العدد : ١٧٧٠٦ - الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٦ - الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

زاوية حرة

حسين صالح

الجلطة تنتظر الواسطة!

الدولة‭ ‬تضخ‭ ‬ملايين‭ ‬الدنانير‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭.. ‬وتبني‭ ‬وتطور‭ ‬وتشتري‭ ‬أحدث‭ ‬الأجهزة‭.. ‬والهدف‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬واحد‭: ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬المواطن‭ ‬الرعاية‭ ‬التي‭ ‬تليق‭ ‬به‭ ‬عندما‭ ‬يمرض‭.. ‬والإنصاف‭ ‬يفرض‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬لدينا‭ ‬أطباء‭ ‬وممرضين‭ ‬يستحقون‭ ‬كل‭ ‬التقدير‭.‬

قبل‭ ‬أيام‭ ‬قالت‭ ‬لي‭ ‬زميلة‭: ‬‮«‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬يوسف‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬إنجنير‭ ‬الصحي،‭ ‬والله‭ ‬كانوا‭ ‬عجيبين‭.. ‬الأطباء‭ ‬والممرضون‭ ‬البحرينيون‭ ‬يعاملونك‭ ‬بطريقة‭ ‬تخلي‭ ‬الجرح‭ ‬يبرى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬دواء‭! ‬حتى‭ ‬الممرضة‭ ‬وهي‭ ‬تسحب‭ ‬الدم‭ ‬تقول‭ ‬لي‭: ‬لا‭ ‬تخافين‭.. ‬وأي‭ ‬شيء‭ ‬تبينه‭ ‬نحن‭ ‬تحت‭ ‬خدمتكم‮»‬‭!‬

لكن‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭ ‬جاءتني‭ ‬قصة‭ ‬مختلفة‭ ‬تماما‭ ‬من‭ ‬مجمع‭ ‬السلمانية‭ ‬الطبي‭.. ‬قصة‭ ‬تجعلك‭ ‬تسأل‭ ‬مستغربا‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬نفسها؟‭!‬

أهل‭ ‬مريض‭ ‬آخر‭ ‬أخبروني‭ ‬أن‭ ‬عمهم‭ ‬دخل‭ ‬مجمع‭ ‬السلمانية‭ ‬الطبي‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬بتاريخ‭ ‬24‭ ‬أغسطس‭ ‬منذ‭ ‬ساعات‭ ‬الفجر‭.. ‬وكان‭ ‬ضغط‭ ‬دمه‭ ‬مرتفعا‭.. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬استشاري‭ ‬المخ‭ ‬والأعصاب‭ ‬لم‭ ‬يزره‭ ‬حتى‭ ‬فترة‭ ‬العصر‭ ‬‮«‬تصدق‭ ‬عاااد‮»‬‭!!‬

وفي‭ ‬25‭ ‬أغسطس،‭ ‬أبلغ‭ ‬الفريق‭ ‬الطبي‭ ‬الأهل‭ ‬بإمكانية‭ ‬خروج‭ ‬المريض‭.. ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬حسم‭ ‬التشخيص‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭: ‬هل‭ ‬الحالة‭ ‬جلطة‭ ‬أم‭ ‬نزيف؟‭ ‬وبطلب‭ ‬من‭ ‬الأهل‭ ‬تم‭ ‬تأجيل‭ ‬خروجه‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭.‬

وعند‭ ‬الخروج‭.. ‬صرف‭ ‬له‭ ‬دواء‭ ‬للضغط‭ ‬ودواء‭ ‬للحالة‭ ‬النفسية‭ ‬فقط‭.. ‬ولم‭ ‬يصرف‭ ‬له‭ - ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬أفادت‭ ‬به‭ ‬العائلة‭ - ‬علاج‭ ‬خاص‭ ‬بالجلطة‭ ‬أو‭ ‬مميعات‭ ‬للدم‭.‬

ومع‭ ‬تدهور‭ ‬حالة‭ ‬المريض،‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬أهله‭ ‬أمامهم‭ ‬سوى‭ ‬الاتصال‭ ‬بالمعارف‭ ‬والبحث‭ ‬عمن‭ ‬يستطيع‭ ‬التدخل‭ ‬لدى‭ ‬المسؤولين‭ ‬لتسريع‭ ‬علاجه‭ ‬وإنقاذه‭.‬

وهنا‭ ‬يأتي‭ ‬السؤال‭ ‬المؤلم‭: ‬هل‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬يحتاج‭ ‬فيها‭ ‬المريض،‭ ‬حتى‭ ‬وهو‭ ‬مصاب‭ ‬بجلطة‭ ‬وحالته‭ ‬تتدهور،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬واسطة‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬يسمع‭ ‬صوته‭ ‬ويحصل‭ ‬على‭ ‬العلاج‭ ‬بالسرعة‭ ‬المطلوبة؟‭!‬

ويوم‭ ‬الجمعة‭ ‬28‭ ‬أغسطس،‭ ‬عاد‭ ‬المريض‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭.. ‬وأجريت‭ ‬له‭ ‬أشعة‭ ‬بالصبغة،‭ ‬وبعدها‭ ‬أبلغ‭ ‬الأطباء‭ ‬العائلة‭ ‬بعدم‭ ‬وجود‭ ‬نزيف‭ ‬وأن‭ ‬الحالة‭ ‬جلطة‭.. ‬وتم‭ ‬عندها‭ ‬صرف‭ ‬العلاج‭ ‬الخاص‭ ‬بالجلطة‭.‬

وهنا‭ ‬السؤال‭: ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬تضخ‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬مجمع‭ ‬السلمانية‭ ‬الطبي‭ ‬والقطاع‭ ‬الصحي‭ ‬عموما‭.. ‬وتوفر‭ ‬الأجهزة‭ ‬والإمكانات‭.. ‬وهناك‭ ‬أطباء‭ ‬وممرضون‭ ‬مخلصون‭ ‬يعملون‭ ‬ليل‭ ‬نهار،‭ ‬فهل‭ ‬من‭ ‬المقبول‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬قرار‭ ‬طبي‭ ‬خاطئ‭ - ‬إن‭ ‬ثبت‭ ‬ذلك‭ - ‬ليشوه‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الجهد؟

وحتى‭ ‬سوء‭ ‬معاملة‭ ‬المريض‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬وكأنه‭ ‬أمر‭ ‬عادي؛‭ ‬فالمريض‭ ‬يدخل‭ ‬المستشفى‭ ‬خائفا‭ ‬ومتألما‭.. ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬فوق‭ ‬مرضه‭ ‬إلى‭ ‬معاملة‭ ‬تزيد‭ ‬ألمه‭.‬

وهنا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الأطباء،‭ ‬وليس‭ ‬الجميع؛‭ ‬لأن‭ ‬لدينا‭ ‬أطباء‭ ‬يملكون‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭.. ‬ويعاملون‭ ‬المريض‭ ‬بأمانة‭ ‬ورحمة‭ ‬ومسؤولية‭.. ‬لكن‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬تقصير‭ ‬طبيب‭ ‬واحد‭ ‬قد‭ ‬يشوه‭ ‬صورة‭ ‬مئات‭ ‬الأطباء‭ ‬المخلصين‭ ‬الذين‭ ‬يؤدون‭ ‬رسالتهم‭ ‬بكل‭ ‬إنسانية‭.‬

فالطبيب‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬سماعة‭ ‬على‭ ‬عنقه‭ ‬فقط‭.. ‬بل‭ ‬يحمل‭ ‬أمانة‭ ‬اسمها‭ ‬حياة‭ ‬إنسان،‭ ‬والخطأ‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يصحح‭ ‬دائما‭ ‬باعتذار‭.‬

نطلب‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قيمة‭ ‬الإنسان‭ ‬بحجم‭ ‬الملايين‭ ‬التي‭ ‬تنفقها‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صحته،‭ ‬لأن‭ ‬المعاملة‭ ‬السيئة‭ ‬للمريض‭ ‬كفيلة‭ ‬بهدم‭ ‬ثقته‭ ‬وزيادة‭ ‬ألمه‭.. ‬أما‭ ‬التقصير‭ ‬في‭ ‬علاجه،‭ ‬إن‭ ‬ثبت‭.. ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬ثمنه‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬شكوى‭!‬

إقرأ أيضا لـ"حسين صالح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا