العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

طارق العلي.. و«فخ الترند»

في‭ ‬الثمانينات،‭ ‬أعلن‭ ‬أحد‭ ‬نجوم‭ ‬المسرح‭ ‬الكبار‭ ‬اعتزاله‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬صحفي،‭ ‬وتأثر‭ ‬الناس‭.. ‬وبعد‭ ‬أسبوع‭ ‬عاد‭ ‬بمسرحية‭ ‬جديدة،‭ ‬وقال‭: ‬‮«‬كنت‭ ‬أمزح‭ ‬لأرى‭ ‬من‭ ‬يحبني‮»‬‭.. ‬غضب‭ ‬منه‭ ‬الجمهور‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬فرح‭ ‬بعودته،‭ ‬وقالوا‭ ‬له‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭: ‬‮«‬الكبار‭ ‬لا‭ ‬يمزحون‭ ‬بمشاعر‭ ‬الناس‮»‬‭.‬

لا‭ ‬أعرف‭ ‬الدواعي‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬فناناً‭ ‬قديراً‭ ‬بحجم‭ ‬‮«‬طارق‭ ‬العلي‮»‬‭ ‬يخرج‭ ‬على‭ ‬السوشيال‭ ‬ميديا‭ ‬ليعلن‭ ‬أنه‭ ‬قرر‭ ‬‮«‬الاعتزال‮»‬‭.. ‬جملة‭ ‬ثقيلة،‭ ‬قصيرة،‭ ‬ومفاجئة‭.. ‬أشعلت‭ ‬المنصات،‭ ‬وبدأت‭ ‬صفحات‭ ‬الإعلام‭ ‬تتفاعل‭.. ‬ولكن‭ ‬وبعد‭ ‬ساعات‭ ‬فقط،‭ ‬خرج‭ ‬بنفس‭ ‬السرعة‭ ‬ليقول‭: ‬‮«‬أقصد‭ ‬اعتزال‭ ‬الكراسي‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬المسرح‮»‬‭. ‬هنا‭ ‬توقفت‭ ‬وسألت‭ ‬نفسي‭: ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬يليق؟‭!!‬

‮«‬طارق‭ ‬العلي‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬فناناً‭ ‬مبتدئاً‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬لقطة‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬‮«‬ترند‮»‬‭ ‬يضعه‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الترندات‭.. ‬‮«‬طارق‭ ‬العلي‮»‬‭ ‬رافق‭ ‬الجيل‭ ‬والرعيل‭ ‬الأول‭.. ‬تعلم‭ ‬على‭ ‬أيديهم،‭ ‬وشرب‭ ‬من‭ ‬مدرستهم،‭ ‬ووقف‭ ‬على‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬للمسرح‭ ‬هيبة‭ ‬واحترام‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كاميرا‭ ‬ومقطع‭ ‬15‭ ‬ثانية‭.. ‬الجمهور‭ ‬كبر‭ ‬معه،‭ ‬وضحك‭ ‬معه،‭ ‬وبكى‭ ‬معه،‭ ‬ورأى‭ ‬فيه‭ ‬امتداداً‭ ‬لمدرسة‭ ‬كويتية‭ ‬وخليجية‭ ‬علمتنا‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬مسؤولية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ضحكة‭.‬

ولا‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬طارق‭ ‬العلي‮»‬‭ ‬يمتلك‭ ‬من‭ ‬دماثة‭ ‬الأخلاق‭ ‬وحسن‭ ‬السيرة‭ ‬والسلوك‭ ‬ما‭ ‬يشهد‭ ‬له‭ ‬به‭ ‬القاصي‭ ‬والداني،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يحبون‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بصدق،‭ ‬وخاصة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭.‬

أتذكر‭ ‬أنني‭ ‬التقيته‭ ‬ذات‭ ‬سنة‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية،‭ ‬وجلسنا‭ ‬نتحدث‭. ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬بحب‭ ‬كبير،‭ ‬وعن‭ ‬جمهورها‭ ‬الذي‭ ‬يحفظ‭ ‬مسرحياته‭ ‬سطراً‭ ‬سطراً‭.. ‬وأعرف‭ ‬جيداً‭ ‬مكانة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬قلبه،‭ ‬ومكانة‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬وجدانه‭.. ‬الرجل‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬ويحبهم‭ ‬ويحبونه‭. ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬النية‭.. ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الأثر‭.‬

اليوم‭ ‬نحن‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬طارق‭ ‬العلي‮»‬‭ ‬كفنان‭ ‬عملاق‭.. ‬والعملاق‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬يسقط‭ ‬في‭ ‬استخفاف‭ ‬الناس‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭.. ‬لأن‭ ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬أحبك‭ ‬30‭ ‬سنة‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬تفزعه‭ ‬ثم‭ ‬تضحك‭ ‬عليه‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭.. ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬يراك‭ ‬قدوة‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬تضعه‭ ‬في‭ ‬اختبار‭ ‬‮«‬هل‭ ‬صدق‭ ‬أم‭ ‬كذب‮»‬‭.‬

إن‭ ‬مكانة‭ ‬الإنسان‭ ‬الكبيرة‭ ‬تفرض‭ ‬عليه‭ ‬سلوكاً‭ ‬كبيراً،‭ ‬ولا‭ ‬يصح‭ ‬أن‭ ‬ينزل‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬القمة‭ ‬ليلعب‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬للقمة‭ ‬وكأن‭ ‬شيئاً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭.. ‬نحن‭ ‬نحب‭ ‬‮«‬طارق‭ ‬العلي‮»‬،‭ ‬ونريده‭ ‬أن‭ ‬يستمر،‭ ‬والمسرح‭ ‬الخليجي‭ ‬فقير‭ ‬من‭ ‬دونه،‭ ‬والضحكة‭ ‬الخليجية‭ ‬ناقصة‭ ‬بغيابه‭.. ‬لكن‭ ‬نريده‭ ‬كبيراً‭ ‬كما‭ ‬عهدناه‭.. ‬نريده‭ ‬يحترم‭ ‬ذكاء‭ ‬جمهوره،‭ ‬ويحترم‭ ‬تاريخه،‭ ‬ويحترم‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬وضعته‭ ‬في‭ ‬مكانة‭ ‬لا‭ ‬يصلها‭ ‬إلا‭ ‬القليل‭.‬

السوشيال‭ ‬ميديا‭ ‬فخ‭.. ‬سهلة،‭ ‬سريعة،‭ ‬وتغري‭.. ‬لكنها‭ ‬أيضاً‭ ‬قاسية،‭ ‬وتكتب‭ ‬عليك‭ ‬كل‭ ‬كلمة،‭ ‬والفنان‭ ‬الكبير‭ ‬ليس‭ ‬مطالباً‭ ‬بأن‭ ‬يلحق‭ ‬الترند،‭ ‬بل‭ ‬الترند‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يلحقه‭ ‬لأنه‭ ‬كبير‭.‬

الفنان‭ ‬القدير‭ ‬‮«‬طارق‭ ‬العلي‮»‬‭.. ‬جمهورك‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وكل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬يحبونك‭.. ‬ونريدك‭ ‬أن‭ ‬تعتزل‭ ‬فقط‭ ‬عندما‭ ‬تقرر‭ ‬أنت‭ ‬ذلك‭ ‬بكرامة‭ ‬وهيبة،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تعتزل‭ ‬الكرسي‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬اليه‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭.. ‬فالجمهور‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التجربة،‭ ‬وأنت‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الحركة‭.‬

على‭ ‬فكرة‭.. ‬ما‭ ‬حكاية‭ ‬الفنان‭ ‬البحريني‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يتحدث‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬السوشيال‭ ‬مؤخرا‭ ‬مهاجما‭ ‬الوضع‭ ‬الفني‭.. ‬هل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬ترند‮»‬‭ ‬كذلك‭.. ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬صاحب‭ ‬قضية‭ ‬ويود‭ ‬أن‭ ‬يستمع‭ ‬إليه‭ ‬أي‭ ‬مسؤول‭..‬؟؟

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا