العدد : ١٧٦٥٨ - الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٨ - الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

النيابة العامة.. صلحٌ يصنع الاستقرار

حين‭ ‬تتحول‭ ‬قاعات‭ ‬المحاكم‭ ‬من‭ ‬ساحات‭ ‬خصام‭ ‬إلى‭ ‬طاولات‭ ‬صلح،‭ ‬وحين‭ ‬يصبح‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬‮«‬لم‭ ‬الشمل‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬‮«‬كسب‭ ‬القضية‮»‬،‭ ‬ندرك‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬مؤسسة‭ ‬وطنية‭ ‬تعمل‭ ‬بعقل‭ ‬الدولة‭ ‬وقلب‭ ‬المجتمع‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تجسده‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مكتب‭ ‬الصلح‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الأسرة‭ ‬والطفل‭. ‬فالأرقام‭ ‬التي‭ ‬كشفها‭ ‬التقرير‭ ‬نصف‭ ‬السنوي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬إحصاءات،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قصص‭ ‬أسر‭ ‬نجت‭ ‬من‭ ‬التفكك،‭ ‬وأطفال‭ ‬حُموا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬ضحايا‭ ‬نزاع‭ ‬الكبار‭.‬

أرقام‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬نجاح‭ ‬إنساني‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قضائياً،‭ ‬فقد‭ ‬كشف‭ ‬التقرير‭ ‬عن‭ ‬استقبال‭ ‬المكتب‭ ‬1067‭ ‬قضية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية،‭ ‬وتمكن‭ ‬من‭ ‬إنهاء‭ ‬436‭ ‬قضية‭ ‬منها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الصلح‭ ‬والتراضي،‭ ‬بنسبة‭ ‬بلغت‭ ‬41‭%.. ‬وفي‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭ ‬فقط،‭ ‬استقبل‭ ‬المكتب‭ ‬247‭ ‬قضية‭ ‬وأنهى‭ ‬97‭ ‬قضية‭ ‬بالصلح‭ ‬بنسبة‭ ‬39‭%.‬

هذه‭ ‬النسب‭ ‬تعني‭ ‬شيئاً‭ ‬واحداً‭.. ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلث‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬المحاكم‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬بيتها‭ ‬متماسكة،‭ ‬وأن‭ ‬مئات‭ ‬الأطفال‭ ‬لم‭ ‬يضطروا‭ ‬للوقوف‭ ‬أمام‭ ‬قاضٍ‭ ‬يشهد‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬أبويه،‭ ‬بل‭ ‬عادوا‭ ‬إلى‭ ‬حضن‭ ‬أسرة‭ ‬اختارت‭ ‬الحوار‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬القطيعة‭.‬

تصدرت‭ ‬قضايا‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬جسم‭ ‬الغير،‭ ‬ثم‭ ‬قضايا‭ ‬السب‭ ‬والقذف‭ ‬قائمة‭ ‬القضايا‭ ‬المحالة‭ ‬للمكتب،‭ ‬وهي‭ ‬قضايا‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬تنشأ‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬الواحدة‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬الجيران‭ ‬والأقارب،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬سجلات‭ ‬جنائية‭ ‬تدمر‭ ‬مستقبل‭ ‬أطرافها‭.‬

لماذا‭ ‬الصلح‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الحكم؟‭ ‬لأن‭ ‬معالجة‭ ‬قضايا‭ ‬الأطفال‭ ‬أمر‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭. ‬الطفل‭ ‬ليس‭ ‬طرفاً‭ ‬في‭ ‬النزاع،‭ ‬ولكنه‭ ‬أول‭ ‬الضحايا‭.. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬هي‭ ‬قضايا‭ ‬حماية‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬التفكك‭ ‬الأسري‭. ‬فالطلاق‭ ‬والانفصال‭ ‬حين‭ ‬يتحولان‭ ‬إلى‭ ‬معركة‭ ‬قانونية،‭ ‬يتركان‭ ‬آثاراً‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬الطفل‭.. ‬يضيع‭ ‬مستقبله‭ ‬بين‭ ‬المحاكم،‭ ‬ويكبر‭ ‬محملاً‭ ‬بجراح‭ ‬يصعب‭ ‬شفاؤها‭.‬

هنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬ليس‭ ‬كجهة‭ ‬اتهام‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كجهة‭ ‬إصلاح،‭ ‬عبر‭ ‬أخصائيين‭ ‬اجتماعيين‭ ‬ونفسيين‭ ‬وقانونيين،‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬الخلاف،‭ ‬وإعادة‭ ‬جسور‭ ‬التواصل،‭ ‬وتغليب‭ ‬مصلحة‭ ‬الطفل‭.. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للعدالة‭ ‬التصالحية‭. ‬ذلك‭ ‬إن‭ ‬تخفيف‭ ‬العبء‭ ‬القضائي‭ ‬نتيجة‭ ‬مهمة،‭ ‬ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬تخفيف‭ ‬العبء‭ ‬الإنساني‭ ‬عن‭ ‬كاهل‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع‭.‬

وهنا‭ ‬تتجلى‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬أدوات‭ ‬التوعية،‭ ‬فما‭ ‬كشفه‭ ‬التقرير‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬مهم‭: ‬ما‭ ‬دور‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والجمعيات‭ ‬والإعلام؟‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نكرر‭ ‬المحاضرات‭ ‬التقليدية‭.. ‬نحتاج‭ ‬برامج‭ ‬توعية‭ ‬مبتكرة‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬البيت،‭ ‬وورش‭ ‬عمل‭ ‬للآباء‭ ‬والأمهات‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬الخلاف،‭ ‬ومحتوى‭ ‬رقمي‭ ‬يخاطب‭ ‬الشباب‭ ‬المقبلين‭ ‬على‭ ‬الزواج‭.‬

الأسرة‭ ‬البحرينية‭ ‬متماسكة‭ ‬بطبيعتها،‭ ‬ولكنها‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬العصر،‭ ‬والوقاية‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬العلاج‭.. ‬واستقرار‭ ‬الأسرة‭ ‬هو‭ ‬استقرار‭ ‬الوطن‭.. ‬و«البيت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬خلاف‭ ‬فيه،‭ ‬جنة‭ ‬على‭ ‬الأرض‮»‬‭.. ‬والنيابة‭ ‬العامة‭ ‬بجهودها‭ ‬في‭ ‬الصلح‭ ‬الأسري‭ ‬تقربنا‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الجنة‭.‬

كل‭ ‬الشكر‭ ‬والتقدير‭ ‬للنيابة‭ ‬العامة،‭ ‬للمحامين‭ ‬العامين،‭ ‬للاختصاصيين‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬بصمت‭ ‬لإنقاذ‭ ‬أسر‭.. ‬عملكم‭ ‬ليس‭ ‬إدارياً،‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬وطني‭.. ‬فاستقرار‭ ‬الأسرة‭ ‬هو‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬لاستقرار‭ ‬المجتمع،‭ ‬وحماية‭ ‬الأطفال‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬البحرين‭ ‬غداً‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا