الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
النيابة العامة.. صلحٌ يصنع الاستقرار
حين تتحول قاعات المحاكم من ساحات خصام إلى طاولات صلح، وحين يصبح الهدف هو «لم الشمل» بدلاً من «كسب القضية»، ندرك أننا أمام مؤسسة وطنية تعمل بعقل الدولة وقلب المجتمع. وهذا ما تجسده النيابة العامة في مملكة البحرين من خلال مكتب الصلح في قضايا الأسرة والطفل. فالأرقام التي كشفها التقرير نصف السنوي ليست مجرد إحصاءات، بل هي قصص أسر نجت من التفكك، وأطفال حُموا من أن يكونوا ضحايا نزاع الكبار.
أرقام تتحدث عن نجاح إنساني قبل أن يكون قضائياً، فقد كشف التقرير عن استقبال المكتب 1067 قضية خلال الفترة الماضية، وتمكن من إنهاء 436 قضية منها عن طريق الصلح والتراضي، بنسبة بلغت 41%.. وفي النصف الأول من العام الحالي فقط، استقبل المكتب 247 قضية وأنهى 97 قضية بالصلح بنسبة 39%.
هذه النسب تعني شيئاً واحداً.. أن أكثر من ثلث الأسر التي كانت في طريقها إلى المحاكم عادت إلى بيتها متماسكة، وأن مئات الأطفال لم يضطروا للوقوف أمام قاضٍ يشهد على خلاف أبويه، بل عادوا إلى حضن أسرة اختارت الحوار بدلاً من القطيعة.
تصدرت قضايا الاعتداء على سلامة جسم الغير، ثم قضايا السب والقذف قائمة القضايا المحالة للمكتب، وهي قضايا في مجملها تنشأ داخل الأسرة الواحدة أو بين الجيران والأقارب، وكان من الممكن أن تتحول إلى سجلات جنائية تدمر مستقبل أطرافها.
لماذا الصلح أهم من الحكم؟ لأن معالجة قضايا الأطفال أمر بالغ الأهمية. الطفل ليس طرفاً في النزاع، ولكنه أول الضحايا.. والأهم من كل ذلك هي قضايا حماية الأطفال من التفكك الأسري. فالطلاق والانفصال حين يتحولان إلى معركة قانونية، يتركان آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الطفل.. يضيع مستقبله بين المحاكم، ويكبر محملاً بجراح يصعب شفاؤها.
هنا يأتي دور النيابة العامة ليس كجهة اتهام فقط، بل كجهة إصلاح، عبر أخصائيين اجتماعيين ونفسيين وقانونيين، تعمل على احتواء الخلاف، وإعادة جسور التواصل، وتغليب مصلحة الطفل.. هذا هو المعنى الحقيقي للعدالة التصالحية. ذلك إن تخفيف العبء القضائي نتيجة مهمة، ولكن الأهم هو تخفيف العبء الإنساني عن كاهل الأسرة والمجتمع.
وهنا تتجلى دعوة إلى مؤسسات المجتمع في تجديد أدوات التوعية، فما كشفه التقرير يفتح الباب أمام سؤال مهم: ما دور مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات والإعلام؟ لا يكفي أن نكرر المحاضرات التقليدية.. نحتاج برامج توعية مبتكرة تصل الى البيت، وورش عمل للآباء والأمهات عن إدارة الخلاف، ومحتوى رقمي يخاطب الشباب المقبلين على الزواج.
الأسرة البحرينية متماسكة بطبيعتها، ولكنها تواجه تحديات العصر، والوقاية خير من العلاج.. واستقرار الأسرة هو استقرار الوطن.. و«البيت الذي لا خلاف فيه، جنة على الأرض».. والنيابة العامة بجهودها في الصلح الأسري تقربنا خطوة من هذه الجنة.
كل الشكر والتقدير للنيابة العامة، للمحامين العامين، للاختصاصيين الذين يعملون بصمت لإنقاذ أسر.. عملكم ليس إدارياً، هو عمل وطني.. فاستقرار الأسرة هو حجر الأساس لاستقرار المجتمع، وحماية الأطفال اليوم هي استثمار في مستقبل البحرين غداً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك