الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
الحياد الخاطئ.. وتحذير د. الرميحي
أثار ما نشره سعادة الدكتور علي بن محمد الرميحي بشأن «مفهوم الحياد الخاطئ» لدى بعض الإعلام العربي نقاشاً مهنياً ووطنياً مهماً.. حيث كتب ما يستحق الوقوف عنده طويلاً، وقال: «أوروبا تحظر وكالة الأنباء الروسية منذ 2022.. وتمنع استضافة أي ضيف روسي إلا الرسمي، فيما العربية تستضيف محللين ايرانيين يوميا.. متسائلا: إما أوروبا لا تؤمن بالرأي الآخر.. وإما مفهوم «الإعلام الحر» عند العرب هو استضافة كل شي ضد دولنا؟؟».
الدكتور الرميحي أصاب كبد الحقيقة عندما أشار إلى خطورة استضافة بعض المنابر الإعلامية العربية شخصيات إيرانية في توقيتات حرجة، وبثها خطابا يكرس الروح الانهزامية والتشكيك في قدرة دولنا ومؤسساتنا.
ذلك أن الحياد ليس مطلقاً في زمن الأزمات.. وأوروبا التي ترفع شعار «حرية الإعلام» و«الرأي والرأي الآخر» لم تتردد لحظة في حظر ومنع أي صوت روسي غير رسمي.. لماذا؟ لأنها اعتبرت الإعلام جزءاً من الحرب، واعتبرت أن نقل الرواية المعادية في وقت الحرب هو مشاركة في الحرب نفسها.
مفهوم الحياد في الإعلام قيمة مهنية، ولكن عندما يتحول إلى «حياد سلبي» بين الحق والباطل، وبين المعتدي والمعتدى عليه، وبين من يحترم سيادة الدول ومن ينتهكها، فإنه يتحول من مهنية إلى تواطؤ، والمشكلة ليست في الاستضافة بحد ذاتها، ولكن المشكلة في «السياق» و«التوقيت» و«الميزان».
عندما يستضيف منبر إعلامي عربي شخصية إيرانية لتتحدث عن الشأن الخليجي في خضم أزمة، من دون موازنة برأي خليجي أو عربي أصيل، ومن دون وضع النقاط على الحروف بشأن التدخلات وتصدير الأزمات، فأنت بذلك تمنح شرعية لرواية تريد النيل من أمننا، والأخطر هو بث «الروح الانهزامية».
خطاب يقول: «أنتم ضعفاء»، «لا تستطيعون المواجهة»، «الأفضل التفاوض من موقع استسلام». هذا ليس إعلاماً، هذه حرب نفسية بالوكالة، والهدف واضح: كسر المعنويات قبل كسر الحدود.
يحضرني موقف في غزوة الأحزاب، حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في وضع حرج، إثر تحالف القبائل واليهود على المدينة المنورة، فأرسل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ليأتيه بخبر القوم.. لم يرسله ليستمع لخطاب العدو وينقله إلى المسلمين كما هو ويقول «هذا رأي آخر».. بل أرسله ليكشف الخطة ويعود ليقوي الصف الداخلي ويثبّت المسلمين.. والفرق واضح: الإعلام في زمن الخطر يجب أن يكون «حذيفة» الذي يحصّن الداخل، لا «بوقاً» يردد رواية الخصم ويكسر العزيمة.
مملكة البحرين ودول مجلس التعاون الخليجي لديها إعلام قوي ورصين وقادر. لكن المعركة لم تعد محلية. المعركة على «سردية المنطقة»، ومن يملك السردية يملك العقول. لذلك فإنني أضم صوتي إلى صوت الدكتور علي الرميحي في الدعوة إلى مراجعة مفهوم الحياد. الحياد الحقيقي هو أن تقف مع القانون الدولي، ومع سيادة الدول، ومع حق الشعوب في الأمن.. أما الحياد بين الجلاد والضحية فهو انحياز للجلاد.
تحية للدكتور علي الرميحي على هذه الصرخة المهنية والعربية.. والإعلام الحر هو الذي يدافع عن وطنه وأمته وقت الشدة، لا الذي يفتح أبوابه لكل من يريد النيل منها ثم يسمي ذلك «حياداً».
فإما أن نكون إعلاماً عربيا مسؤولاً، وإما سنكون كما قال الدكتور الرميحي: أداة بأيدينا تبث فينا الروح الانهزامية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك