الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
مقترحات لمعالجة الازدحامات
ذات مرة سُئل مهندس ياباني: «كيف قضيتم على الازدحام في طوكيو؟» فأجاب بجملة عميقة: «لم نوسع الطرق لنسع كل السيارات، بل وسعنا الخيارات أمام الإنسان».
وفي بلادنا نسمع الجملة تتكرر: «البحرين صغيرة والسيارات كثيرة.. هذا واقع لا مفر منه». ولكن هل فعلاً لا مفر منه؟ أم أنه تحدٍ يمكن إدارته بعقلية جديدة؟ والحقيقة أن الازدحام ليس قدراً محتوماً.. هو نتيجة مباشرة لثلاثة عوامل متداخلة ((زيادة عدد المركبات، محدودية بعض الشوارع والجسور، وسلوكياتنا نحن المستخدمين)).
فقد عادت الازدحامات المرورية في شوارع مملكة البحرين بقوة خلال الأيام الماضية.. صباح كل يوم نعيش نفس المشهد: طوابير طويلة على الشوارع.. دقائق تتحول إلى نصف ساعة، والنصف ساعة إلى ساعة كاملة من الانتظار.. أصبح الازدحام واقعاً نتعايش معه، وكأنه ضريبة ندفعها مقابل النمو العمراني والاقتصادي والسكني الذي تشهده البلاد.
نصف الحل بأيدينا.. قبل أن نطالب بحلول من الحكومة، علينا أن نبدأ من أنفسنا.. كم مرة وقفنا عند الإشارة ونحن ننظر إلى الهاتف فتأخرنا؟ كم مرة غيرنا المسار فجأة من دون إشارة؟ كم سيارة فيها شخص واحد فقط وتشغل مساراً كاملاً في ساعة الذروة؟ السلوك الفردي يصنع ما يقارب 40% من المشكلة.. تأخير بسيط من 10 سيارات عند الإشارة الخضراء يعني ضياع دورة كاملة للإشارة، وبالتالي طابور أطول للجميع.
الحل يبدأ بـ«القيادة الذكية والمسؤولة»، من خلال الخروج من المنزل قبل الموعد بـ 15 دقيقة، واستخدام تطبيقات الكترونية لمعرفة الطرق البديلة والازدحامات اللحظية، مع تقليل استخدام السيارة الشخصية للمسافات القصيرة، وتشجيع ثقافة «مشاركة الركوب» بين زملاء العمل والجامعة.. سيارة واحدة بـ4 أشخاص أفضل من 4 سيارات تشغل الشارع.
الحلول المؤقتة مثل فتح مسار إضافي في ساعة الذروة أو تعديل توقيت إشارة لم تعد كافية وحدها.. نحن بحاجة إلى رؤية طويلة المدى، النقل العام المتكامل، عبر الاستثمار الجاد في حافلات سريعة ذات مسارات مخصصة، وربط المدن الجديدة والجامعات والمناطق الصناعية بشبكة واحدة.. تجربة دبي مع «المترو والحافلات» خففت الضغط على الشوارع بنسبة كبيرة وجعلت الكثيرين يتركون سياراتهم.
لماذا لا نقوم باستخدام أنظمة الإشارات التي تستشعر كثافة السيارات وتغير التوقيت تلقائياً بحسب الحاجة.. سنغافورة خفضت زمن الانتظار بنسبة 30% بهذه التقنية وحدها.. وفي لندن تم تخفيض نسبة الازدحامات بنسبة 20% من خلال عدم تركيز كل الوزارات والبنوك والشركات الكبرى في منطقة واحدة فقط.. وتشجيع العمل عن بعد يومين في الأسبوع.. وهولندا واجهت أزمة ازدحام خانقة في السبعينيات. لم تحلها بتوسيع الشوارع فقط، بل بتحويل مدنها إلى «مدن صديقة للمشاة والدراجات»، وكذلك في اليابان، هناك ثقافة «الالتزام بالوقت» تجعل الموظفين يخرجون قبل الذروة بـ 15 دقيقة.
الازدحام لن يُحل بشارع جديد فقط، ولا بمخالفة جديدة فقط، الحل المستدام يأتي عندما يجتمع تخطيط حكومي ذكي واستباقي مع سلوك مجتمعي مسؤول وواعٍ.. نعم، النمو يعني حركة. ولكن الحركة الذكية تعني وصولاً أسرع وجودة حياة أفضل. ولنبدأ بأنفسنا اليوم: بدل أن نتذمر من الازدحام، لنجرب طريقاً بديلاً، أو نخرج أبكر، أو نتصل بزميلنا لنركب معه، فالطريق الذي نسلكه اليوم باختياراتنا، هو الذي سيسلكه أبناؤنا غداً. ولنجعله طريقاً أسهل وأذكى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك