الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
دعوة للرحمة.. في عز الصيف
بالأمس شاهدت في حساب «عيون ميديا» وبعض حسابات التواصل النشطة في مملكة البحرين دعوة الى الاهتمام بالآخرين ومعاناتهم في عز الصيف.. الناس الضعفاء.. الطيور والحيوانات وغيرهم.. وأود اليوم أن أشارك في تلك الدعوة الكريمة، لأنها تأتي من منطلق الدور المجتمعي والديني.. والإنساني كذلك.
مع دخولنا في ذروة الصيف وموجات الحر الشديد التي تتجاوز 45 درجة، لا تتوقف المعاناة عند الإنسان فقط.. في كل شارع، وعلى كل رصيف، وفي زوايا المحلات المهجورة، هناك كائنات أخرى تلهث من العطش.. قطة نائمة تحت سيارة تبحث عن ظل، كلب يمد لسانه من شدة الحر، وعصافير تقف على الأسلاك وقد جفّ حلقها.. ونحن ندخل بيوتنا ونشغّل المكيف، ونشرب الماء البارد، وننسى أن هذه الأرض ليست لنا وحدنا.
الحيوانات والطيور في الشوارع لا تملك صنبوراً تلجأ إليه، ولا غرفة باردة تهرب إليها.. الحر بالنسبة إليها ليس «إزعاجاً» بل معركة يومية من أجل البقاء.
تخيل عامل نظافة يعمل من الساعة 10 صباحاً تحت الشمس الحارقة، وتخيل بجانبه قطة صغيرة تحاول الاختباء من لهيب الأسفلت.. وتخيل سائق تاكسي ينتظر الزبائن أمام محطة بترول، والطيور تحوم حوله تبحث عن قطرة ماء على الأرض ولا تجد.. المعاناة واحدة، ولكن الفرق أن العامل قد يجد زميلاً يعطيه ماءً، أما الحيوان فلا يطلب، ولا يشتكي، ويموت بصمت إن لم ننتبه.
الجميل في الأمر أن الحل لا يحتاج الى ميزانية ضخمة ولا إلى قرار حكومي معقد.. يحتاج فقط إلى قلب.. وإنسانية وجبر للخواطر.. وعاء ماء نظيف تضعه أمام بيتك أو محلك.. قد ينقذ عشرات الأرواح في اليوم.. ظل بسيط من كرتونة أو قطعة قماش فوق الوعاء حتى لا يتبخر الماء سريعاً.. صحن طعام فيه بقايا أكل نظيف للقطط في المساء.. قنينة ماء باردة تقدمها لعامل البناء أو عامل المحطة وأنت تمر. «جبر الخواطر» يبدأ من هنا.
ديننا لم يترك هذا الأمر للصدفة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في كل كبد رطبة أجر».. رجل سقى كلباً فغفر الله له.. وبغيّ دخلت الجنة في هرة سقتها.. الرحمة ليست فقط مع الإنسان، الرحمة منهج حياة، والإنسانية الحقيقية تُقاس كيف نعامل من لا حول له ولا قوة.. فكيف نعامل الضعيف الذي لا يصوّت ولا يشتكي في الإعلام.. والإحسان إلى الحيوان هو انعكاس مباشر لنقاء القلب.
وهنا يأتي سؤالي: أين دور الجمعيات الخيرية والجهات المجتمعية؟ لماذا لا تكون هناك حملة موسمية كل صيف اسمها «سقيا» أو «ظل ورحمة»؟ توزيع أوعية مياه ثابتة في الحدائق والمواقف والأسواق.. توزيع عبوات ماء ومرطبات على العمال في مواقع العمل وقت الظهيرة.. مع لوحات توعوية: «لا ترمِ الماء.. هناك من ينتظره».. هذا العمل له أثر مزدوج «إنساني وبيئي».. نحافظ على التوازن البيئي، ونقلل نفوق الطيور، ونربي أجيالنا على قيمة الرحمة.
الحر الشديد اختبار لنا جميعاً.. اختبار لإنسانيتنا قبل أن يكون اختباراً لتحملنا.. لا نستطيع إيقاف الشمس، لكن نستطيع أن نكون ظلاً لغيرنا.. لا نستطيع إطعام كل جائع، لكن نستطيع أن نضع ماءً لعطشان.. فلنبدأ اليوم.. ضع وعاء ماء عند بابك.. ابتسم لعامل.. امسح على رأس قطة.. فربما تكون هذه القطرة هي التي تدخلك الجنة، وربما تكون هذه الابتسامة هي التي تجبر خاطر إنسان أنهكه التعب.
«ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك