العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

الوطن أولا.. فلا انتماء يعلو عليه

في‭ ‬زمن‭ ‬كثرت‭ ‬فيه‭ ‬الانتماءات‭ ‬وتعددت‭ ‬فيه‭ ‬الولاءات‭ ‬الفرعية،‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬معلقاً‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجمعنا‭ ‬حين‭ ‬تشتد‭ ‬العواصف؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬نحتمي‭ ‬به‭ ‬حين‭ ‬تتلاطم‭ ‬التحديات؟‭ ‬الجواب‭ ‬باختصار‭ ‬ووضوح‭ ‬هو‭: ‬الوطن‭ ‬أولاً‭. ‬

الوطن‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حدود‭ ‬على‭ ‬الخارطة،‭ ‬ولا‭ ‬علماً‭ ‬نرفعه‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭.. ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬البيت‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬يحمينا‭ ‬جميعاً،‭ ‬وهو‭ ‬العقد‭ ‬الذي‭ ‬وقعناه‭ ‬معاً‭ ‬بالدم‭ ‬والتاريخ‭ ‬والمستقبل‭.. ‬وحين‭ ‬يكون‭ ‬الوطن‭ ‬بخير،‭ ‬نكون‭ ‬جميعاً‭ ‬بخير‭.. ‬وحين‭ ‬يمر‭ ‬الوطن‭ ‬بتحدٍ،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬مخرج‭ ‬فردي‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬انتماء‭ ‬ضيق‭ ‬نلوذ‭ ‬به،‭ ‬بل‭ ‬نعود‭ ‬جميعاً‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭: ‬الانتماء‭ ‬للوطن‭. ‬

يقول‭ ‬أحد‭ ‬الفلاسفة‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الحب‭ ‬يعمينا‭ ‬عن‭ ‬الأخطاء،‭ ‬أما‭ ‬الكراهية‭ ‬فهي‭ ‬تعمينا‭ ‬عن‭ ‬الحقائق‮»‬‭.. ‬مقولة‭ ‬عميقة‭ ‬تصلح‭ ‬بوصلة‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭.. ‬فحبنا‭ ‬لأي‭ ‬انتماء‭ ‬آخر‭ - ‬كان‭ ‬حزبياً،‭ ‬أو‭ ‬طائفياً،‭ ‬أو‭ ‬فئوياً،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬انتماء‭ ‬لفكرة‭ - ‬إذا‭ ‬غلب‭ ‬حبنا‭ ‬للوطن،‭ ‬فإنه‭ ‬سيعمينا‭ ‬عن‭ ‬أخطاء‭ ‬ذلك‭ ‬الانتماء‭.. ‬سنبرر،‭ ‬وسنسكت،‭ ‬وسنغض‭ ‬الطرف،‭ ‬وسنضع‭ ‬مصلحة‭ ‬الجزء‭ ‬قبل‭ ‬مصلحة‭ ‬الكل‭.. ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬الشروخ‭. ‬

وبالمقابل،‭ ‬إذا‭ ‬تركنا‭ ‬الكراهية‭ ‬لطرف‭ ‬آخر‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭ ‬الواحد‭ ‬تعمينا،‭ ‬فإننا‭ ‬سنفقد‭ ‬أبصر‭ ‬حقيقة،‭ ‬وهي‭: ‬أننا‭ ‬رغم‭ ‬اختلافنا‭ ‬نبقى‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬مصير‭ ‬واحد‭.. ‬الكراهية‭ ‬تجعلنا‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬إلا‭ ‬عيوب‭ ‬الآخر‭.. ‬فنهدم‭ ‬ولا‭ ‬نبني،‭ ‬ونخاصم‭ ‬ولا‭ ‬نصلح،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬نخسر‭ ‬جميعاً،‭ ‬لأن‭ ‬الخاسر‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الوطن‭. ‬

إن‭ ‬التاريخ‭ ‬علمنا‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬بسبب‭ ‬قوة‭ ‬أعدائها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬جبهتها‭ ‬الداخلية‭.. ‬وتضعف‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬حين‭ ‬تتقدم‭ ‬الانتماءات‭ ‬الصغيرة‭ ‬على‭ ‬الانتماء‭ ‬الأكبر‭.. ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬ولاء‭ ‬الفرد‭ ‬لجماعته‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬ولائه‭ ‬لقانونه‭ ‬ودستوره‭.. ‬حين‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬مصلحة‭ ‬فئته‭ ‬مقدمة‭ ‬على‭ ‬مصلحة‭ ‬الوطن‭. ‬

الوقوف‭ ‬مع‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأمور‭ ‬وأمام‭ ‬التحديات‭ ‬كافة‭ ‬يعني‭ ‬أمرين‭ ‬عمليين‭: ‬الأول‭: ‬النقد‭ ‬الوطني‭ ‬البنّاء‭.. ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تبرير‭ ‬الأخطاء،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬العكس،‭ ‬لأنني‭ ‬أحب‭ ‬وطني‭ ‬أنتقد‭ ‬لتصحيح‭ ‬المسار‭ ‬لا‭ ‬للهدم‭.. ‬أنتقد‭ ‬لأني‭ ‬أريد‭ ‬لبيتي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أجمل،‭ ‬لا‭ ‬لأني‭ ‬أريد‭ ‬حرقه‭.. ‬فلا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعمينا‭ ‬حبنا‭ ‬لأي‭ ‬انتماء‭ ‬غير‭ ‬وطني‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬الأخطاء،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتراكم‭ ‬وتكبر‭. ‬

الثاني‭: ‬التماسك‭ ‬رغم‭ ‬الاختلاف،‭ ‬فالوطن‭ ‬يتسع‭ ‬للجميع‭.. ‬واختلافنا‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬والفكر‭ ‬والانتماء‭ ‬هو‭ ‬قوة‭ ‬إذا‭ ‬وضعناه‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬واحد،‭ ‬إطار‭ ‬الوطن‭.. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬تركنا‭ ‬الكراهية‭ ‬تعمينا‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬أننا‭ ‬أبناء‭ ‬أرض‭ ‬واحدة‭ ‬ومصير‭ ‬واحد،‭ ‬فسنصبح‭ ‬فريسة‭ ‬سهلة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬النيل‭ ‬منا‭. ‬

اليوم‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬سريع،‭ ‬والتحديات‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭.. ‬تحديات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬وأمنية،‭ ‬وفكرية،‭ ‬وإعلامية‭.. ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يحمينا‭ ‬إلا‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭: ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬بصوت‭ ‬واحد‭ ‬‮«‬مصلحة‭ ‬البحرين‭ ‬أولاً‮»‬‭.. ‬أن‭ ‬نرفع‭ ‬الوطن‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار،‭ ‬وفوق‭ ‬أي‭ ‬خلاف،‭ ‬وفوق‭ ‬أي‭ ‬انتماء‭ ‬فرعي‭.. ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إلغاء‭ ‬بقية‭ ‬انتماءاتنا،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬ترتيبها‭.. ‬فالانتماء‭ ‬للوطن‭ ‬هو‭ ‬السقف‭ ‬الذي‭ ‬تحته‭ ‬تأتي‭ ‬كل‭ ‬الانتماءات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وهو‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يحفظها‭ ‬ولا‭ ‬يلغيها‭. ‬

ختاما،‭ ‬الوطن‭ ‬أمانة‭ ‬في‭ ‬أعناقنا‭ ‬جميعاً،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يسألنا‭ ‬عن‭ ‬انتماءاتنا‭ ‬الفرعية‭ ‬حين‭ ‬يحتاج‭ ‬الينا،‭ ‬بل‭ ‬يسألنا‭: ‬هل‭ ‬كنتم‭ ‬معه؟‭ ‬فلنجعل‭ ‬إجابتنا‭ ‬دائماً‭: ‬نعم‭.. ‬كنا‭ ‬مع‭ ‬الوطن،‭ ‬وقدمناه‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.. ‬لأن‭ ‬الوطن‭ ‬إذا‭ ‬صلح،‭ ‬صلحنا‭ ‬جميعاً‭.. ‬وإذا‭ ‬ضعُف،‭ ‬ضعُفنا‭ ‬جميعاً‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا