العدد : ١٧٦٧٣ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٣ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية حرة

حسين صالح

انحياز فاضح!

كعادته،‭ ‬كان‭ ‬يسير‭ ‬بخطوات‭ ‬هادئة‭.. ‬وكعادتي‭ ‬لم‭ ‬أمانع‭ ‬من‭ ‬الذهاب‭ ‬إليه‭ ‬وإزعاجه‭ ‬فهو‭ ‬الحكيم‭ ‬الذي‭ ‬ألجأ‭ ‬إليه‭ ‬كلما‭ ‬تاهت‭ ‬الحقائق‭ ‬واختلطت‭ ‬الأمور‭ ‬من‭ ‬حولي‭.. ‬اقتربت‭ ‬منه‭ ‬وقلت‭ ‬له‭: ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬مصرين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يعاملوك‭ ‬بقسوة‭ ‬دائما‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رحمة‭!‬

فقال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مقدمات‭: ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬دخلت‭ ‬السوق‭ ‬وأنا‭ ‬أراقبكم‭.. ‬وصدّقني،‭ ‬ما‭ ‬تفعلونه‭ ‬ببعضكم‭ ‬بعضا‭ ‬حتى‭ ‬الحمير‭ ‬تخجل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تفعله‭.. ‬فعلى‭ ‬الأقل‭ ‬نحن‭ ‬الحمير‭ ‬لا‭ ‬نمارس‭ ‬ما‭ ‬يمارسه‭ ‬بنو‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬تحيز‭ ‬ونفاق‭.. ‬وبعض‭ ‬حفلاتكم‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬تذكرة،‭ ‬فالدخول‭ ‬مجاني‭ ‬والفضيحة‭ ‬مضمونة‭.. ‬مشكلتكم‭ ‬أنكم‭ ‬لا‭ ‬تحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يفضحكم‭.. ‬أنتم‭ ‬تتكفلون‭ ‬بالمهمة‭ ‬بأنفسكم‭.. ‬ثم‭ ‬تستغربون‭ ‬لماذا‭ ‬يضحك‭ ‬الناس‭!‬

ثم‭ ‬اقترب‭ ‬مني‭ ‬وهمس‭ ‬في‭ ‬أذني‭ ‬وقال‭: ‬عندما‭ ‬تنحازون‭.. ‬فإن‭ ‬انحيازكم‭ ‬يكون‭ ‬فاضحا‭ ‬بذاته،‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يكشفه‭.. ‬وإن‭ ‬أردتم‭ ‬أن‭ ‬يجامل‭ ‬بعضكم‭ ‬بعضا‭.. ‬فجاملوا‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الذكاء‭ ‬والتوازن‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬مسرحية‭ ‬كوميدية‭ ‬مجانية‭ ‬يضحك‭ ‬فيها‭ ‬الجمهور‭ ‬عليكم‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يصفق‭ ‬لكم‭.. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬‮«‬لي‭ ‬أنا‭ ‬وبس‮»‬‭.. ‬والبقية‭ ‬خارج‭ ‬الحفلة‭ ‬وكأن‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬لهم‭ ‬فيها،‭ ‬فهذه‭ ‬ليست‭ ‬مجاملة‭.. ‬بل‭ ‬حفلة‭ ‬خاصة‭ ‬حجزتم‭ ‬مقاعدها‭ ‬لمن‭ ‬تريدون،‭ ‬ثم‭ ‬فتحتم‭ ‬الأبواب‭ ‬للجمهور‭ ‬وطلبتم‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يصدق‭ ‬أن‭ ‬الدعوة‭ ‬كانت‭ ‬للجميع‭.. ‬وأن‭ ‬يصفق‭ ‬أيضا‭!‬

نظرت‭ ‬إليه‭ ‬وقلت‭: ‬والله‭ ‬لم‭ ‬أفهم‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬كلامك‭.. ‬‮«‬خلك‭ ‬واضح‭ ‬يا‭ ‬صديقي‮»‬؟

هز‭ ‬أذنيه‭ ‬وقال‭: ‬سأعطيكم‭ ‬مثالا‭: ‬هل‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬تضم‭ ‬لجنة‭ ‬التقييم‭ ‬أشخاصا‭ ‬تربطهم‭ ‬علاقات‭ ‬بالجهة‭ ‬التي‭ ‬فازت‭ ‬أو‭ ‬يتعاونوا‭ ‬معها،‭ ‬ثم‭ ‬نتحدث‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭ ‬عن‭ ‬الحياد‭ ‬والاستقلالية؟‭!‬

والأغرب‭ ‬أنني،‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬لم‭ ‬أستوعب‭ ‬طريقة‭ ‬إعلان‭ ‬الفائزين؛‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬المجاملات‭ ‬قد‭ ‬دخلت‭ ‬من‭ ‬الباب‭.. ‬فعلى‭ ‬الأقل‭ ‬وزعوا‭ ‬‮«‬المجاملة‮»‬‭ ‬بالتساوي‭!.. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬هنا‭ ‬وتمنع‭ ‬هناك،‭ ‬ثم‭ ‬يطلب‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬نصفق‭ ‬للحفلة‭.. ‬فهذه‭ ‬ليست‭ ‬عدالة،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬مجاملة‭ ‬ناجحة‭.. ‬بل‭ ‬مشهدا‭ ‬يجعل‭ ‬الناس‭ ‬تضحك‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬التوزيع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تسأل‭ ‬عن‭ ‬أسماء‭ ‬الفائزين‭!‬

وحتى‭ ‬المجاملة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مخرج‭ ‬فني‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يرتب‭ ‬المشهد‭.. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬تسلطوا‭ ‬الأضواء‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬بعينها‭ ‬وتتجاهلوا‭ ‬البقية‭.. ‬ثم‭ ‬بابتسامة‭ ‬باهتة،‭ ‬ترجون‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬أن‭ ‬يصدق‭ ‬ويصفق‭ ‬بحرارة‭.. ‬‮«‬يا‭ ‬أخي‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬أنا‭ ‬الحمار‭ ‬لم‭ ‬تنطل‭ ‬عليّ‭!‬

ثم‭ ‬تحرك‭ ‬حاملا‭ ‬أغراضه‭ ‬وقال‭: ‬لا‭ ‬تخش‭ ‬علي‭ ‬مما‭ ‬أحمله‭ ‬على‭ ‬ظهري؛‭ ‬ثقيلة‭ ‬هي،‭ ‬لكنها‭ ‬أخف‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬نفاقكم‭!‬

 

حسين‭ ‬صالح

إقرأ أيضا لـ"حسين صالح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا