العدد : ١٧٦٣٩ - الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٩ - الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤٨هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

الإنسان بين الولادة والرحيل!

{‭ ‬من‭ ‬مفارقات‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬الدنيا‭ ‬من‭ ‬ظلمة‭ ‬البطن،‭ ‬ليخرج‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬ظلمة‭ ‬القبر‭! ‬ولكأن‭ ‬عوالم‭ ‬الغموض‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬حين‭ ‬مولده‭ ‬إلى‭ ‬النهاية‭ ‬حين‭ ‬رحيله‭! ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬معتقد‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تفسيرات‭ ‬وتأويلات‭ ‬للحياة‭ ‬وللموت،‭ ‬قد‭ ‬تتشابه‭ ‬وقد‭ ‬تتصارع‭ ‬وقد‭ ‬تتناقض‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بين‭ ‬المعتقدات‭ ‬الأرضية‭ ‬مثل‭ ‬البوذية‭ ‬والزرادشتية‭ ‬والماوية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المعتقدات‭ ‬الباطنية‭ ‬والدين‭ ‬السماوي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الاسلام‭ ‬منذ‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬آدم،‭ ‬والذي‭ ‬يجُب‭ ‬ما‭ ‬قبله‭ ‬أو‭ ‬يدحض‭ ‬ما‭ ‬قبله،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬دين‭ ‬بعده‭ ‬فهو‭ ‬خاتم‭ ‬الأديان‭! ‬وهو‭ ‬الدين‭ ‬الذي‭ ‬أفصح‭ ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬لآدم‭ ‬أول‭ ‬إنسان‭ ‬عاقل،‭ ‬ولماذا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا،‭ ‬وماذا‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭! ‬أما‭ ‬الثغرات‭ ‬الغامضة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الصحابة‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬إجابات‭ ‬لها‭ ‬فكان‭ ‬مضمونها‭ ‬موزعاً‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأحاديث‭ ‬النبوية‭ ‬الصحيحة،‭ ‬وفي‭ ‬السيرة‭ ‬النبوية‭.‬

{‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬رحلة‭ ‬الانسان‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭ ‬أي‭ ‬الموت‭ ‬بحسب‭ ‬الرؤية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬هي‭ ‬رحلة‭ ‬أبعاد‭ ‬وعوالم‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬‮«‬عالم‭ ‬الذر‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الغيب‭ ‬حين‭ ‬أخذ‭ ‬الله‭ ‬العهد‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬آدم‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬آبائهم‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬القرآن،‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الولادة‭ ‬في‭ ‬البعد‭ ‬المادي‭ ‬أي‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا،‭ ‬ثم‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬المادي‭ ‬نحو‭ ‬بعد‭ ‬آخر‭ ‬أو‭ ‬عالم‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬عالم‭ ‬البرزخ،‭ ‬ثم‭ ‬القيامة‭ ‬والحساب‭ ‬إما‭ ‬جنّة‭ ‬أو‭ ‬نار‭! ‬وهذه‭ ‬الرؤية‭ ‬الدينية‭ ‬الإسلامية‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالمعتقدات‭ ‬البوذية‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التقمص‭ ‬أو‭ ‬التناسخ‭ ‬بحسب‭ ‬مراحل‭ ‬‮«‬الكارما‮»‬‭! ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬أيضاً‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬المعتقدات‭ ‬الباطنية‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬تأويلات‭ ‬ظنية‭ -‬من‭ ‬الظن‭- ‬بعض‭ ‬الآيات‭ ‬القرآنية،‭ ‬لتفسير‭ ‬عالمي‭ ‬الشهادة‭ ‬والغيب‭! ‬مثلما‭ ‬الرؤية‭ ‬الإسلامية‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالفلسفات‭ ‬المادية‭ ‬والأيديولوجيات‭ ‬المادية‭ ‬والفلسفات‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬على‭ ‬التجربة‭ ‬المادية‭ ‬وعلى‭ ‬الوجود‭ ‬المادي‭ ‬لتفسير‭ ‬الانسان‭ ‬والحياة‭ ‬وإنكار‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭! ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الفيزياء‭ ‬الحديثة‭ ‬تعترف‭ ‬بوجود‭ ‬العوالم‭ ‬والأبعاد‭ ‬المختلفة‭ ‬للوجود،‭ ‬ولكنها‭ ‬تحصرها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الوعي‭ ‬المادي‭ ‬للحياة‭ ‬والوجود‭ ‬ولا‭ ‬تخرج‭ ‬عنها‭!‬

{‭ ‬ما‭ ‬يهمني‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬مناقشة‭ ‬الاختلافات‭ ‬المعتقدية،‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬بعد‭ ‬رحلة‭ ‬تأمل‭ ‬طويلة‭ ‬وعميقة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬الوجودي‭ ‬ومقارنة‭ ‬المعتقدات‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬والإسلام‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬وقع‭ ‬اليقين‭ ‬والإيمان‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬الرؤية‭ ‬الإلهية‭ ‬للإنسان‭ ‬والوجود‭ ‬وبوعي‭ ‬كامل،‭ ‬لأنها‭ ‬وحدها‭ ‬كفيلة‭ ‬بإشباع‭ ‬جوع‭ ‬كل‭ ‬الهواجس‭ ‬والأسئلة،‭ ‬والجمع‭ ‬بين‭ ‬عالمي‭ ‬المادة‭ ‬والروح،‭ ‬والشهادة‭ ‬والغيب،‭ ‬ومنطقية‭ ‬هذا‭ ‬الترحال‭ ‬بين‭ ‬الولادة‭ ‬والموت،‭ ‬باعتباره‭ ‬اختباراً‭ ‬للإنسان‭ ‬ولوعيه‭ ‬وتطوره‭ ‬الروحي،‭ ‬‮«‬تبارك‭ ‬الذي‭ ‬بيده‭ ‬الملك‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬قدير‭ (‬1‭) ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬الموت‭ ‬والحياة‭ ‬ليبلوكم‭ ‬أيكم‭ ‬أحسن‭ ‬عملاً‭ ‬وهو‭ ‬العزيز‭ ‬القدير‭ (‬2‭)‬‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬الملك‭. ‬وبذلك‭ ‬فإن‭ ‬الرحلة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بين‭ ‬الولادة‭ ‬والرحيل‭ ‬هي‭ ‬رحلة‭ ‬محسوبة‭ ‬دينياً،‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬للغموض‭ ‬أو‭ ‬للصدفة،‭ ‬وإنما‭ ‬للإيمان‭ ‬أو‭ ‬الكفر،‭ ‬ولكل‭ ‬منهما‭ ‬مداخله‭ ‬وخطواته‭ ‬وأبوابه‭ ‬وحتمية‭ ‬مصائره‭! ‬فمن‭ ‬يتبع‭ ‬التعاليم‭ ‬الإلهية‭ ‬ليس‭ ‬كمن‭ ‬يتبع‭ ‬خطوات‭ ‬الشيطان‭! ‬الفارق‭ ‬الوحيد‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بين‭ ‬الأبعاد‭ ‬والعوالم‭ ‬التي‭ ‬أوجدها‭ ‬الله،‭ ‬وسخر‭ ‬في‭ ‬خلقها‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭ ‬للإنسان،‭ ‬وأخضع‭ ‬رحلته‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ ‬بحسب‭ ‬وعيه‭ ‬وتطوره‭ ‬الروحي‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الإيمان‭ ‬بالغيب‭ ‬ومنه‭ ‬غيب‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭!‬

{‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬ولأننا‭ ‬مسلمون‭ ‬مؤمنون‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬رفاهية‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬ضبابية‭ ‬الأسئلة‭ ‬الشيطانية،‭ ‬فالقرآن‭ ‬لمن‭ ‬يتدبر‭ ‬فيه‭ ‬إجابة‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬الأسئلة،‭ ‬وبدّد‭ ‬الله‭ ‬سحب‭ ‬الغموض،‭ ‬وأوضح‭ ‬أن‭ ‬أعمق‭ ‬وأسهل‭ ‬طريق‭ ‬للنجاة‭ ‬هو‭ ‬الايمان‭ ‬بالله‭ ‬وعمل‭ ‬الصالحات‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬وبما‭ ‬ينفع‭ ‬الناس،‭ ‬وفي‭ ‬هذين‭ ‬المؤشرين‭ ‬اختصار‭ ‬لجدوى‭ ‬رحلة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تساوي‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬‮«‬جناح‭ ‬بعوضة‮»‬‭! ‬فيما‭ ‬يقتل‭ ‬الانسان‭ ‬فيها‭ ‬ويسفك‭ ‬الدماء‭ ‬وينشر‭ ‬الفساد‭ ‬ويمارس‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الإيذاء‭ ‬للناس‭ ‬ماديا‭ ‬ومعنوياً،‭ ‬بل‭ ‬ويصل‭ ‬إلى‭ ‬عبادة‭ ‬الشيطان‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬اتباع‭ ‬خطواته‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السيطرة‭ ‬والقوة،‭ ‬وبذلك‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬ينجو‭ ‬هو‭ ‬يغرق‭! ‬ويكون‭ ‬من‭ ‬الأخسرين‭ ‬أعمالا‭ ‬‮«‬قل‭ ‬هل‭ ‬ننبئكم‭ ‬بالأخسرين‭ ‬أعمالا‭ ‬الذين‭ ‬ضل‭ ‬سعيهم‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭ ‬وهم‭ ‬يحسبون‭ ‬أنهم‭ ‬يحسنون‭ ‬صنعا‮»‬‭ ‬الكهف‭ (‬99‭). ‬ومن‭ ‬سخرية‭ ‬ومفارقات‭ ‬المفاهيم‭ ‬حول‭ ‬الخسران‭ ‬والضياع‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تسميتها‭ ‬تقدما‭ ‬وتطورا‭ ‬ووعيا‭! ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬تخلف‭ ‬وتراجع‭ ‬روحي‭ ‬وجهل‭ ‬بمدارك‭ ‬الوجود‭ ‬الانساني،‭ ‬والمغزى‭ ‬الحقيقي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوجود‭ ‬بين‭ ‬الولادة‭ ‬والرحيل،‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬اختيارات‭ ‬قد‭ ‬توصل‭ ‬إلى‭ ‬الجنة‭ (‬ما‭ ‬لا‭ ‬عين‭ ‬رأت‭ ‬ولا‭ ‬أذن‭ ‬سمعت‭) ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬النار‭ ‬أجارنا‭ ‬الله‭ ‬منها‭.‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا