العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

إيران.. بعد عصر الضلال

تضمنت‭ ‬كلمة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬تمرين‭ ‬‮«‬درع‭ ‬البحرين‮»‬،‭ ‬فقرة‭ ‬بالغة‭ ‬الدلالة‭ ‬بشأن‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭: ‬‮«‬وما‭ ‬يؤسفنا‭ ‬أكثر‭ ‬هو‭ ‬تجاهل‭ ‬إيران‭ ‬لما‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬يجمعنا‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬رابطة‭ ‬دينية،‭ ‬وتناسيها‭ ‬فضل‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬الفارسية،‭ ‬التي‭ ‬أكسبت‭ ‬حضارتها‭ ‬عمقًا‭ ‬روحيًا‭ ‬وإنسانيًا‭ ‬ومعرفيًا‭ ‬بعد‭ ‬عصور‭ ‬من‭ ‬الضلال‭.. ‬وإننا‭ ‬لنأمل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬نصابها‭ ‬الصحيح‭ ‬بترجيح‭ ‬كفة‭ ‬الأخوة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستقيم‭ ‬إلا‭ ‬بالالتزام‭ ‬بقيم‭ ‬الشريعة‭ ‬السمحاء‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬واحترام‭ ‬عهود‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬الفقرة‭ ‬تحديدا،‭ ‬تحمل‭ ‬دلالات‭ ‬كبيرة‭ ‬ورسائل‭ ‬عديدة،‭ ‬فهمها‭ ‬وفطن‭ ‬إليها‭ ‬الدبلوماسيون‭ ‬الإيرانيون‭ ‬تحديدا‭ ‬لما‭ ‬جاء‭ ‬فيها،‭ ‬لأنهم‭ ‬يدركون‭ ‬جيدا‭ ‬المغزى‭ ‬منها‭.. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬لم‭ ‬يخاطب‭ ‬إيران‭ ‬بلغة‭ ‬التهديد‭ ‬أو‭ ‬المواجهة،‭ ‬بل‭ ‬ذكّرها‭ ‬بما‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يجمع‭ ‬الطرفين‭ ‬‮«‬رابطة‭ ‬دينية‮»‬‭. ‬فالإسلام‭ ‬هو‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬الأعظم،‭ ‬والرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬نقلت‭ ‬الحضارة‭ ‬الفارسية‭ ‬من‭ ‬عصور‭ ‬الجاهلية‭ ‬إلى‭ ‬نور‭ ‬العلم‭ ‬والعدل‭. ‬وهذا‭ ‬تذكير‭ ‬بأن‭ ‬الخلاف‭ ‬السياسي‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يمحو‭ ‬التاريخ‭ ‬المشترك‭. ‬

كما‭ ‬حملت‭ ‬الفقرة‭ ‬جملة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬عميقة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬هو‭ ‬‮«‬ترجيح‭ ‬كفة‭ ‬الأخوة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬ولكن‭ ‬بشرطين‭ ‬واضحين‭: ‬‮«‬الالتزام‭ ‬بقيم‭ ‬الشريعة‭ ‬السمحاء‮»‬‭ ‬و‮«‬احترام‭ ‬عهود‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‮»‬‭.. ‬أي‭ ‬لا‭ ‬أخوة‭ ‬بلا‭ ‬احترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬ولا‭ ‬تعايش‭ ‬بلا‭ ‬كف‭ ‬الأذى‭. ‬

لكن‭ ‬لماذا‭ ‬غضبت‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬تحديداً؟‭ ‬غضبت‭ ‬إيران‭ ‬لأن‭ ‬الكلمة‭ ‬مست‭ ‬ثلاثة‭ ‬أوتار‭ ‬حساسة‭ ‬في‭ ‬خطابها،‭ ‬أولا‭: ‬تفكيك‭ ‬خطاب‭ ‬المظلومية،‭ ‬لأن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬فضل‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‮»‬‭ ‬يسحب‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬ورقة‭ ‬احتكار‭ ‬تمثيل‭ ‬الإسلام‭.. ‬والإسلام‭ ‬ليس‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬أحد،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬صنع‭ ‬حضارة‭ ‬الجميع،‭ ‬وهذا‭ ‬يحرج‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬يبني‭ ‬شرعيته‭ ‬على‭ ‬المذهبية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الوطنية‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬كلمة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬لم‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬مذهب،‭ ‬بل‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬‮«‬قيم‭ ‬الشريعة‭ ‬السمحاء‮»‬‭ ‬و‮«‬حسن‭ ‬الجوار‮»‬‭.. ‬وهذا‭ ‬يضع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬ضيقة،‭ ‬فإذا‭ ‬ردت‭ ‬بعصبية‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬خالفت‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تدعيها،‭ ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬الغضب،‭ ‬لأن‭ ‬الحجة‭ ‬منطقية‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬دحضها‭ ‬إلا‭ ‬بالتصعيد‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬إشارة‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬إلى‭ ‬عبارة‭: ‬‮«‬تعود‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬نصابها‭ ‬الصحيح‮»‬‭ ‬تعني‭ ‬ضمناً‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬انحرافاً‭ ‬حدث،‭ ‬وهذا‭ ‬يمس‭ ‬سردية‭ ‬إيران‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬‮«‬المقاوم‮»‬‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬فالخطاب‭ ‬الملكي‭ ‬يقول‭ ‬بوضوح‭: ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الدين‭.. ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬أعراف‭ ‬الجوار،‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭. ‬

لقد‭ ‬أراد‭ ‬جلالته‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬البوصلة‭ ‬إلى‭ ‬مكانها‭ ‬الصحيح‭. ‬فالخلاف‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬ليس‭ ‬خلافاً‭ ‬دينياً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬خلاف‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬التعايش‭. ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬العيش‭ ‬المشترك‮»‬‭ ‬فنحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬مبدأ‭ ‬قرآني‭: ‬‮«‬لا‭ ‬إكراه‭ ‬في‭ ‬الدين‮»‬،‭ ‬وعن‭ ‬مبدأ‭ ‬سياسي‭: ‬‮«‬عدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‮»‬‭.. ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬احترام‭ ‬عهود‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‮»‬‭ ‬فنحن‭ ‬نستحضر‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وقرارات‭ ‬القمم‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬عليها‭ ‬إيران‭ ‬نفسها‭. ‬

جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يخاطب‭ ‬العقل‭ ‬الجمعي‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬قبل‭ ‬النخبة‭ ‬السياسية،‭ ‬وأن‭ ‬يخاطب‭ ‬التاريخ‭ ‬قبل‭ ‬اللحظة‭.. ‬والكلمة‭ ‬بمثابة‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭.. ‬خارطة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬راسخ‭: ‬‮«‬لا‭ ‬ضرر‭ ‬ولا‭ ‬ضرار‮»‬‭.. ‬فالأمن‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ،‭ ‬والاستقرار‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬‮«‬المليشيات‮»‬‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬القانون‭.‬

دول‭ ‬وشعوب‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تريد‭ ‬جاراً‭ ‬لا‭ ‬عدوا‭.. ‬وأخاً‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬لا‭ ‬خصماً‭ ‬في‭ ‬السياسة‭.. ‬وأن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ليس‭ ‬قابلاً‭ ‬للمساومة،‭ ‬ولكن‭ ‬باب‭ ‬الأخوة‭ ‬لمن‭ ‬يحترم‭ ‬الجوار‭ ‬سيظل‭ ‬مفتوحاً‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا