زاوية حرة
حسين صالح
الطفل المدلل!
أتذكر أيام زمان.. لا هواتف ذكية، لا إشعارات، لا رسائل تحرق أعصابنا.. كنا نجلس بالساعات نتحدث.. ونلعب كرة القدم ونضحك حتى يطلب منا الجيران أن نخفف الصوت.. كانت أبواب البيوت مفتوحة، نفرح لفرح بعضنا، ونحزن لحزن بعضنا.
أما اليوم فأصبح كل واحد يجلس مع هاتفه.. كأنه جاء إلى الجلسة برفقة شخص آخر. إذا جلست مع أحدهم تجد رأسه منحنيا إلى الشاشة.. أصابعه تعمل أسرع من عقله. لذلك أصبحت أقول بكل صراحة لصديقي: إذا كنت ستقضي وقتك مع الهاتف، فاذهب واجلس معه، لا تجعلني أجلس أمام تمثال لا ينطق!
الغريب أنني كنت أضحك عليهم.. ثم اكتشفت أن العدوى أصابتني أنا أيضا.. حاولت أن أبتعد عن الهاتف، لكنه يرفض الابتعاد عني كل دقيقة: «طن».. «تن».. «دن».. إشعار جديد، رسالة جديدة، تطبيق يريد أن يخبرك أنه مازال على قيد الحياة، كأن حياته أهم من حياتنا نحن!
أصبح الهاتف مثل طفل مدلل.. إذا تجاهلته دقيقة بدأ بالصراخ حتى تلتفت إليه.. الأسوأ أننا استجبنا له بكل طاعة.. يمشي معنا إلى المكتب وإلى المطعم وإلى الاجتماع وحتى إلى الحمام.. كأنه موظف رقابة يخشى أن نختفي خمس دقائق! بل إننا أصبحنا نطمئن عليه أكثر مما نطمئن على أنفسنا.. نشحنه قبل أن ننام.. نضعه بجانب الوسادة كأنه مولود جديد.. بينما ننسى أن نسأل من بجانبنا: كيف حالك اليوم؟
المفارقة أننا اخترعنا له أسماء لطيفة.. «الذكي»، هو في الحقيقة من يجعلنا أغبياء كل يوم أكثر نتفاخر بأننا نملك أحدث إصدار.. بينما أبسط علاقاتنا الإنسانية أصبحت من أقدم الإصدارات، لا تحديث، لا صيانة، ولا حتى اهتمام.
المشكلة ليست في الهاتف.. بل في أننا منحناه وظيفة لم يطلبها أحد.. أصبح يدير وقتنا، يقطع أحاديثنا، يسرق أجمل لحظاتنا مع من نحب وربما لو سئل الهاتف نفسه، لقال إنه بريء.
المذنب الحقيقي ليس الهاتف.. بل ذلك الإصبع الذي لا يتعب من التمرير، ينتقل من مقطع إلى آخر، من صورة إلى أخرى، ومن إشعار إلى إشعار، حتى تضيع ساعات من عمره، لا يتذكر في النهاية ماذا كان يبحث عنه أصلا.
سنكتشف متأخرين أننا كنا نظن أننا نحمل الهاتف في أيدينا.. بينما كان هو يسرق حياتنا كلها داخل شاشة لا تتجاوز بضع بوصات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك