الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
إيران.. بعد عصر الضلال
تضمنت كلمة جلالة الملك المعظم في ختام تمرين «درع البحرين»، فقرة بالغة الدلالة بشأن العلاقة مع إيران، جاء فيها: «وما يؤسفنا أكثر هو تجاهل إيران لما يُفترض أن يجمعنا بها من رابطة دينية، وتناسيها فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية، التي أكسبت حضارتها عمقًا روحيًا وإنسانيًا ومعرفيًا بعد عصور من الضلال.. وإننا لنأمل أن تعود الأمور إلى نصابها الصحيح بترجيح كفة الأخوة الإسلامية، التي لا تستقيم إلا بالالتزام بقيم الشريعة السمحاء القائمة على العيش المشترك واحترام عهود حسن الجوار».
هذه الفقرة تحديدا، تحمل دلالات كبيرة ورسائل عديدة، فهمها وفطن إليها الدبلوماسيون الإيرانيون تحديدا لما جاء فيها، لأنهم يدركون جيدا المغزى منها.. ذلك أن جلالة الملك لم يخاطب إيران بلغة التهديد أو المواجهة، بل ذكّرها بما يفترض أن يجمع الطرفين «رابطة دينية». فالإسلام هو القاسم المشترك الأعظم، والرسالة المحمدية هي التي نقلت الحضارة الفارسية من عصور الجاهلية إلى نور العلم والعدل. وهذا تذكير بأن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يمحو التاريخ المشترك.
كما حملت الفقرة جملة دبلوماسية عميقة، من خلال التأكيد على أن الحل هو «ترجيح كفة الأخوة الإسلامية» ولكن بشرطين واضحين: «الالتزام بقيم الشريعة السمحاء» و«احترام عهود حسن الجوار».. أي لا أخوة بلا احترام سيادة الدول، ولا تعايش بلا كف الأذى.
لكن لماذا غضبت إيران من هذه الكلمات تحديداً؟ غضبت إيران لأن الكلمة مست ثلاثة أوتار حساسة في خطابها، أولا: تفكيك خطاب المظلومية، لأن الإشارة إلى «فضل الرسالة المحمدية» يسحب من إيران ورقة احتكار تمثيل الإسلام.. والإسلام ليس حكراً على أحد، وهو الذي صنع حضارة الجميع، وهذا يحرج الخطاب الذي يبني شرعيته على المذهبية من دون الوطنية.
كما أن كلمة جلالة الملك المعظم لم تتحدث عن مذهب، بل تحدثت عن «قيم الشريعة السمحاء» و«حسن الجوار».. وهذا يضع إيران في زاوية ضيقة، فإذا ردت بعصبية تكون قد خالفت القيم التي تدعيها، ولهذا كان الغضب، لأن الحجة منطقية ولا يمكن دحضها إلا بالتصعيد.
كما أن إشارة الكلمة السامية إلى عبارة: «تعود الأمور إلى نصابها الصحيح» تعني ضمناً أن هناك انحرافاً حدث، وهذا يمس سردية إيران عن دورها «المقاوم» في المنطقة، فالخطاب الملكي يقول بوضوح: المشكلة ليست في الدين.. المشكلة في تجاوز أعراف الجوار، والتدخل في الشؤون الداخلية.
لقد أراد جلالته أن يعيد البوصلة إلى مكانها الصحيح. فالخلاف مع إيران ليس خلافاً دينياً، بل هو خلاف على قواعد التعايش. عندما نتحدث عن «العيش المشترك» فنحن نتحدث عن مبدأ قرآني: «لا إكراه في الدين»، وعن مبدأ سياسي: «عدم التدخل في الشؤون الداخلية».. عندما نتحدث عن «احترام عهود حسن الجوار» فنحن نستحضر ميثاق الأمم المتحدة وقرارات القمم العربية والإسلامية التي وقعت عليها إيران نفسها.
جلالة الملك المعظم اختار أن يخاطب العقل الجمعي في إيران قبل النخبة السياسية، وأن يخاطب التاريخ قبل اللحظة.. والكلمة بمثابة خارطة طريق.. خارطة تقوم على مبدأ راسخ: «لا ضرر ولا ضرار».. فالأمن لا يتجزأ، والاستقرار لا يقوم على لغة «المليشيات» بل على لغة القانون.
دول وشعوب الخليج العربي تريد جاراً لا عدوا.. وأخاً في الدين لا خصماً في السياسة.. وأن أمن الخليج العربي ليس قابلاً للمساومة، ولكن باب الأخوة لمن يحترم الجوار سيظل مفتوحاً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك