العدد : ١٧٦٤٦ - الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٦ - الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

هاجروا وبرعوا

كتبت‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬عن‭ ‬الصبي‭ ‬اللبناني،‭ ‬الذي‭ ‬أثبت‭ ‬نبوغه‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬الكندية،‭ ‬بعد‭ ‬هجرة‭ ‬عائلته‭ ‬إلى‭ ‬كندا،‭ ‬وكيف‭ ‬تناقلت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬أمر‭ ‬ذلك‭ ‬النبوغ،‭ ‬فسمعت‭ ‬به‭ ‬مدارس‭ ‬أمريكية،‭ ‬وتنافست‭ ‬عليه‭ ‬ونجحت‭ ‬إحداها‭ ‬في‭ ‬تسجيله‭ ‬في‭ ‬صفوفها،‭ ‬وهكذا‭ ‬تم‭ ‬تجنيس‭ ‬كل‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬أمريكيا،‭ ‬وكما‭ ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬الشامي‭ ‬‮«‬لأجل‭ ‬عين‭ ‬تُكرم‭ ‬ألف‭ ‬عين‮»‬‭. (‬عجيب‭ ‬أمر‭ ‬اللبنانيين‭: ‬يهاجرون‭ ‬شرقا‭ ‬وغربا‭ ‬ويثبتون‭ ‬تفوقا‭ ‬مذهلا،‭ ‬وبلدهم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬جوهرة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أصبح‭ ‬طاردا‭ ‬لبنيه‭ ‬وبناته،‭ ‬بينما‭ ‬علا‭ ‬شأن‭ ‬العجارمة‭ ‬والهيفاويات‭).‬

وإليكم‭ ‬حكاية‭ ‬راوي‭ ‬حاج‭ ‬الذي‭ ‬هاجر‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬هربا‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬الطائفي‭ ‬الى‭ ‬نيويورك‭ ‬التي‭ ‬قضى‭ ‬فيها‭ ‬قرابة‭ ‬العشر‭ ‬سنوات،‭ ‬ذاق‭ ‬فيها‭ ‬شتى‭ ‬صنوف‭ ‬البهدلة‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬شاقة‭ ‬ذات‭ ‬عائد‭ ‬هزيل،‭ ‬ولكنه‭ ‬عكف‭ ‬على‭ ‬تعلم‭ ‬الإنجليزية‭ ‬حتى‭ ‬أجادها‭. ‬مش‭ ‬إنجليزي‭ ‬الشوارع‭ ‬الذي‭ ‬يلتقطه‭ ‬معظم‭ ‬المهاجرين‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبريطانيا،‭ ‬بل‭ ‬الإنجليزية‭ ‬بحسب‭ ‬أصول‭ ‬وقواعد‭ ‬كتابتها‭ ‬وطرائق‭ ‬النطق‭ ‬بكلماتها‭ ‬واستيعاب‭ ‬بلاغياتها،‭ ‬وكما‭ ‬ضاق‭ ‬به‭ ‬وطنه‭ ‬لبنان‭ ‬بدرجة‭ ‬أنه‭ ‬فقد‭ ‬فيه‭ ‬الإحساس‭ ‬بالأمان،‭ ‬فقد‭ ‬ضاقت‭ ‬به‭ ‬نيويورك‭ ‬وضاق‭ ‬بها،‭ ‬وهاجر‭ ‬الى‭ ‬كندا‭ ‬حيث‭ ‬درس‭ ‬التصوير‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬جامعات‭ ‬مونتريال‭ ‬ثم‭ ‬كتب‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬والقصص‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬قوبلت‭ ‬بالاستحسان،‭ ‬ثم‭ ‬فاجأ‭ ‬العالم‭ ‬بثلاث‭ ‬روايات‭ ‬متقنة‭ ‬الحبك‭ ‬والسبك‭ ‬تمت‭ ‬ترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬اللغات‭ ‬الحية‭ ‬ونال‭ ‬بها‭ ‬جوائز‭ ‬بالطن‭ ‬المتري‭ (‬تُرجمت‭ ‬أعماله‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬اللغات‭. ‬واشتهر‭ ‬برواياته‭ ‬التي‭ ‬تستكشف‭ ‬تداعيات‭ ‬الحروب‭ ‬والهجرة،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬لعبة‭ ‬دينيرو‮»‬‭ ‬و«الصرصار‮»‬‭).‬

استهوتني‭ ‬تجربة‭ ‬راوي‭ ‬الحاج‭ ‬لأنني‭ ‬أحب‭ ‬العصاميين‭ ‬وأحترمهم،‭ ‬وأحترم‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬خاص‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬يهاجرون‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬وينهلون‭ ‬من‭ ‬معين‭ ‬ثقافاتها‭ ‬الضخم،‭ ‬فيصبحون‭ ‬ضخاما‭ ‬بإنجازاتهم‭ ‬وإبداعاتهم‭. ‬وأنا‭ ‬أكتب‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬يتدافع‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬صالة‭ ‬‮«‬تيت‮»‬‭ ‬للفنون‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬لمشاهدة‭ ‬وشراء‭ ‬لوحات‭ ‬التشكيلي‭ ‬السوداني‭ ‬إبراهيم‭ ‬الصلحي‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬أوكسفورد،‭ ‬وكان‭ ‬آخر‭ ‬لقب‭ ‬ناله‭ ‬الصلحي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬السودان‭ ‬هو‭ ‬‮«‬سجين‮»‬‭. ‬نعم‭ ‬فقد‭ ‬زجت‭ ‬به‭ ‬حكومة‭ ‬جعفر‭ ‬نميري‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬بتهمة‭ ‬التآمر‭ ‬لقلب‭ ‬نظام‭ ‬الحكم،‭ ‬مع‭ ‬ان‭ ‬الصلحي‭ ‬لا‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬صفحة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬لمساج‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭. ‬وقبله‭ ‬هجر‭ ‬الطيب‭ ‬صالح‭ ‬جامعة‭ ‬الخرطوم‭ ‬بعد‭ ‬قضاء‭ ‬سنة‭ ‬واحدة‭ ‬فيها،‭ ‬وذهب‭ ‬الى‭ ‬لندن‭ ‬والتحق‭ ‬بإذاعة‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي،‭ ‬ثم‭ ‬فاجأ‭ ‬العالم‭ ‬بثلاث‭ ‬روايات‭ ‬جعلته‭ ‬كما‭ ‬حبيبه‭ ‬المتنبي‭ ‬مالئ‭ ‬الدنيا‭ ‬وشاغل‭ ‬الناس،‭ ‬ولعل‭ ‬كثيرين‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬عمل‭ ‬أدبي‭ ‬للطيب‭ ‬صالح‭ ‬كان‭ ‬بالإنجليزية‭ ‬ونشره‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬انكاونتر‭ (‬إن‭ ‬لم‭ ‬تخني‭ ‬الذاكرة‭ ‬فهي‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬الطويلة‭ ‬‮«‬دومة‭ ‬ود‭ ‬حامد‮»‬‭ ‬Wad‭ ‬Hamid‭'‬s‭ ‬Dome‭ ‬Tree‭).. ‬وهل‭ ‬كنا‭ ‬سنسمع‭ ‬بأبرع‭ ‬طبيب‭ ‬قلب‭ ‬معاصر‭ ‬اسمه‭ ‬مجدي‭ ‬يعقوب‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يهاجر‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬بريطانيا‭ ‬التي‭ ‬فتحت‭ ‬له‭ ‬مستشفياتها‭ ‬ومختبراتها‭. ‬والأمثلة‭ ‬على‭ ‬المواهب‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تفتحت‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وجدت‭ ‬البيئة‭ ‬والرعاية‭ ‬الصالحة‭ ‬كثيرة‭.‬

ولكن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬التنبلة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬المهاجر‭ ‬الغربية‭ ‬أكثر،‭ ‬عشرات‭ ‬بل‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬تسللوا‭ ‬الى‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا‭ ‬الشمالية‭ ‬كلاجئين‭ ‬سياسيين‭ ‬أو‭ ‬مهاجرين‭ ‬قانونيين‭ ‬او‭ ‬متسللين،‭ ‬وكل‭ ‬همهم‭ ‬كيفية‭ ‬التحايل‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬إعانات‭ ‬من‭ ‬هيئات‭ ‬الضمان‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فتجد‭ ‬أناسا‭ ‬قضوا‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬إذا‭ ‬قلت‭ ‬لأحدهم‭: ‬هاي،‭ ‬صاح‭ ‬فيك‭: ‬هاااااي‭ ‬احترم‭ ‬نفسك‭ ‬أنا‭ ‬مش‭ ‬بهيمة‭ ‬عشان‭ ‬تقول‭ ‬لي‭ ‬هاي‭. ‬هذه‭ ‬فئة‭ ‬أدمنت‭ ‬الفشل‭ ‬والاستهبال‭ ‬والتنبلة‭ ‬ولا‭ ‬تكلف‭ ‬نفسها‭ ‬حتى‭ ‬عناء‭ ‬تعلم‭ ‬لغة‭ ‬البلد‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬فيه‭ ‬عالة‭ ‬على‭ ‬دافعي‭ ‬الضرائب‭ ‬الشرفاء‭. ‬وأتذكر‭ ‬صاحبنا‭ ‬الذي‭ ‬سأل‭ ‬زميلا‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬عن‭ ‬راتبه‭ ‬ولما‭ ‬أعطاه‭ ‬‮«‬الرقم‮»‬،‭ ‬ابتسم‭ ‬في‭ ‬استهزاء‭: ‬يا‭ ‬زول‭ ‬أنا‭ ‬قاعد‭ ‬في‭ ‬بيتي‭ ‬المجاني‭ ‬الحكومة‭ ‬تديني‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬راتبك‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا