الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
طارق العلي.. و«فخ الترند»
في الثمانينات، أعلن أحد نجوم المسرح الكبار اعتزاله في مؤتمر صحفي، وتأثر الناس.. وبعد أسبوع عاد بمسرحية جديدة، وقال: «كنت أمزح لأرى من يحبني».. غضب منه الجمهور أكثر مما فرح بعودته، وقالوا له كلمة واحدة: «الكبار لا يمزحون بمشاعر الناس».
لا أعرف الدواعي التي جعلت فناناً قديراً بحجم «طارق العلي» يخرج على السوشيال ميديا ليعلن أنه قرر «الاعتزال».. جملة ثقيلة، قصيرة، ومفاجئة.. أشعلت المنصات، وبدأت صفحات الإعلام تتفاعل.. ولكن وبعد ساعات فقط، خرج بنفس السرعة ليقول: «أقصد اعتزال الكراسي القديمة في المسرح». هنا توقفت وسألت نفسي: هل هذا يليق؟!!
«طارق العلي» ليس فناناً مبتدئاً يبحث عن لقطة أو عن «ترند» يضعه في أول الترندات.. «طارق العلي» رافق الجيل والرعيل الأول.. تعلم على أيديهم، وشرب من مدرستهم، ووقف على خشبة المسرح حين كان للمسرح هيبة واحترام قبل أن يكون كاميرا ومقطع 15 ثانية.. الجمهور كبر معه، وضحك معه، وبكى معه، ورأى فيه امتداداً لمدرسة كويتية وخليجية علمتنا أن الفن مسؤولية قبل أن يكون ضحكة.
ولا يختلف اثنان على أن «طارق العلي» يمتلك من دماثة الأخلاق وحسن السيرة والسلوك ما يشهد له به القاصي والداني، وهو من الأشخاص الذين يحبون دول الخليج العربي بصدق، وخاصة مملكة البحرين.
أتذكر أنني التقيته ذات سنة في إحدى الدول الآسيوية، وجلسنا نتحدث. كان يتحدث عن البحرين بحب كبير، وعن جمهورها الذي يحفظ مسرحياته سطراً سطراً.. وأعرف جيداً مكانة البحرين في قلبه، ومكانة كل الدول والشعوب الخليجية في وجدانه.. الرجل قريب من الناس، ويحبهم ويحبونه. لكن المشكلة هنا ليست في النية.. المشكلة في الأثر.
اليوم نحن ننظر إلى «طارق العلي» كفنان عملاق.. والعملاق لا يليق به أن يسقط في استخفاف الناس بمثل هذه الحركة.. لأن الجمهور الذي أحبك 30 سنة لا يستحق أن تفزعه ثم تضحك عليه بعد ساعات.. الجمهور الذي يراك قدوة لا يستحق أن تضعه في اختبار «هل صدق أم كذب».
إن مكانة الإنسان الكبيرة تفرض عليه سلوكاً كبيراً، ولا يصح أن ينزل من على القمة ليلعب في الساحة ثم يعود للقمة وكأن شيئاً لم يكن.. نحن نحب «طارق العلي»، ونريده أن يستمر، والمسرح الخليجي فقير من دونه، والضحكة الخليجية ناقصة بغيابه.. لكن نريده كبيراً كما عهدناه.. نريده يحترم ذكاء جمهوره، ويحترم تاريخه، ويحترم السنوات التي وضعته في مكانة لا يصلها إلا القليل.
السوشيال ميديا فخ.. سهلة، سريعة، وتغري.. لكنها أيضاً قاسية، وتكتب عليك كل كلمة، والفنان الكبير ليس مطالباً بأن يلحق الترند، بل الترند هو الذي يلحقه لأنه كبير.
الفنان القدير «طارق العلي».. جمهورك في البحرين وكل دول الخليج يحبونك.. ونريدك أن تعتزل فقط عندما تقرر أنت ذلك بكرامة وهيبة، لا أن «تعتزل الكرسي» ثم تعود اليه بعد ساعات.. فالجمهور أكبر من التجربة، وأنت أكبر من الحركة.
على فكرة.. ما حكاية الفنان البحريني الذي بدأ يتحدث في حسابات السوشيال مؤخرا مهاجما الوضع الفني.. هل يبحث عن «ترند» كذلك.. أم أنه صاحب قضية ويود أن يستمع إليه أي مسؤول..؟؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك