العدد : ١٧٦٦٩ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٩ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية حرة

حسين صالح

الطفل المدلل!

‭ ‬أتذكر‭ ‬أيام‭ ‬زمان‭.. ‬لا‭ ‬هواتف‭ ‬ذكية،‭ ‬لا‭ ‬إشعارات،‭ ‬لا‭ ‬رسائل‭ ‬تحرق‭ ‬أعصابنا‭.. ‬كنا‭ ‬نجلس‭ ‬بالساعات‭ ‬نتحدث‭.. ‬ونلعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬ونضحك‭ ‬حتى‭ ‬يطلب‭ ‬منا‭ ‬الجيران‭ ‬أن‭ ‬نخفف‭ ‬الصوت‭.. ‬كانت‭ ‬أبواب‭ ‬البيوت‭ ‬مفتوحة،‭ ‬نفرح‭ ‬لفرح‭ ‬بعضنا،‭ ‬ونحزن‭ ‬لحزن‭ ‬بعضنا‭.‬

أما‭ ‬اليوم‭ ‬فأصبح‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬يجلس‭ ‬مع‭ ‬هاتفه‭.. ‬كأنه‭ ‬جاء‭ ‬إلى‭ ‬الجلسة‭ ‬برفقة‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭. ‬إذا‭ ‬جلست‭ ‬مع‭ ‬أحدهم‭ ‬تجد‭ ‬رأسه‭ ‬منحنيا‭ ‬إلى‭ ‬الشاشة‭.. ‬أصابعه‭ ‬تعمل‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬عقله‭. ‬لذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬أقول‭ ‬بكل‭ ‬صراحة‭ ‬لصديقي‭: ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬ستقضي‭ ‬وقتك‭ ‬مع‭ ‬الهاتف،‭ ‬فاذهب‭ ‬واجلس‭ ‬معه،‭ ‬لا‭ ‬تجعلني‭ ‬أجلس‭ ‬أمام‭ ‬تمثال‭ ‬لا‭ ‬ينطق‭!‬

الغريب‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أضحك‭ ‬عليهم‭.. ‬ثم‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬العدوى‭ ‬أصابتني‭ ‬أنا‭ ‬أيضا‭.. ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أبتعد‭ ‬عن‭ ‬الهاتف،‭ ‬لكنه‭ ‬يرفض‭ ‬الابتعاد‭ ‬عني‭ ‬كل‭ ‬دقيقة‭: ‬‮«‬طن‮»‬‭.. ‬‮«‬تن‮»‬‭.. ‬‮«‬دن‮»‬‭.. ‬إشعار‭ ‬جديد،‭ ‬رسالة‭ ‬جديدة،‭ ‬تطبيق‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يخبرك‭ ‬أنه‭ ‬مازال‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬كأن‭ ‬حياته‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬حياتنا‭ ‬نحن‭!‬

أصبح‭ ‬الهاتف‭ ‬مثل‭ ‬طفل‭ ‬مدلل‭.. ‬إذا‭ ‬تجاهلته‭ ‬دقيقة‭ ‬بدأ‭ ‬بالصراخ‭ ‬حتى‭ ‬تلتفت‭ ‬إليه‭.. ‬الأسوأ‭ ‬أننا‭ ‬استجبنا‭ ‬له‭ ‬بكل‭ ‬طاعة‭.. ‬يمشي‭ ‬معنا‭ ‬إلى‭ ‬المكتب‭ ‬وإلى‭ ‬المطعم‭  ‬وإلى‭ ‬الاجتماع‭ ‬وحتى‭ ‬إلى‭ ‬الحمام‭.. ‬كأنه‭ ‬موظف‭ ‬رقابة‭ ‬يخشى‭ ‬أن‭ ‬نختفي‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭! ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬أصبحنا‭ ‬نطمئن‭ ‬عليه‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬نطمئن‭ ‬على‭ ‬أنفسنا‭.. ‬نشحنه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ننام‭.. ‬نضعه‭ ‬بجانب‭ ‬الوسادة‭ ‬كأنه‭ ‬مولود‭ ‬جديد‭.. ‬بينما‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭ ‬من‭ ‬بجانبنا‭: ‬كيف‭ ‬حالك‭ ‬اليوم؟

المفارقة‭ ‬أننا‭ ‬اخترعنا‭ ‬له‭ ‬أسماء‭ ‬لطيفة‭.. ‬‮«‬الذكي‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬من‭ ‬يجعلنا‭ ‬أغبياء‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أكثر‭ ‬نتفاخر‭ ‬بأننا‭ ‬نملك‭ ‬أحدث‭ ‬إصدار‭.. ‬بينما‭ ‬أبسط‭ ‬علاقاتنا‭ ‬الإنسانية‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الإصدارات،‭ ‬لا‭ ‬تحديث،‭ ‬لا‭ ‬صيانة،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬اهتمام‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الهاتف‭.. ‬بل‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬منحناه‭ ‬وظيفة‭ ‬لم‭ ‬يطلبها‭ ‬أحد‭.. ‬أصبح‭ ‬يدير‭ ‬وقتنا،‭ ‬يقطع‭ ‬أحاديثنا،‭ ‬يسرق‭ ‬أجمل‭ ‬لحظاتنا‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬نحب‭ ‬وربما‭ ‬لو‭ ‬سئل‭ ‬الهاتف‭ ‬نفسه،‭ ‬لقال‭ ‬إنه‭ ‬بريء‭.‬

المذنب‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬الهاتف‭.. ‬بل‭ ‬ذلك‭ ‬الإصبع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتعب‭ ‬من‭ ‬التمرير،‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬مقطع‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬ومن‭ ‬إشعار‭ ‬إلى‭ ‬إشعار،‭ ‬حتى‭ ‬تضيع‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬لا‭ ‬يتذكر‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬يبحث‭ ‬عنه‭ ‬أصلا‭.‬

سنكتشف‭ ‬متأخرين‭ ‬أننا‭ ‬كنا‭ ‬نظن‭ ‬أننا‭ ‬نحمل‭ ‬الهاتف‭ ‬في‭ ‬أيدينا‭.. ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬يسرق‭ ‬حياتنا‭ ‬كلها‭ ‬داخل‭ ‬شاشة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬بضع‭ ‬بوصات‭.‬

إقرأ أيضا لـ"حسين صالح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا