العدد : ١٧٦٥٢ - الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٢ - الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

دعوة للرحمة.. في عز الصيف

بالأمس‭ ‬شاهدت‭ ‬في‭ ‬حساب‭ ‬‮«‬عيون‭ ‬ميديا‮»‬‭ ‬وبعض‭ ‬حسابات‭ ‬التواصل‭ ‬النشطة‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬دعوة‭ ‬الى‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالآخرين‭ ‬ومعاناتهم‭ ‬في‭ ‬عز‭ ‬الصيف‭.. ‬الناس‭ ‬الضعفاء‭.. ‬الطيور‭ ‬والحيوانات‭ ‬وغيرهم‭.. ‬وأود‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬أشارك‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدعوة‭ ‬الكريمة،‭ ‬لأنها‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬الدور‭ ‬المجتمعي‭ ‬والديني‭.. ‬والإنساني‭ ‬كذلك‭. ‬

مع‭ ‬دخولنا‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬الصيف‭ ‬وموجات‭ ‬الحر‭ ‬الشديد‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬45‭ ‬درجة،‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬المعاناة‭ ‬عند‭ ‬الإنسان‭ ‬فقط‭.. ‬في‭ ‬كل‭ ‬شارع،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬رصيف،‭ ‬وفي‭ ‬زوايا‭ ‬المحلات‭ ‬المهجورة،‭ ‬هناك‭ ‬كائنات‭ ‬أخرى‭ ‬تلهث‭ ‬من‭ ‬العطش‭.. ‬قطة‭ ‬نائمة‭ ‬تحت‭ ‬سيارة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ظل،‭ ‬كلب‭ ‬يمد‭ ‬لسانه‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الحر،‭ ‬وعصافير‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬الأسلاك‭ ‬وقد‭ ‬جفّ‭ ‬حلقها‭.. ‬ونحن‭ ‬ندخل‭ ‬بيوتنا‭ ‬ونشغّل‭ ‬المكيف،‭ ‬ونشرب‭ ‬الماء‭ ‬البارد،‭ ‬وننسى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬ليست‭ ‬لنا‭ ‬وحدنا‭. ‬

الحيوانات‭ ‬والطيور‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬صنبوراً‭ ‬تلجأ‭ ‬إليه،‭ ‬ولا‭ ‬غرفة‭ ‬باردة‭ ‬تهرب‭ ‬إليها‭.. ‬الحر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬إزعاجاً‮»‬‭ ‬بل‭ ‬معركة‭ ‬يومية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭. ‬

تخيل‭ ‬عامل‭ ‬نظافة‭ ‬يعمل‭ ‬من‭ ‬الساعة‭ ‬10‭ ‬صباحاً‭ ‬تحت‭ ‬الشمس‭ ‬الحارقة،‭ ‬وتخيل‭ ‬بجانبه‭ ‬قطة‭ ‬صغيرة‭ ‬تحاول‭ ‬الاختباء‭ ‬من‭ ‬لهيب‭ ‬الأسفلت‭.. ‬وتخيل‭ ‬سائق‭ ‬تاكسي‭ ‬ينتظر‭ ‬الزبائن‭ ‬أمام‭ ‬محطة‭ ‬بترول،‭ ‬والطيور‭ ‬تحوم‭ ‬حوله‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬قطرة‭ ‬ماء‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬ولا‭ ‬تجد‭.. ‬المعاناة‭ ‬واحدة،‭ ‬ولكن‭ ‬الفرق‭ ‬أن‭ ‬العامل‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬زميلاً‭ ‬يعطيه‭ ‬ماءً،‭ ‬أما‭ ‬الحيوان‭ ‬فلا‭ ‬يطلب،‭ ‬ولا‭ ‬يشتكي،‭ ‬ويموت‭ ‬بصمت‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬ننتبه‭. ‬

الجميل‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬ميزانية‭ ‬ضخمة‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬قرار‭ ‬حكومي‭ ‬معقد‭.. ‬يحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭.. ‬وإنسانية‭ ‬وجبر‭ ‬للخواطر‭.. ‬وعاء‭ ‬ماء‭ ‬نظيف‭ ‬تضعه‭ ‬أمام‭ ‬بيتك‭ ‬أو‭ ‬محلك‭.. ‬قد‭ ‬ينقذ‭ ‬عشرات‭ ‬الأرواح‭ ‬في‭ ‬اليوم‭.. ‬ظل‭ ‬بسيط‭ ‬من‭ ‬كرتونة‭ ‬أو‭ ‬قطعة‭ ‬قماش‭ ‬فوق‭ ‬الوعاء‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتبخر‭ ‬الماء‭ ‬سريعاً‭.. ‬صحن‭ ‬طعام‭ ‬فيه‭ ‬بقايا‭ ‬أكل‭ ‬نظيف‭ ‬للقطط‭ ‬في‭ ‬المساء‭.. ‬قنينة‭ ‬ماء‭ ‬باردة‭ ‬تقدمها‭ ‬لعامل‭ ‬البناء‭ ‬أو‭ ‬عامل‭ ‬المحطة‭ ‬وأنت‭ ‬تمر‭. ‬‮«‬جبر‭ ‬الخواطر‮»‬‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬هنا‭. ‬

ديننا‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬للصدفة‭.. ‬قال‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬‮«‬في‭ ‬كل‭ ‬كبد‭ ‬رطبة‭ ‬أجر‮»‬‭.. ‬رجل‭ ‬سقى‭ ‬كلباً‭ ‬فغفر‭ ‬الله‭ ‬له‭.. ‬وبغيّ‭ ‬دخلت‭ ‬الجنة‭ ‬في‭ ‬هرة‭ ‬سقتها‭.. ‬الرحمة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬الإنسان،‭ ‬الرحمة‭ ‬منهج‭ ‬حياة،‭ ‬والإنسانية‭ ‬الحقيقية‭ ‬تُقاس‭ ‬كيف‭ ‬نعامل‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭.. ‬فكيف‭ ‬نعامل‭ ‬الضعيف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يصوّت‭ ‬ولا‭ ‬يشتكي‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭.. ‬والإحسان‭ ‬إلى‭ ‬الحيوان‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬مباشر‭ ‬لنقاء‭ ‬القلب‭. ‬

وهنا‭ ‬يأتي‭ ‬سؤالي‭: ‬أين‭ ‬دور‭ ‬الجمعيات‭ ‬الخيرية‭ ‬والجهات‭ ‬المجتمعية؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬حملة‭ ‬موسمية‭ ‬كل‭ ‬صيف‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬سقيا‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬ظل‭ ‬ورحمة»؟‭ ‬توزيع‭ ‬أوعية‭ ‬مياه‭ ‬ثابتة‭ ‬في‭ ‬الحدائق‭ ‬والمواقف‭ ‬والأسواق‭.. ‬توزيع‭ ‬عبوات‭ ‬ماء‭ ‬ومرطبات‭ ‬على‭ ‬العمال‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬العمل‭ ‬وقت‭ ‬الظهيرة‭.. ‬مع‭ ‬لوحات‭ ‬توعوية‭: ‬‮«‬لا‭ ‬ترمِ‭ ‬الماء‭.. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬ينتظره‮»‬‭.. ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬له‭ ‬أثر‭ ‬مزدوج‭ ‬‮«‬إنساني‭ ‬وبيئي‮»‬‭.. ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬البيئي،‭ ‬ونقلل‭ ‬نفوق‭ ‬الطيور،‭ ‬ونربي‭ ‬أجيالنا‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬الرحمة‭. ‬

الحر‭ ‬الشديد‭ ‬اختبار‭ ‬لنا‭ ‬جميعاً‭.. ‬اختبار‭ ‬لإنسانيتنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اختباراً‭ ‬لتحملنا‭.. ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬إيقاف‭ ‬الشمس،‭ ‬لكن‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬ظلاً‭ ‬لغيرنا‭.. ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬إطعام‭ ‬كل‭ ‬جائع،‭ ‬لكن‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نضع‭ ‬ماءً‭ ‬لعطشان‭.. ‬فلنبدأ‭ ‬اليوم‭.. ‬ضع‭ ‬وعاء‭ ‬ماء‭ ‬عند‭ ‬بابك‭.. ‬ابتسم‭ ‬لعامل‭.. ‬امسح‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬قطة‭.. ‬فربما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬القطرة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تدخلك‭ ‬الجنة،‭ ‬وربما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الابتسامة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجبر‭ ‬خاطر‭ ‬إنسان‭ ‬أنهكه‭ ‬التعب‭. ‬

‮«‬ارحموا‭ ‬من‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬يرحمكم‭ ‬من‭ ‬في‭ ‬السماء‮»‬‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا