زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
المؤهلات لا تنافس الجمال
كانت لطبيب الأسنان جيمس نايت، صاحب عيادة في ولاية آيوا الأمريكية، مساعدة اسمها مليسا نيلسون، وكانت هذه المساعدة لهلوبة وترتدي في العيادة المحزق والملزق والبلوزات ذات الثقوب الكثيرة «المتعمدة»، وتمارس عملها وكأنها جرسونة في مطعم بلاي بوي (إذا لم تسمع بهذا المطعم فأنت بنت/ابن ناس) فطلبت زوجة الطبيب إنهاء خدماتها خوفا عليه من الفتنة، ولكونها تشتت انتباهه أثناء قيامه بأعمال الحفر والتنقيب في أفواه المرضى، كما أن الكثير من المرضى تسيل «ريالتهم» ليس بسبب التهابات اللثة أو آلام الأسنان، بل بسبب متابعة حركات وسكنات مليسا وهي تنحني وتتمايل في دلال وغنج. المهم ان الدكتور جيمس نايت فصلها من العمل فرفعت دعوى عليه مطالبة بتعويض كبير بزعم ان الفصل كان تعسفيا، وظلت القضية متداولة في المحاكم منذ عام لسنتين إلى أن قضت المحكمة العليا قبل أسابيع بأن الطبيب كان على حق في فصل مساعدته، وأضافت ملاحظة ستصبح ما يسمى بالسابقة القانونية، مؤداها أنه من حق صاحب العمل فصل أي موظفة ذات جمال فتاك وتتعمد إبراز مفاتنها في مكان العمل، لأن ذلك يسبب «ربكة» بين العاملين والعملاء، لأنها تشتت الانتباه.
وقضايا الفصل التعسفي تكاد تكون غير معروفة في العالم العربي، لأن من يمارس هذا الضرب من العسف في غالب الأحوال هي الحكومة أو الجهات المسنودة من قبل شخصيات «واصلة في الحكومة»، ولكن ما هو معروف وسائد عندنا هو أنه عند توظيف النساء، فإن الحلوة تكسب مهما كانت جاهلة وبلهاء. ولو شهدت انترفيو لاختيار موظفة أو أكثر، فلن يثير دهشتك أن صاحبة الخبرة والمؤهلات المهنية ستأكل هوا، إذا ما كانت هناك عجرمية أو أكثر تنافس على الوظيفة، وأذكر ان صديقا من بلد عربي فاز بمنصب إداري كبير وحدثني عن رغبته في اختيار مديرة لمكتبه تكون ذات إلمام بالشؤون الإدارية والمالية والمكتبية، فقلت له: أنت محظوظ لأنني أعرف واحدة بلدياتك لديها كل الخبرات المطلوبة ومشهود لها بالانضباط وحسن الأداء والسلوك، وسبق لي أن زاملتها في العمل، وهي غير مرتاحة في عملها الحالي، لأن شروط خدمتها غير منصفة، فطلب مني الاتصال بها وإعطاءها رقم هاتفه، لتقابله في أقرب فرصة، وعملت كل ما هو مطلوب مني، بترتيب موعد لها معه لإجراء مقابلة محسومة النتائج في تقديري، لأنها كانت أنسب من يستحق المنصب، ثم نسيت الموضوع، وبعدها بعدة أشهر قررت زيارة صاحبي لأرى كيف تسير الأمور معه في منصبه الجديد، ودخلت المبنى وعرفت موقع مكتبه. ودخلت ووجدت طفلة عربية تنعّم بالديباج والحلي والحلل، «صغيرة لا تملأ الكف ولكن متعبة». متعبة أوي!! وأبلغتها أن فلان ينتظرني، فطلبت مني الانتظار برهة وأجرت اتصالا هاتفيا قصيرا ثم قالت لي تفضل، وتفضلت ووجدت نفسي داخل مكتب آخر فخم به أثاث فندقي تجلس فيه روبي شخصيا. شابة لم تبلغ العشرين أوروبية الملامح والهيئة، وفهمت أنها مديرة المكتب وأن الطفلة التحفة التي دخلت عليها أولا هي سكرتيرتها. يعني صاحبنا عنده مديرة مكتب ومديرة المكتب عندها سكرتيرة، وعمر الاثنين معا أقل من الأربعين وأدركت أن من رشحتها للوظيفة، وبرغم مؤهلاتها وخبرتها العملية تعاني من نقطتي ضعف: وهي كونها متزوجة ومحتشمة.
ولهذا تجد في بعض مكاتبنا أناتيك وتحف في الواجهات، وخلف الكواليس تجد الموظفات ذوات الهمة والعلم والمعرفة. الفئة الأولى مدللة إداريا وماليا بسبب اعتمادهن على إمكانياتهن البيولوجية، والأخيرة تعمل كالنمل ومع هذا «تاخد على راسها»: لفت نظر ومجلس تأديب، يحدث هذا حتى لو كانت ذات جمال فتاك، ولكنها لا تقبل المسخرة. تتعرض هذه الفئة للسخرة ولكن تبقى رؤوسها مرفوعة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك