الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
«هرمز».. والإرهاب الإيراني البحري
يمر العالم اليوم بمرحلة بالغة الدقة، عنوانها الأبرز: أمن الطاقة.. وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق الذي يمر عبره ما يقارب 20% من نفط العالم وثلث الغاز المسال.
تحويل هذا الشريان الحيوي إلى ساحة للابتزاز والضغط السياسي لم يعد احتمالاً، بل واقعاً تفرضه الاعتداءات الإيرانية المتكررة على الناقلات النفطية. لقد لجأت إيران إلى استخدام «الإرهاب البحري» كورقة ضغط في مفاوضاتها، وكرسالة تهديد إلى الدول الخليجية وإلى العالم.
الهجوم على الناقلات، استهداف السفن، زراعة الألغام، وتهديدات بإغلاق المضيق.. هذه ليست حوادث عرضية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تصدير الأزمة الداخلية وخلط الأوراق إقليمياً ودولياً.
ربما لم يشعر المواطن الخليجي بعد بالآثار بعيدة المدى في محطات الوقود أو في فاتورة المعيشة اليومية، ولكن الدول الخليجية تدرك تماماً حجم الخطر. فاقتصاداتنا مرتبطة بشكل مباشر بتدفق آمن للنفط والغاز.. وأي اضطراب في المضيق يعني: ارتفاع كلفة التأمين، حيث شركات الشحن ترفع أسعارها فور وقوع أي حادث، وهذا يضاف مباشرة إلى سعر البرميل. بجانب اضطراب خطط التصدير، فدول الخليج العربي تصدر 70% من نفطها عبر المضيق. وأي تعطيل يعني خسارة مليارات يومياً وتأخير التزامات عالمية. بالإضافة إلى ضرب بيئة الاستثمار، ذلك أن عدم الاستقرار البحري يرسل إشارة سلبية الى المستثمرين في مشاريع الطاقة والبنية التحتية.
باختصار، أمن الطاقة الخليجي أصبح رهينة في لعبة المفاوضات الدبلوماسية، وهذا وضع لا يمكن القبول به على المدى الطويل. والأثر على الاقتصاد العالمي العالم كله يدفع الثمن. فمضيق هرمز ليس شأناً خليجياً فقط. أي هزة فيه تنعكس فوراً على أسعار النفط العالمية، وتشعل التضخم، وتضرب سلاسل الإمداد، وتؤثر على نمو أكبر الاقتصادات.. فأوروبا وآسيا والولايات المتحدة كلها مستوردة رئيسية لنفط وغاز يمر من هنا. ومع ذلك، يكتفي المجتمع الدولي بـ«التفرج».
بيانات من مجلس الأمن، وتصريحات أمريكية قوية في الإعلام لم تترجم على أرض الواقع إلى رادع حقيقي يوقف هذا العبث.. هذا الصمت الدولي يشجع على مزيد من التصعيد، ويجعل من أمن الطاقة سلعة خاضعة للمساومة.
لا بد من بدائل مستدامة إزاء هذا التعنت الإيراني والصمت الدولي، لم يعد أمام دول الخليج العربي خيار سوى البحث عن حلول جذرية ومستدامة لتجاوز هذه الورقة.. لقد أصبح تسريع إنشاء خطوط أنابيب وموانئ وطرق تصدير تتجاوز مضيق هرمز مطلباً حيوياً للأمن القومي الخليجي. والمقترح العماني بإنشاء خط أنابيب يربط الخليج ببحر العرب هو مثال مهم على هذا التفكير الاستراتيجي. لكنه يقابله للأسف تعنت إيراني ومحاولات لعرقلة أي بديل يفك احتكارها الجغرافي للمضيق.
إن اقتصاد الطاقة والإمدادات لا يجب أن يبقى رهينة. والمطلوب اليوم موقف دولي موحد وحازم يجرّم استهداف الملاحة البحرية، ويضع آليات حماية فعلية. كما أن على دول الخليج العربي مضاعفة الجهود في تنويع منافذ التصدير، وتعزيز التعاون البيني في البنية التحتية للطاقة، وتطوير مخزونات استراتيجية. فالاعتداء على حرية الملاحة في مضيق هرمز هو اعتداء على الاقتصاد العالمي كله. والسكوت عنه اليوم يعني تشجيع استخدامه غداً كورقة ابتزاز دائمة.
أمن الطاقة هو أمن قومي، وأمن دولي. وحان الوقت للانتقال من مرحلة البيانات إلى مرحلة الحلول. فالعالم لا يحتمل أن يبقى شريان حياته تحت تهديد سلاح «الإرهاب الإيراني البحري».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك