زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
هاجروا وبرعوا
كتبت قبل أيام عن الصبي اللبناني، الذي أثبت نبوغه في المدارس الكندية، بعد هجرة عائلته إلى كندا، وكيف تناقلت وسائل الإعلام أمر ذلك النبوغ، فسمعت به مدارس أمريكية، وتنافست عليه ونجحت إحداها في تسجيله في صفوفها، وهكذا تم تجنيس كل أفراد عائلته أمريكيا، وكما يقول المثل الشامي «لأجل عين تُكرم ألف عين». (عجيب أمر اللبنانيين: يهاجرون شرقا وغربا ويثبتون تفوقا مذهلا، وبلدهم الذي كان يوما ما جوهرة الشرق الأوسط أصبح طاردا لبنيه وبناته، بينما علا شأن العجارمة والهيفاويات).
وإليكم حكاية راوي حاج الذي هاجر من لبنان هربا من العنف الطائفي الى نيويورك التي قضى فيها قرابة العشر سنوات، ذاق فيها شتى صنوف البهدلة في أعمال شاقة ذات عائد هزيل، ولكنه عكف على تعلم الإنجليزية حتى أجادها. مش إنجليزي الشوارع الذي يلتقطه معظم المهاجرين العرب في الولايات المتحدة وبريطانيا، بل الإنجليزية بحسب أصول وقواعد كتابتها وطرائق النطق بكلماتها واستيعاب بلاغياتها، وكما ضاق به وطنه لبنان بدرجة أنه فقد فيه الإحساس بالأمان، فقد ضاقت به نيويورك وضاق بها، وهاجر الى كندا حيث درس التصوير في إحدى جامعات مونتريال ثم كتب مجموعة من المقالات والقصص القصيرة التي قوبلت بالاستحسان، ثم فاجأ العالم بثلاث روايات متقنة الحبك والسبك تمت ترجمتها إلى جميع اللغات الحية ونال بها جوائز بالطن المتري (تُرجمت أعماله للعديد من اللغات. واشتهر برواياته التي تستكشف تداعيات الحروب والهجرة، مثل «لعبة دينيرو» و«الصرصار»).
استهوتني تجربة راوي الحاج لأنني أحب العصاميين وأحترمهم، وأحترم على وجه خاص العرب الذين يهاجرون إلى الدول الغربية، وينهلون من معين ثقافاتها الضخم، فيصبحون ضخاما بإنجازاتهم وإبداعاتهم. وأنا أكتب هذه السطور يتدافع الناس إلى صالة «تيت» للفنون في لندن، لمشاهدة وشراء لوحات التشكيلي السوداني إبراهيم الصلحي المقيم في أوكسفورد، وكان آخر لقب ناله الصلحي قبل أن يغادر السودان هو «سجين». نعم فقد زجت به حكومة جعفر نميري في السجن بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم، مع ان الصلحي لا ينجح في قلب صفحة واحدة من كتاب إلا بعد أن يخضع لمساج نصف ساعة. وقبله هجر الطيب صالح جامعة الخرطوم بعد قضاء سنة واحدة فيها، وذهب الى لندن والتحق بإذاعة بي بي سي، ثم فاجأ العالم بثلاث روايات جعلته كما حبيبه المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس، ولعل كثيرين لا يعرفون أن أول عمل أدبي للطيب صالح كان بالإنجليزية ونشره في مجلة انكاونتر (إن لم تخني الذاكرة فهي القصة القصيرة الطويلة «دومة ود حامد» Wad Hamid's Dome Tree).. وهل كنا سنسمع بأبرع طبيب قلب معاصر اسمه مجدي يعقوب لو لم يهاجر من مصر إلى بريطانيا التي فتحت له مستشفياتها ومختبراتها. والأمثلة على المواهب العربية التي تفتحت في الخارج بعد أن وجدت البيئة والرعاية الصالحة كثيرة.
ولكن الأمثلة على التنبلة العربية في المهاجر الغربية أكثر، عشرات بل مئات الآلاف تسللوا الى أوروبا وأمريكا الشمالية كلاجئين سياسيين أو مهاجرين قانونيين او متسللين، وكل همهم كيفية التحايل على السلطات للحصول على إعانات من هيئات الضمان الاجتماعي، فتجد أناسا قضوا عشرين سنة في بريطانيا إذا قلت لأحدهم: هاي، صاح فيك: هاااااي احترم نفسك أنا مش بهيمة عشان تقول لي هاي. هذه فئة أدمنت الفشل والاستهبال والتنبلة ولا تكلف نفسها حتى عناء تعلم لغة البلد التي تعيش فيه عالة على دافعي الضرائب الشرفاء. وأتذكر صاحبنا الذي سأل زميلا لي في بي بي سي في لندن عن راتبه ولما أعطاه «الرقم»، ابتسم في استهزاء: يا زول أنا قاعد في بيتي المجاني الحكومة تديني أكبر من راتبك.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك