الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
عندما يصنع الذكاء الاصطناعي «هوية الوطن»..!!
في كل مناسبة وطنية نرى إعلانات وحملات تملأ الشوارع ومواقع التواصل.. هدفها جميل، الاحتفاء بالبحرين، والتعبير عن الفخر والانتماء، ولكن ما يلفت النظر مؤخراً هو ظاهرة خطيرة بدأت تنتشر، وتتمثل في استخدام صور مولدة بالذكاء الاصطناعي لشخصيات «تبدو بحرينية» للترويج لمنتج تجاري، أو مبادرة مجتمعية، أو حتى لموضوع وطني.
المشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي.. المشكلة في كيف نستخدمه.. تجد مؤسسة تجارية تضع صورة رجل «بالبشت والعقال» أو امرأة «بالملفع» ولكن الملامح غير دقيقة، التفاصيل خاطئة، والزي فيه أخطاء فادحة.. تجد جمعية تضع وجهاً مولداً بالـ AI وتكتب تحته «هذا هو المواطن البحريني»..!!
أحياناً تذهب الأمور لأبعد من ذلك بوضع صور تشبه شخصيات رسمية من دون إذن، وقد سبق وحذرت الجهات المختصة من هذه الممارسة تحديداً.. وهنا نقع في فخين خطيرين.
الفخ الأول هو تشويه الهوية الوطنية.. الهوية لا تُصنع بالـ«برومبت».. الهوية البحرينية لها ملامحها، وزيها، وتاريخها، وبيئتها.. وعندما ننشر صوراً غير حقيقية ومليئة بالأخطاء، فنحن نرسخ في أذهان الناس - خاصة في الخارج – صورة مشوهة عن «شكل البحريني».
فالطفل الذي يرى هذا الإعلان في الخارج سيتكون لديه انطباع خاطئ، وكذلك السائح سيسأل: «هل هذا هو اللبس البحريني؟».. نحن بأنفسنا ننتقص من تميزنا ونقدم نسخة «مقلدة ورخيصة» من هويتنا.. وتلك مصيبة سنحتاج زمن طويل لتغييرها وتعديلها وتصحيحها.
أما الفخ الثاني، فيكون عبر استغلال الوطنية للتسويق.. ذلك أن تضع صورة وطنية على إعلان تجاري بالـ AI دون مراعاة الدقة، هو استغلال لعاطفة الناس.. هو اختصار للطريق على حساب المصداقية.. الوطنية ليست فلتراً نضعه على صورة.. الوطنية احترام وتفاصيل ودقة.
طيب هل دول العالم ساكتة عن هذه الأخطاء؟ الجواب: لا.. هناك دول كثيرة وضعت ضوابط مشددة.. الاتحاد الأوروبي أقر «قانون الذكاء الاصطناعي» الذي يلزم بوضع علامة واضحة على أي محتوى مولد بالـ AI، وفي المملكة لعربية السعودية، أصدرت هيئة الإعلام المرئي والمسموع اشتراطات تمنع استخدام صور الشخصيات العامة أو الرموز الوطنية في الإعلانات التجارية من دون موافقة.. وكذلك وفي دولة الإمارات، تشدد الجهات الإعلامية على أن أي محتوى وطني يجب أن يعكس الواقع بدقة ويحترم الهوية البصرية للدولة.
مازلت أذكر أن في 2023 انتشرت صور بالـ AI لشخصيات تاريخية عربية بملابس خاطئة تماماً.. قامت حملة كبيرة على تويتر بعنوان «لا تشوهوا تاريخنا».. وكان التعليق الأبرز: «التاريخ لا يحتاج فلاتر، إنه يحتاج احتراما».
ذات الأمر ينطبق على الحاضر.. وطننا لا يحتاج صورة مصنوعة ومصطنعة، بل يحتاج إلى صورة حقيقية.. والحل يكمن في استثمار الذكاء الاصطناعي لخدمة الهوية لا تشويهها.. نحن لا نرفض الذكاء الاصطناعي، بالعكس هو أداة عظيمة، ولكن لنستخدمه بذكاء.. لتوثيق التراث، إذ يمكن للـAI أن يرمم صور البحرين القديمة، ويحيي المهن التقليدية بدقة تاريخية. وكذلك لإنتاج محتوى توعوي عبر فيديوهات قصيرة تشرح الإنجازات الوطنية بشخصيات تمثل بيئتنا الحقيقية.. وكذلك لدعم المبدعين البحرينيين من مصورين ومصممين بحرينيين يستخدمون الـ AI كأداة مساعدة، لا كبديل عن الهوية.
الذكاء الاصطناعي أداة.. والأداة إما أن تبني أو تهدم.. فلنجعلها تبني، فلنجعلها تعزز قيم الولاء والانتماء، لا أن تقدم للعالم نسخة «مفبركة» عنا.. وطننا غني برجاله ونسائه الحقيقيين، بتاريخهم وصورهم وإنجازاتهم.. ولا داعي أن «نخترع» بحرينياً بالذكاء الاصطناعي، ونحن لدينا ملايين البحرينيين الذين هم أجمل صورة للبحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك