الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
قرار وطني.. يُعيد الميزان
أتذكر شاباً بحرينياً فتح محل حلويات صغير.. ولكن بعد سنة اضطر إلى الإغلاق، لأن محلاً مجاوراً يملكه «وافد» كان يبيع نفس المنتج بسعر أقل، لأنه يشغل عمالة مخالفة ولا يدفع نفس التكاليف.. الشاب البحريني قال لي جملة لن أنساها: «أنا لا أطلب أن يغلقوا رزق أحد.. أطلب فقط ميداناً متكافئاً».
بالأمس صدر قرار عن صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، بشأن تحديد الأنشطة التجارية التي تقتصر مزاولتها على المواطنين البحرينيين.. في خطوة متقدمة تعكس وعياً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً عميقاً.
هذا القرار ليس مجرد تنظيم إداري.. بل هو إعلان واضح بأن المواطن البحريني في صدارة أولويات الدولة، وأن الاقتصاد الوطني يجب أن يكون أداة لتمكين الإنسان البحريني أولاً، قبل أن يكون رقماً في تقارير النمو.
القرار يفتح الباب أمام رواد الأعمال البحرينيين للدخول إلى قطاعات كان الاحتكار فيها سنوات طويلة بأيدي غير البحرينيين.. فعندما تُحصر أنشطة معينة في البحرينيين، فإننا نخلق سوقاً داخلية تتداول فيها الأموال بين أبناء البلد، وتُبنى فيها علامات تجارية بحرينية، وتُخلق فيها سلاسل قيمة محلية.. وهذا يعني مزيداً من النمو، ومزيداً من التنوع الاقتصادي.
لسنوات.. نافس بعض غير البحرينيين المواطن في مهن بسيطة ومتوسطة، وأحياناً بأساليب لا تراعي جودة الخدمة ولا القيمة المضافة.. ولكن اليوم نعيد للمواطن حقه في مزاولة مهنته في بلده، بكرامة ودعم.. ذلك أن التجارة ليست بيعا وشراء فقط، بل هي وجه البلد.
المحل البحريني الذي يديره بحريني يعكس قيمنا، وأسلوبنا في التعامل، وذوقنا.. وعندما تدخل إلى سوق المحرق أو المنامة وتجد شباباً بحرينيين يديرون مشاريعهم بأنفسهم، فأنت ترى هوية البحرين حية تنبض.
لعل أهم أثر مباشر للقرار هو خلق فرص عمل.. ولكن الأهم من العدد هو النوع.. نحن نتطلع اليوم إلى خطوة ثانية مكملة: توطين الوظائف الإدارية في القطاع الخاص كذلك.. كم من خريج جامعي بحريني مؤهل يبحث عن وظيفة «مسؤول توظيف» أو «مسؤول موارد بشرية» أو «مدير فرع»، بينما يتم شغلها من الخارج؟ هذه الوظائف هي عصب المؤسسة، وهي التي تصنع القرار.. توطينها يعني أن البحريني سيكون هو من يقرر من يُوظّف ومن يُدرّب ومن يُرقّى. وهذا هو التمكين الحقيقي.
هذا النهج ليس بدعة.. دول كثيرة سبقتنا إليه حماية لمواطنيها.. المملكة العربية السعودية طبقت «السعودة» وحصرت مهناً كثيرة في التجزئة، والاتصالات، والمطاعم على السعوديين.. وكذلك سلطنة عُمان لديها قائمة مهن مقصورة على العمانيين وتُراجع سنوياً.. وكذلك دولة الكويت لديها نظام العمالة الوطنية ويتم حصر أنشطة محددة بالكويتيين.. والإمارات هي الأخرى أطلقت «نافس» وبرامج توطين في القطاع الخاص والبنوك.
كل هذه الدول أدركت أن «سوق العمل المفتوح بالكامل» بدون ضوابط يؤدي إلى تهميش المواطن في بلده.. ونحن في مملكة البحرين نسير في نفس الاتجاه ولكن بمنهجنا الخاص القائم على التدرج والحكمة.
قرار سمو ولي العهد اليوم هو الذي يوفر هذا الميدان المتكافئ. هذا القرار يجسد مبادئ رؤية البحرين 2030 الثلاثة (الاستدامة، التنافسية، والعدالة).. وقرار حصر بعض الأنشطة على البحرينيين هو خطوة متقدمة وجريئة ومحمودة، نشيد بها، ونشكر سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء عليها، ونتطلع إلى استكمالها بتوطين وظائف إدارية قيادية في القطاع الخاص.. فالبحرين تستحق أن يدير اقتصادها أبناؤها، وأن تُروى قصتها بأصواتهم، وأن تُبنى بأيديهم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك