العدد : ١٧٦٥٢ - الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٢ - الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية حرة

حسين صالح

تسويق الجهل!

يكفي‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.. ‬حتى‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يعيش‭ ‬فائضا‭ ‬في‭ ‬‮«‬الاستشاريين‮»‬‭!.. ‬كل‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬هاتفا‭ ‬وكاميرا،‭ ‬أصبح‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها‭ ‬خبيرا‭ ‬يوزع‭ ‬النصائح‭ ‬بثقة‭ ‬لا‭ ‬يملكها‭ ‬حتى‭ ‬أصحاب‭ ‬الاختصاص‭.. ‬أحدهم‭ ‬يخرج‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬شاشة‭ ‬الهاتف‭ ‬مستعرضا‭ ‬وجهه‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬الشاشة‭.. ‬وكأنه‭ ‬عاد‭ ‬للتو‭ ‬من‭ ‬مؤتمر‭ ‬طبي‭ ‬عالمي‭.. ‬بينما‭ ‬هو،‭ ‬في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬أنهى‭ ‬قبل‭ ‬دقائق‭ ‬جلسة‭ ‬استشارة‭ ‬مع‭ ‬المدعو‭ ‬‮«‬AI‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬البشرية‭ ‬وصفات‭ ‬مجانية‭!‬

ثم‭ ‬ظهرت‭ ‬علينا‭ ‬فئة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المتفلسفين‭ ‬الذين‭ ‬يبدون‭ ‬آراءهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.. ‬من‭ ‬دون‭ ‬علم‭ ‬أو‭ ‬دراسة‭.. ‬ينصحك‭ ‬بأكل‭ ‬هذا،‭ ‬والتوقف‭ ‬عن‭ ‬ذاك،‭ ‬ويقسم‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬العلاج‭ ‬اكتشاف‭ ‬شخصي‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬الجامعات‭ ‬بعد‭! ‬لا‭ ‬يهمه‭ ‬أن‭ ‬طفلا،‭ ‬أو‭ ‬مريضا‭.. ‬أو‭ ‬كبير‭ ‬سن‭ ‬قد‭ ‬يصدق‭ ‬كلامه‭.. ‬فهو‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬المشاهدات‭.‬‭. ‬بينما‭ ‬غيره‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الثمن‭ ‬صحته‭.. ‬وربما‭ ‬حياته‭.‬

واليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الطب‭.. ‬فكل‭ ‬يوم‭ ‬يولد‭ ‬لنا‭ ‬‮«‬خبير‮»‬‭ ‬جديد‭.. ‬هذا‭ ‬أخصائي‭ ‬تغذية‭.. ‬وذاك‭ ‬خبير‭ ‬نفسي‭.. ‬والثالث‭ ‬مدرب‭ ‬علاقات‭ ‬زوجية‭.. ‬والرابع‭ ‬يفهم‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬الحيوانات‭ ‬صباحا‭ ‬وبالليل‭ ‬‮«‬لايف‭ ‬كوتش‮»‬‭.. ‬والخامس‭ ‬محلل‭ ‬سياسي‭.. ‬وإذا‭ ‬ضاق‭ ‬الوقت‭.. ‬أصبح‭ ‬الجميع‭ ‬خبراء‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭.. ‬العجيب‭ ‬أن‭ ‬المتفلسف‭ ‬نفسه‭ ‬يعود‭ ‬ليملأ‭ ‬البث‭ ‬المباشر‭ ‬بالسباب‭ ‬والألفاظ‭ ‬البذيئة‭ ‬لأي‭ ‬شخص‭ ‬ينتقد‭ ‬تحليلاته‭ ‬ووصفاته‭ ‬السحرية‭..‬‭ ‬وكأن‭ ‬الأخلاق‭ ‬أيضا‭ ‬أصبحت‭ ‬تخضع‭ ‬لخوارزميات‭ ‬المشاهدات‭!‬

أما‭ ‬رسالتي‭ ‬فهي‭ ‬إلى‭ ‬مستخدمي‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.. ‬لا‭ ‬تمنحوا‭ ‬الجهل‭ ‬إعجابا‭.. ‬ولا‭ ‬تكافئوا‭ ‬التضليل‭ ‬بمشاركة‭.. ‬فصانع‭ ‬المحتوى‭ ‬المسيء‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬الموهبة‭ ‬أو‭ ‬المعرفة‭.. ‬بل‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬مشاهداتكم‭ ‬وتفاعلكم‭.. ‬وكل‭ ‬إعجاب‭ ‬أو‭ ‬مشاركة‭ ‬هو‭ ‬وقود‭ ‬لاستمرار‭ ‬هذا‭ ‬العبث‭.. ‬ولو‭ ‬توقف‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬التصفيق‭.. ‬لانتهى‭ ‬العرض‭.. ‬وعاد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬إلى‭ ‬أحجامهم‭ ‬الحقيقية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"حسين صالح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا