زاوية حرة
حسين صالح
عندما يصفق المتفرجون للمشهد!
دخلت عليه في زريبته صدفة.. كان نائما وشخيره يكاد يصل إلى آخر الفريج.. مشيت على أطراف أصابعي حتى لا أوقظه.. فأنا أعرف أنه حساس جدا.. يكفي أن تتحرك بعوضة حتى يفتح عينيه.
وقبل أن أصل إليه، قال: من هذا الذي أحدث كل هذا الإزعاج؟
قلت :أنا يا صديقي.
تنهد الحمار وقال: أنت لا تأتي إلا ومعك مشاكل العالم التي ترفع الضغط.. هات ما عندك بسرعة فأنا تعبان من العمل أريد أن أعود إلى النوم.
قلت: هناك أمور تحدث أمام الجميع.. يراها الناس بوضوح لكن الغريب أن الجميع يتصرف وكأن شيئا لم يحدث.. ابتسامات وضحكات شيء عجيب غريب.
فتح عينا واحدة، وابتسم ابتسامة ماكرة ثم قال: أكثر ما يضحكني أن المفاجأة تكون مرسومة على الوجوه.. والجميع يمثل دور المندهش بإتقان.
قلت: لم أفهم دعني أولا أعد لك قهوة مضبوطة.. لعلها تعدل مزاجك وتجعلك تتكلم بوضوح.
ابتسم بسخرية وقال: هناك من يدخل أي مناسبة وهو يعرف أين تبدأ الحكاية وأين تنتهي.. لكنه يقضي الوقت كله يتدرب على ملامح الدهشة.. وعندما يحين الموعد يرفع حاجبيه كأن الكون فاجأه.. مع أن ملامحه كانت منذ البداية تهمس: «اطمئنوا.. كل شيء يسير وفق النص».
قلت: ربما هي مجرد ابتسامات عادية.
ضحك حتى اهتزت أذناه، وقال: لا يا صاحبي.. هناك ابتسامات تصل قبل أصحابها.. ونظرات تتصافح قبل الأيدي.. وصمت يقول أكثر مما يقوله الكلام.. أما أنتم فتظنون أن الحقيقة لا تبدأ إلا بعد تشغيل الميكروفون.
قلت: وكيف عرفت كل هذا؟
تثاءب وقال: يا صديقي.. لا أخاف من المسرحية.. فكل الدنيا مسرح لكنني أخاف عندما يصفق المتفرجون للمشهد.. وهم يعرفون النص قبل أن يرفع الستار.. ثم يقنعون أنفسهم أن كل شيء جاء بالعدل من دون تدخل أحد في الاختيار.
نهض ببطء، واتجه نحو باب الزريبة، ثم قال: الآن اخرج من هنا.. فأنا متعب وأريد أن أنام.. خذ قهوتك معك وأغلق الباب خلفك.. فالهدوء نعمة لا يعرفها إلا من اعتزل ضجيج البشر.
وقفت عند الباب وقلت: والله يا صديقي.. إلى الآن لم أفهم حرفا مما قلته.
أغمض عينيه وابتسم ابتسامة الواثق ثم قال: لهذا السبب تحديدا لن تفهم.. بعض الكلام لا يشرح بل يكتشف.. ومن يحتاج إلى التفسير في كل مرة فاته نصف ما يجري.. والنصف الآخر سيصفق له.
قلت: نعم فهمت.. لكن عقلي يحتاج إلى بعض الجلسات معك كي أتمكن من فهم فلسفتك في الحياة.. فأنت يا عزيزي الحمار أهل للثقة أكثر من أناس كثر!!
حسين صالح

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك