الايراني‭ ‬القومي‭ ‬المتعلق‭ ‬بأهداب‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬الاسلامي،‭ ‬إن‭ ‬تغير‭ ‬نظام‭ ‬الملالي،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الطائفية‭ ‬التي‭ ‬تغذيها‭ ‬في‭ ‬نفسها‭ ‬وفي‭ ‬‮«‬الشيعة‮»‬‭ ‬أينما‭ ‬وجدوا‭ ‬ستبقى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتفكيك‭ ‬المسلمين‭ ‬للسيطرة‭ ‬عليهم‭ ‬كما‭ ‬تتوهم؟‭! ‬وبذلك‭ ‬لكأن‭ ‬‮«‬غودو‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تنتظره‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬سيبقى‭ ‬مختفيا‭ ‬في‭ ‬جلباب‭ ‬إيران‭ ‬ولن‭ ‬يأتي‭ ‬أبدا‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا