العدد : ١٧٦٥٤ - الجمعة ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٤ - الجمعة ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

قرار وطني.. يُعيد الميزان

أتذكر‭ ‬شاباً‭ ‬بحرينياً‭ ‬فتح‭ ‬محل‭ ‬حلويات‭ ‬صغير‭.. ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬سنة‭ ‬اضطر‭ ‬إلى‭ ‬الإغلاق،‭ ‬لأن‭ ‬محلاً‭ ‬مجاوراً‭ ‬يملكه‭ ‬‮«‬وافد‮»‬‭ ‬كان‭ ‬يبيع‭ ‬نفس‭ ‬المنتج‭ ‬بسعر‭ ‬أقل،‭ ‬لأنه‭ ‬يشغل‭ ‬عمالة‭ ‬مخالفة‭ ‬ولا‭ ‬يدفع‭ ‬نفس‭ ‬التكاليف‭.. ‬الشاب‭ ‬البحريني‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬جملة‭ ‬لن‭ ‬أنساها‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أطلب‭ ‬أن‭ ‬يغلقوا‭ ‬رزق‭ ‬أحد‭.. ‬أطلب‭ ‬فقط‭ ‬ميداناً‭ ‬متكافئاً‮»‬‭.‬

بالأمس‭ ‬صدر‭ ‬قرار‭ ‬عن‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬بشأن‭ ‬تحديد‭ ‬الأنشطة‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬تقتصر‭ ‬مزاولتها‭ ‬على‭ ‬المواطنين‭ ‬البحرينيين‭.. ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬متقدمة‭ ‬تعكس‭ ‬وعياً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬وثقافياً‭ ‬عميقاً‭.‬

هذا‭ ‬القرار‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تنظيم‭ ‬إداري‭.. ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إعلان‭ ‬واضح‭ ‬بأن‭ ‬المواطن‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬أولويات‭ ‬الدولة،‭ ‬وأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أداة‭ ‬لتمكين‭ ‬الإنسان‭ ‬البحريني‭ ‬أولاً،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رقماً‭ ‬في‭ ‬تقارير‭ ‬النمو‭.‬

القرار‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬رواد‭ ‬الأعمال‭ ‬البحرينيين‭ ‬للدخول‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬كان‭ ‬الاحتكار‭ ‬فيها‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬بأيدي‭ ‬غير‭ ‬البحرينيين‭.. ‬فعندما‭ ‬تُحصر‭ ‬أنشطة‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬البحرينيين،‭ ‬فإننا‭ ‬نخلق‭ ‬سوقاً‭ ‬داخلية‭ ‬تتداول‭ ‬فيها‭ ‬الأموال‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬البلد،‭ ‬وتُبنى‭ ‬فيها‭ ‬علامات‭ ‬تجارية‭ ‬بحرينية،‭ ‬وتُخلق‭ ‬فيها‭ ‬سلاسل‭ ‬قيمة‭ ‬محلية‭.. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬النمو،‭ ‬ومزيداً‭ ‬من‭ ‬التنوع‭ ‬الاقتصادي‭.‬

لسنوات‭.. ‬نافس‭ ‬بعض‭ ‬غير‭ ‬البحرينيين‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬بسيطة‭ ‬ومتوسطة،‭ ‬وأحياناً‭ ‬بأساليب‭ ‬لا‭ ‬تراعي‭ ‬جودة‭ ‬الخدمة‭ ‬ولا‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭.. ‬ولكن‭ ‬اليوم‭ ‬نعيد‭ ‬للمواطن‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬مزاولة‭ ‬مهنته‭ ‬في‭ ‬بلده،‭ ‬بكرامة‭ ‬ودعم‭.. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التجارة‭ ‬ليست‭ ‬بيعا‭ ‬وشراء‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬وجه‭ ‬البلد‭.‬

المحل‭ ‬البحريني‭ ‬الذي‭ ‬يديره‭ ‬بحريني‭ ‬يعكس‭ ‬قيمنا،‭ ‬وأسلوبنا‭ ‬في‭ ‬التعامل،‭ ‬وذوقنا‭.. ‬وعندما‭ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬المحرق‭ ‬أو‭ ‬المنامة‭ ‬وتجد‭ ‬شباباً‭ ‬بحرينيين‭ ‬يديرون‭ ‬مشاريعهم‭ ‬بأنفسهم،‭ ‬فأنت‭ ‬ترى‭ ‬هوية‭ ‬البحرين‭ ‬حية‭ ‬تنبض‭.‬

لعل‭ ‬أهم‭ ‬أثر‭ ‬مباشر‭ ‬للقرار‭ ‬هو‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭.. ‬ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬العدد‭ ‬هو‭ ‬النوع‭.. ‬نحن‭ ‬نتطلع‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬خطوة‭ ‬ثانية‭ ‬مكملة‭: ‬توطين‭ ‬الوظائف‭ ‬الإدارية‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬كذلك‭.. ‬كم‭ ‬من‭ ‬خريج‭ ‬جامعي‭ ‬بحريني‭ ‬مؤهل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬وظيفة‭ ‬‮«‬مسؤول‭ ‬توظيف‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬مسؤول‭ ‬موارد‭ ‬بشرية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬مدير‭ ‬فرع‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬يتم‭ ‬شغلها‭ ‬من‭ ‬الخارج؟‭ ‬هذه‭ ‬الوظائف‭ ‬هي‭ ‬عصب‭ ‬المؤسسة،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬القرار‭.. ‬توطينها‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬البحريني‭ ‬سيكون‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يقرر‭ ‬من‭ ‬يُوظّف‭ ‬ومن‭ ‬يُدرّب‭ ‬ومن‭ ‬يُرقّى‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬التمكين‭ ‬الحقيقي‭.‬

هذا‭ ‬النهج‭ ‬ليس‭ ‬بدعة‭.. ‬دول‭ ‬كثيرة‭ ‬سبقتنا‭ ‬إليه‭ ‬حماية‭ ‬لمواطنيها‭.. ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬طبقت‭ ‬‮«‬السعودة‮»‬‭ ‬وحصرت‭ ‬مهناً‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬التجزئة،‭ ‬والاتصالات،‭ ‬والمطاعم‭ ‬على‭ ‬السعوديين‭.. ‬وكذلك‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬لديها‭ ‬قائمة‭ ‬مهن‭ ‬مقصورة‭ ‬على‭ ‬العمانيين‭ ‬وتُراجع‭ ‬سنوياً‭.. ‬وكذلك‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬لديها‭ ‬نظام‭ ‬العمالة‭ ‬الوطنية‭ ‬ويتم‭ ‬حصر‭ ‬أنشطة‭ ‬محددة‭ ‬بالكويتيين‭.. ‬والإمارات‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬أطلقت‭ ‬‮«‬نافس‮»‬‭ ‬وبرامج‭ ‬توطين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬والبنوك‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬المفتوح‭ ‬بالكامل‮»‬‭ ‬بدون‭ ‬ضوابط‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تهميش‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬بلده‭.. ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬نسير‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الاتجاه‭ ‬ولكن‭ ‬بمنهجنا‭ ‬الخاص‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التدرج‭ ‬والحكمة‭.‬

قرار‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يوفر‭ ‬هذا‭ ‬الميدان‭ ‬المتكافئ‭. ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬يجسد‭ ‬مبادئ‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬2030‭ ‬الثلاثة‭ (‬الاستدامة،‭ ‬التنافسية،‭ ‬والعدالة‭).. ‬وقرار‭ ‬حصر‭ ‬بعض‭ ‬الأنشطة‭ ‬على‭ ‬البحرينيين‭ ‬هو‭ ‬خطوة‭ ‬متقدمة‭ ‬وجريئة‭ ‬ومحمودة،‭ ‬نشيد‭ ‬بها،‭ ‬ونشكر‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬عليها،‭ ‬ونتطلع‭ ‬إلى‭ ‬استكمالها‭ ‬بتوطين‭ ‬وظائف‭ ‬إدارية‭ ‬قيادية‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭.. ‬فالبحرين‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬يدير‭ ‬اقتصادها‭ ‬أبناؤها،‭ ‬وأن‭ ‬تُروى‭ ‬قصتها‭ ‬بأصواتهم،‭ ‬وأن‭ ‬تُبنى‭ ‬بأيديهم‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا