العدد : ١٧٦٣٨ - الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٨ - الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

المؤهلات لا تنافس الجمال

كانت‭ ‬لطبيب‭ ‬الأسنان‭ ‬جيمس‭ ‬نايت،‭ ‬صاحب‭ ‬عيادة‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬آيوا‭ ‬الأمريكية،‭ ‬مساعدة‭ ‬اسمها‭ ‬مليسا‭ ‬نيلسون،‭ ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬المساعدة‭ ‬لهلوبة‭ ‬وترتدي‭ ‬في‭ ‬العيادة‭ ‬المحزق‭ ‬والملزق‭ ‬والبلوزات‭ ‬ذات‭ ‬الثقوب‭ ‬الكثيرة‭ ‬‮«‬المتعمدة‮»‬،‭ ‬وتمارس‭ ‬عملها‭ ‬وكأنها‭ ‬جرسونة‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬بلاي‭ ‬بوي‭ (‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تسمع‭ ‬بهذا‭ ‬المطعم‭ ‬فأنت‭ ‬بنت‭/‬ابن‭ ‬ناس‭) ‬فطلبت‭ ‬زوجة‭ ‬الطبيب‭ ‬إنهاء‭ ‬خدماتها‭ ‬خوفا‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الفتنة،‭ ‬ولكونها‭ ‬تشتت‭ ‬انتباهه‭ ‬أثناء‭ ‬قيامه‭ ‬بأعمال‭ ‬الحفر‭ ‬والتنقيب‭ ‬في‭ ‬أفواه‭ ‬المرضى،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المرضى‭ ‬تسيل‭ ‬‮«‬ريالتهم‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬التهابات‭ ‬اللثة‭ ‬أو‭ ‬آلام‭ ‬الأسنان،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬متابعة‭ ‬حركات‭ ‬وسكنات‭ ‬مليسا‭ ‬وهي‭ ‬تنحني‭ ‬وتتمايل‭ ‬في‭ ‬دلال‭ ‬وغنج‭. ‬المهم‭ ‬ان‭ ‬الدكتور‭ ‬جيمس‭ ‬نايت‭ ‬فصلها‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬فرفعت‭ ‬دعوى‭ ‬عليه‭ ‬مطالبة‭ ‬بتعويض‭ ‬كبير‭ ‬بزعم‭ ‬ان‭ ‬الفصل‭ ‬كان‭ ‬تعسفيا،‭ ‬وظلت‭ ‬القضية‭ ‬متداولة‭ ‬في‭ ‬المحاكم‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬لسنتين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قضت‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬قبل‭ ‬أسابيع‭ ‬بأن‭ ‬الطبيب‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬مساعدته،‭ ‬وأضافت‭ ‬ملاحظة‭ ‬ستصبح‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالسابقة‭ ‬القانونية،‭ ‬مؤداها‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬صاحب‭ ‬العمل‭ ‬فصل‭ ‬أي‭ ‬موظفة‭ ‬ذات‭ ‬جمال‭ ‬فتاك‭ ‬وتتعمد‭ ‬إبراز‭ ‬مفاتنها‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬العمل،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬يسبب‭ ‬‮«‬ربكة‮»‬‭ ‬بين‭ ‬العاملين‭ ‬والعملاء،‭ ‬لأنها‭ ‬تشتت‭ ‬الانتباه‭.‬

وقضايا‭ ‬الفصل‭ ‬التعسفي‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬غير‭ ‬معروفة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يمارس‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬العسف‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأحوال‭ ‬هي‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬الجهات‭ ‬المسنودة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬شخصيات‭ ‬‮«‬واصلة‭ ‬في‭ ‬الحكومة‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬وسائد‭ ‬عندنا‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬عند‭ ‬توظيف‭ ‬النساء،‭ ‬فإن‭ ‬الحلوة‭ ‬تكسب‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬جاهلة‭ ‬وبلهاء‭. ‬ولو‭ ‬شهدت‭ ‬انترفيو‭ ‬لاختيار‭ ‬موظفة‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬فلن‭ ‬يثير‭ ‬دهشتك‭ ‬أن‭ ‬صاحبة‭ ‬الخبرة‭ ‬والمؤهلات‭ ‬المهنية‭ ‬ستأكل‭ ‬هوا،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬عجرمية‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬تنافس‭ ‬على‭ ‬الوظيفة،‭ ‬وأذكر‭ ‬ان‭ ‬صديقا‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬فاز‭ ‬بمنصب‭ ‬إداري‭ ‬كبير‭ ‬وحدثني‭ ‬عن‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬مديرة‭ ‬لمكتبه‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬إلمام‭ ‬بالشؤون‭ ‬الإدارية‭ ‬والمالية‭ ‬والمكتبية،‭ ‬فقلت‭ ‬له‭: ‬أنت‭ ‬محظوظ‭ ‬لأنني‭ ‬أعرف‭ ‬واحدة‭ ‬بلدياتك‭ ‬لديها‭ ‬كل‭ ‬الخبرات‭ ‬المطلوبة‭ ‬ومشهود‭ ‬لها‭ ‬بالانضباط‭ ‬وحسن‭ ‬الأداء‭ ‬والسلوك،‭ ‬وسبق‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬زاملتها‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬وهي‭ ‬غير‭ ‬مرتاحة‭ ‬في‭ ‬عملها‭ ‬الحالي،‭ ‬لأن‭ ‬شروط‭ ‬خدمتها‭ ‬غير‭ ‬منصفة،‭ ‬فطلب‭ ‬مني‭ ‬الاتصال‭ ‬بها‭ ‬وإعطاءها‭ ‬رقم‭ ‬هاتفه،‭ ‬لتقابله‭ ‬في‭ ‬أقرب‭ ‬فرصة،‭ ‬وعملت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مطلوب‭ ‬مني،‭ ‬بترتيب‭ ‬موعد‭ ‬لها‭ ‬معه‭ ‬لإجراء‭ ‬مقابلة‭ ‬محسومة‭ ‬النتائج‭ ‬في‭ ‬تقديري،‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬أنسب‭ ‬من‭ ‬يستحق‭ ‬المنصب،‭ ‬ثم‭ ‬نسيت‭ ‬الموضوع،‭ ‬وبعدها‭ ‬بعدة‭ ‬أشهر‭ ‬قررت‭ ‬زيارة‭ ‬صاحبي‭ ‬لأرى‭ ‬كيف‭ ‬تسير‭ ‬الأمور‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬منصبه‭ ‬الجديد،‭ ‬ودخلت‭ ‬المبنى‭ ‬وعرفت‭ ‬موقع‭ ‬مكتبه‭. ‬ودخلت‭ ‬ووجدت‭ ‬طفلة‭ ‬عربية‭ ‬تنعّم‭ ‬بالديباج‭ ‬والحلي‭ ‬والحلل،‭ ‬‮«‬صغيرة‭ ‬لا‭ ‬تملأ‭ ‬الكف‭ ‬ولكن‭ ‬متعبة‮»‬‭. ‬متعبة‭ ‬أوي‭!! ‬وأبلغتها‭ ‬أن‭ ‬فلان‭ ‬ينتظرني،‭ ‬فطلبت‭ ‬مني‭ ‬الانتظار‭ ‬برهة‭ ‬وأجرت‭ ‬اتصالا‭ ‬هاتفيا‭ ‬قصيرا‭ ‬ثم‭ ‬قالت‭ ‬لي‭ ‬تفضل،‭ ‬وتفضلت‭ ‬ووجدت‭ ‬نفسي‭ ‬داخل‭ ‬مكتب‭ ‬آخر‭ ‬فخم‭ ‬به‭ ‬أثاث‭ ‬فندقي‭ ‬تجلس‭ ‬فيه‭ ‬روبي‭ ‬شخصيا‭. ‬شابة‭ ‬لم‭ ‬تبلغ‭ ‬العشرين‭ ‬أوروبية‭ ‬الملامح‭ ‬والهيئة،‭ ‬وفهمت‭ ‬أنها‭ ‬مديرة‭ ‬المكتب‭ ‬وأن‭ ‬الطفلة‭ ‬التحفة‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬عليها‭ ‬أولا‭ ‬هي‭ ‬سكرتيرتها‭. ‬يعني‭ ‬صاحبنا‭ ‬عنده‭ ‬مديرة‭ ‬مكتب‭ ‬ومديرة‭ ‬المكتب‭ ‬عندها‭ ‬سكرتيرة،‭ ‬وعمر‭ ‬الاثنين‭ ‬معا‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬الأربعين‭ ‬وأدركت‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬رشحتها‭ ‬للوظيفة،‭ ‬وبرغم‭ ‬مؤهلاتها‭ ‬وخبرتها‭ ‬العملية‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬نقطتي‭ ‬ضعف‭: ‬وهي‭ ‬كونها‭ ‬متزوجة‭ ‬ومحتشمة‭.‬

ولهذا‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مكاتبنا‭ ‬أناتيك‭ ‬وتحف‭ ‬في‭ ‬الواجهات،‭ ‬وخلف‭ ‬الكواليس‭ ‬تجد‭ ‬الموظفات‭ ‬ذوات‭ ‬الهمة‭ ‬والعلم‭ ‬والمعرفة‭. ‬الفئة‭ ‬الأولى‭ ‬مدللة‭ ‬إداريا‭ ‬وماليا‭ ‬بسبب‭ ‬اعتمادهن‭ ‬على‭ ‬إمكانياتهن‭ ‬البيولوجية،‭ ‬والأخيرة‭ ‬تعمل‭ ‬كالنمل‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬تاخد‭ ‬على‭ ‬راسها‮»‬‭: ‬لفت‭ ‬نظر‭ ‬ومجلس‭ ‬تأديب،‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬جمال‭ ‬فتاك،‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬المسخرة‭. ‬تتعرض‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬للسخرة‭ ‬ولكن‭ ‬تبقى‭ ‬رؤوسها‭ ‬مرفوعة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا