زاوية حرة
حسين صالح
انحياز فاضح!
كعادته، كان يسير بخطوات هادئة.. وكعادتي لم أمانع من الذهاب إليه وإزعاجه فهو الحكيم الذي ألجأ إليه كلما تاهت الحقائق واختلطت الأمور من حولي.. اقتربت منه وقلت له: يبدو أن الناس ما زالوا مصرين على أن يعاملوك بقسوة دائما من دون رحمة!
فقال من دون مقدمات: منذ أن دخلت السوق وأنا أراقبكم.. وصدّقني، ما تفعلونه ببعضكم بعضا حتى الحمير تخجل من أن تفعله.. فعلى الأقل نحن الحمير لا نمارس ما يمارسه بنو البشر من تحيز ونفاق.. وبعض حفلاتكم لا تحتاج حتى إلى تذكرة، فالدخول مجاني والفضيحة مضمونة.. مشكلتكم أنكم لا تحتاجون إلى من يفضحكم.. أنتم تتكفلون بالمهمة بأنفسكم.. ثم تستغربون لماذا يضحك الناس!
ثم اقترب مني وهمس في أذني وقال: عندما تنحازون.. فإن انحيازكم يكون فاضحا بذاته، لا يحتاج إلى من يكشفه.. وإن أردتم أن يجامل بعضكم بعضا.. فجاملوا بشيء من الذكاء والتوازن حتى لا يتحول الأمر إلى مسرحية كوميدية مجانية يضحك فيها الجمهور عليكم بدل أن يصفق لكم.. أما أن يصبح كل شيء «لي أنا وبس».. والبقية خارج الحفلة وكأن لا مكان لهم فيها، فهذه ليست مجاملة.. بل حفلة خاصة حجزتم مقاعدها لمن تريدون، ثم فتحتم الأبواب للجمهور وطلبتم منه أن يصدق أن الدعوة كانت للجميع.. وأن يصفق أيضا!
نظرت إليه وقلت: والله لم أفهم شيئا من كلامك.. «خلك واضح يا صديقي»؟
هز أذنيه وقال: سأعطيكم مثالا: هل يعقل أن تضم لجنة التقييم أشخاصا تربطهم علاقات بالجهة التي فازت أو يتعاونوا معها، ثم نتحدث بكل ثقة عن الحياد والاستقلالية؟!
والأغرب أنني، حتى الآن، لم أستوعب طريقة إعلان الفائزين؛ فإذا كانت المجاملات قد دخلت من الباب.. فعلى الأقل وزعوا «المجاملة» بالتساوي!.. أما أن تمنح هنا وتمنع هناك، ثم يطلب منا أن نصفق للحفلة.. فهذه ليست عدالة، ولا حتى مجاملة ناجحة.. بل مشهدا يجعل الناس تضحك على طريقة التوزيع قبل أن تسأل عن أسماء الفائزين!
وحتى المجاملة تحتاج إلى مخرج فني يعرف كيف يرتب المشهد.. أما أن تسلطوا الأضواء على مجموعة بعينها وتتجاهلوا البقية.. ثم بابتسامة باهتة، ترجون من الجمهور أن يصدق ويصفق بحرارة.. «يا أخي» حتى أنا الحمار لم تنطل عليّ!
ثم تحرك حاملا أغراضه وقال: لا تخش علي مما أحمله على ظهري؛ ثقيلة هي، لكنها أخف كثيرا من نفاقكم!
حسين صالح

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك