عالم يتغير
فوزية رشيد
الإنسان بين الولادة والرحيل!
{ من مفارقات الوجود الإنساني في هذه الحياة أن يأتي الدنيا من ظلمة البطن، ليخرج منها إلى ظلمة القبر! ولكأن عوالم الغموض تحيط به منذ البداية حين مولده إلى النهاية حين رحيله! وفي كل معتقد له في ذلك تفسيرات وتأويلات للحياة وللموت، قد تتشابه وقد تتصارع وقد تتناقض كما في ذلك بين المعتقدات الأرضية مثل البوذية والزرادشتية والماوية وغيرها من المعتقدات الباطنية والدين السماوي الذي هو الاسلام منذ خلق الله آدم، والذي يجُب ما قبله أو يدحض ما قبله، وليس من دين بعده فهو خاتم الأديان! وهو الدين الذي أفصح كيف كان خلق الله لآدم أول إنسان عاقل، ولماذا هو في هذه الدنيا، وماذا بعد الموت! أما الثغرات الغامضة التي كان الصحابة يبحثون عن إجابات لها فكان مضمونها موزعاً في العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة، وفي السيرة النبوية.
{ بذلك من المفترض أن رحلة الانسان في الحياة، وما بعد هذه الحياة الدنيا أي الموت بحسب الرؤية الإسلامية، هي رحلة أبعاد وعوالم بدأت في «عالم الذر» وهو من الغيب حين أخذ الله العهد من بني آدم وهم في ظهور آبائهم كما جاء في القرآن، إلى عالم الولادة في البعد المادي أي الحياة الدنيا، ثم الخروج من هذا البعد المادي نحو بعد آخر أو عالم آخر هو عالم البرزخ، ثم القيامة والحساب إما جنّة أو نار! وهذه الرؤية الدينية الإسلامية لا علاقة لها بالمعتقدات البوذية سواء من حيث التقمص أو التناسخ بحسب مراحل «الكارما»! ولا علاقة لها أيضاً بالكثير من المعتقدات الباطنية التي تدخل في تأويلات ظنية -من الظن- بعض الآيات القرآنية، لتفسير عالمي الشهادة والغيب! مثلما الرؤية الإسلامية لا علاقة لها بالفلسفات المادية والأيديولوجيات المادية والفلسفات التي تستند على التجربة المادية وعلى الوجود المادي لتفسير الانسان والحياة وإنكار ما بعد الموت! رغم أن الفيزياء الحديثة تعترف بوجود العوالم والأبعاد المختلفة للوجود، ولكنها تحصرها في إطار الوعي المادي للحياة والوجود ولا تخرج عنها!
{ ما يهمني هنا ليس مناقشة الاختلافات المعتقدية، لأن الأمر بعد رحلة تأمل طويلة وعميقة في البحث الوجودي ومقارنة المعتقدات من جهة والإسلام من جهة أخرى، وقع اليقين والإيمان في ميزان الرؤية الإلهية للإنسان والوجود وبوعي كامل، لأنها وحدها كفيلة بإشباع جوع كل الهواجس والأسئلة، والجمع بين عالمي المادة والروح، والشهادة والغيب، ومنطقية هذا الترحال بين الولادة والموت، باعتباره اختباراً للإنسان ولوعيه وتطوره الروحي، «تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز القدير (2)» سورة الملك. وبذلك فإن الرحلة الإنسانية بين الولادة والرحيل هي رحلة محسوبة دينياً، لا تخضع للغموض أو للصدفة، وإنما للإيمان أو الكفر، ولكل منهما مداخله وخطواته وأبوابه وحتمية مصائره! فمن يتبع التعاليم الإلهية ليس كمن يتبع خطوات الشيطان! الفارق الوحيد المهم في هذه الرحلة الإنسانية بين الأبعاد والعوالم التي أوجدها الله، وسخر في خلقها كل ما في الحياة الدنيا للإنسان، وأخضع رحلته بعد الموت بحسب وعيه وتطوره الروحي إلى عالم الإيمان بالغيب ومنه غيب الحياة بعد الموت!
{ في ذلك كله ولأننا مسلمون مؤمنون لا نملك رفاهية الدخول في ضبابية الأسئلة الشيطانية، فالقرآن لمن يتدبر فيه إجابة عن كل الأسئلة، وبدّد الله سحب الغموض، وأوضح أن أعمق وأسهل طريق للنجاة هو الايمان بالله وعمل الصالحات في الحياة وبما ينفع الناس، وفي هذين المؤشرين اختصار لجدوى رحلة الإنسان في هذه الحياة التي لا تساوي عند الله «جناح بعوضة»! فيما يقتل الانسان فيها ويسفك الدماء وينشر الفساد ويمارس كل أشكال الإيذاء للناس ماديا ومعنوياً، بل ويصل إلى عبادة الشيطان وليس فقط اتباع خطواته وكل ذلك من أجل السيطرة والقوة، وبذلك بدل أن ينجو هو يغرق! ويكون من الأخسرين أعمالا «قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» الكهف (99). ومن سخرية ومفارقات المفاهيم حول الخسران والضياع أن يتم تسميتها تقدما وتطورا ووعيا! بينما هي تخلف وتراجع روحي وجهل بمدارك الوجود الانساني، والمغزى الحقيقي من هذا الوجود بين الولادة والرحيل، وما يترتب على ذلك من اختيارات قد توصل إلى الجنة (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت) أو إلى النار أجارنا الله منها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك