الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
المطاعم.. السعرات والأسعار
في ظل تسارع أنماط الحياة وتغير العادات الغذائية، تأتي توجيهات سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، بدراسة تطبيق نظام للإفصاح عن السعرات الحرارية للأطعمة المقدمة في المطاعم، لتؤكد أن صحة الإنسان وجودة حياته في مقدمة أولويات الدولة.
هذا التوجيه ليس إجراءً تنظيمياً عابراً، بل مشروعا وطنيا استباقيا يهدف إلى تمكين المستهلك من اتخاذ قرار واعٍ، وترسيخ ثقافة غذائية صحية، والحد من الأمراض المرتبطة بالسمنة وسوء التغذية.
تشير المؤشرات الصحية إلى تزايد معدلات السمنة والأمراض المزمنة في أوساط الناشئة والشباب. ذلك أن الوجبات السريعة والمشروبات المحلاة وكثرة الطلب الخارجي أصبحت جزءاً من الروتين اليومي.. والمشكلة الكبرى تكمن في غياب المعلومة.. كثيرون يتناولون وجبات تتجاوز 1500 سعرة حرارية في جلسة واحدة دون إدراك، وهو ما يعادل الاحتياج اليومي الكامل لجسم الإنسان.
لذلك فعندما تُعرض المعلومة بشفافية على «المنيو»، ينتقل المستهلك من الاختيار العشوائي إلى الاختيار المسؤول. فالمعلومة هنا هي أداة الوقاية الأولى، وهي أرخص من كلفة العلاج وأكثر أثراً على المدى الطويل، كما أنها تعزز ثقة المستهلك، وتخلق تنافساً إيجابياً بين المنشآت على تقديم الأفضل صحياً.
واليوم لم يعد المطعم هو المكان الوحيد لتناول الطعام.. تطبيقات التوصيل أصبحت «المطعم الثاني» لكل أسرة.. ومع انتشارها ظهرت تحديات جديدة: غياب بيانات السعرات في أغلب التطبيقات، ما يجعل الاختيار قائماً على الصورة والعرض فقط.. بجانب العروض الترويجية التي تشجع على الإفراط في الكميات من دون وعي بالقيمة الغذائية. كما أن سهولة الوصول التي جعلت الناشئة والشباب الفئة الأكثر استهلاكاً للوجبات عالية الدهون والسكريات.
لذلك فإن نجاح النظام يتطلب شمول شركات التوصيل والمنصات الإلكترونية ضمن الإطار التنظيمي.. وإلزامها بعرض السعرات لكل صنف، وإتاحة فلاتر بحث للخيارات الصحية، سيجعل «الخيار الصحي» هو «الخيار السهل».
العديد من الدول سبقت في تطبيق هذا النظام وأثبتت فعاليته: الولايات المتحدة وبريطانيا قامتا بإلزام المطاعم الكبرى وتطبيقات التوصيل بوضع السعرات.. وكذلك السعودية والإمارات نفذتا تطبيقات النظام في المطاعم والمنصات، وظهرت قوائم مخصصة للوجبات قليلة السعرات.. وكذلك هي كندا وأستراليا، ربطتا الإفصاح بحملات توعية مدرسية ومجتمعية، فأصبحت الثقافة الغذائية جزءاً من السلوك اليومي.
على أن ما يهم المواطن البحريني كذلك، هو «خفض الأسعار» بجانب «خفض السعرات».. خاصة من شركات التوصيل التي تضاعف أسعارها وبنود الخدمة وغيرها من دون مراعاة للناس ولا حتى لأصحاب المطاعم.. فالناس كما سيفيدها «خفض السعرات» فسوف يفيدها كذلك «تخفيض الأسعار» من المطاعم وشركات التوصيل.
إن الهدف ليس منع الناس من الأكل في المطاعم أو الطلب عبر التطبيقات، بل تمكينهم من خيار صحي مبني على علم ومعرفة.. إنها خطوة نحو مجتمع أقل عرضة للأمراض المزمنة، وأكثر إنتاجية.. عبر الاستثمار المباشر في الإنسان البحريني، وفي جودة حياته اليومية، ومستقبل أجياله القادمة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك