الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
الوطن أولا.. فلا انتماء يعلو عليه
في زمن كثرت فيه الانتماءات وتعددت فيه الولاءات الفرعية، يبقى السؤال الأهم معلقاً: ما الذي يجمعنا حين تشتد العواصف؟ وما الذي نحتمي به حين تتلاطم التحديات؟ الجواب باختصار ووضوح هو: الوطن أولاً.
الوطن ليس مجرد حدود على الخارطة، ولا علماً نرفعه في المناسبات.. الوطن هو البيت الكبير الذي يحمينا جميعاً، وهو العقد الذي وقعناه معاً بالدم والتاريخ والمستقبل.. وحين يكون الوطن بخير، نكون جميعاً بخير.. وحين يمر الوطن بتحدٍ، لا ينبغي أن نبحث عن مخرج فردي أو عن انتماء ضيق نلوذ به، بل نعود جميعاً إلى الأصل: الانتماء للوطن.
يقول أحد الفلاسفة: «إن الحب يعمينا عن الأخطاء، أما الكراهية فهي تعمينا عن الحقائق».. مقولة عميقة تصلح بوصلة لنا في هذا الزمن.. فحبنا لأي انتماء آخر - كان حزبياً، أو طائفياً، أو فئوياً، أو حتى انتماء لفكرة - إذا غلب حبنا للوطن، فإنه سيعمينا عن أخطاء ذلك الانتماء.. سنبرر، وسنسكت، وسنغض الطرف، وسنضع مصلحة الجزء قبل مصلحة الكل.. وهنا تبدأ الشروخ.
وبالمقابل، إذا تركنا الكراهية لطرف آخر داخل الوطن الواحد تعمينا، فإننا سنفقد أبصر حقيقة، وهي: أننا رغم اختلافنا نبقى شركاء في مصير واحد.. الكراهية تجعلنا لا نرى إلا عيوب الآخر.. فنهدم ولا نبني، ونخاصم ولا نصلح، وفي النهاية نخسر جميعاً، لأن الخاسر الحقيقي هو الوطن.
إن التاريخ علمنا أن الدول لا تسقط بسبب قوة أعدائها فقط، بل بسبب ضعف جبهتها الداخلية.. وتضعف الجبهة الداخلية حين تتقدم الانتماءات الصغيرة على الانتماء الأكبر.. حين يصبح ولاء الفرد لجماعته أهم من ولائه لقانونه ودستوره.. حين يرى البعض أن مصلحة فئته مقدمة على مصلحة الوطن.
الوقوف مع الوطن في كل الأمور وأمام التحديات كافة يعني أمرين عمليين: الأول: النقد الوطني البنّاء.. حب الوطن لا يعني تبرير الأخطاء، بل يعني العكس، لأنني أحب وطني أنتقد لتصحيح المسار لا للهدم.. أنتقد لأني أريد لبيتي أن يكون أجمل، لا لأني أريد حرقه.. فلا يجب أن يعمينا حبنا لأي انتماء غير وطني عن رؤية الأخطاء، حتى لا تتراكم وتكبر.
الثاني: التماسك رغم الاختلاف، فالوطن يتسع للجميع.. واختلافنا في الرأي والفكر والانتماء هو قوة إذا وضعناه في إطار واحد، إطار الوطن.. أما إذا تركنا الكراهية تعمينا عن حقيقة أننا أبناء أرض واحدة ومصير واحد، فسنصبح فريسة سهلة لكل من يريد النيل منا.
اليوم نعيش في عالم سريع، والتحديات لا تنتظر.. تحديات اقتصادية، وأمنية، وفكرية، وإعلامية.. وفي مواجهة كل ذلك لا يحمينا إلا شيء واحد: أن نقول بصوت واحد «مصلحة البحرين أولاً».. أن نرفع الوطن فوق كل اعتبار، وفوق أي خلاف، وفوق أي انتماء فرعي.. هذا لا يعني إلغاء بقية انتماءاتنا، بل يعني ترتيبها.. فالانتماء للوطن هو السقف الذي تحته تأتي كل الانتماءات الأخرى، وهو الإطار الذي يحفظها ولا يلغيها.
ختاما، الوطن أمانة في أعناقنا جميعاً، وهو لا يسألنا عن انتماءاتنا الفرعية حين يحتاج الينا، بل يسألنا: هل كنتم معه؟ فلنجعل إجابتنا دائماً: نعم.. كنا مع الوطن، وقدمناه على كل شيء.. لأن الوطن إذا صلح، صلحنا جميعاً.. وإذا ضعُف، ضعُفنا جميعاً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك