زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وراحت على الأطباء
كتبت من قبل عن ولعنا بالألقاب، كيف أننا نوزعها مجانا، فمن يتم قبوله في كلية الطب يصبح «دكتورا» قبل حضوره المحاضرة الأولى في الكلية، بل إن من يعملون في سلك التمريض أيضا يفوزون بمسمى «دكتور». ويا ويلك لو ذكرت اسم شخص يعمل في المحاماة «حاف»، ورغم ان المدرس هو الذي «ينجب» الدكتور والمهندس والصحفي والمحامي والمحاسب، إلا أن التدريس مازال في اسفل السلم المهني من حيث الجاذبية من الناحيتين المادية والاجتماعية، ولكن مهنة الطب كادت تلحق به، بعد ان أصبحت تندرج في باب «حضارات سادت ثم بادت» الذي اشتهرت به مجلة العربي الكويتية، وقد أتى على الأطباء حين من الدهر كانوا فيه محل حسد وغبطة، يوم كان الطبيب هو العريس النموذجي، وصاحب المستقبل المضمون، ونجم المجتمع، ويقضي معظم أوقات فراغه «بلّوشي» لأنه يدعى الى كل مناسبة ويتسابق الناس للتعرف عليه، ولكن زمانهم فات ومطربهم مات، فأجور الأطباء تدنت خاصة في الدول العربية، وخريجو الطب الجدد منهم من يعمل لوجه الله طلبا للخبرة، والأنكى من ذلك ان الطبيب يعمل أحيانا 36 او 48 ساعة متواصلة، وبالتالي فما من عاقل يزوج بنته لطبيب، لأنها ستخلعه خلال شهر العسل.
ومصيبة الطبيب العربي الكبرى، هي انه يتعامل مع مرضى كثيرون منهم على درجة رفيعة من الجلافة، يقول الطبيب للمريض ان ما به مجرد إرهاق ولا حاجة له بالدواء، فيشيع بين الناس ان الطبيب حمار لا يفهم شيئا، وقبل بضع سنوات كان الطبيب الذي لا يوصي بحقن المريض بالإبرة يعد مستهترا وفاشلا، ومن هذا المنطلق كان المريض الذي يعالج بالحقن يعتبر حالته خطيرة، وهناك من يدخل على الطبيب ليشكو من زغللة في العيون ويتبرع بتشخيص علته قائلا: اظن عندي التهاب في الجيوب الانفية وأريد بخاخا للأنف! بل هناك من يخبر الطبيب بلا مقدمات بانه في حاجة الى عملية جراحية لإزالة المرارة، لأنه يحس بنفس ما كان يحس به سعدون الذي تحسنت حالته بعد استئصال المرارة، وتحضرني هنا حكاية طبيب في مستشفى خاص اتصل به أحد زبائنه في ساعة متأخرة من الليل، قائلا انه يعتقد ان زوجته تعاني من التهاب الزائدة الدودية، فرد الطبيب الذي كان على درجة عالية من النرفزة بشماتة: هل تعرف ان لكل إنسان زائدة دودية واحدة وان زوجتك استأصلت زائدتها الدودية قبل ستة أشهر؟ فرد عليه الرجل من الطرف الآخر: وهل تعرف ان لي زوجة ثانية؟
أما الأطباء النفسانيون العرب فلهم الجنة ان شاء الله، لأنهم يصبرون على بلاوي منشأها جهلنا بالأمراض النفسية، والاعتقاد السائد بان كل مريض نفسي مجنون، وان المرض النفسي عار وعيب كبير ينبغي التستر عليه، وبالتالي فان المرضى وأقاربهم يفشون غلهم في الأطباء النفسانيين لان الشفاء من العلل النفسية لا يكون عادة الا بعد معالجة طويلة يقع معظم عبئها على المريض وأهله. وهذا لا ينفع معنا لأننا نميل الى رمي الحمل كله على الدكتور، وعليه وحده ان يجد لنا المخارج من الأمراض، ولهذا فان المريض العربي المطالب بالخضوع للعلاج الطبيعي او الوظائفي لا يحصل على أي نتيجة لأنه ليس مستعدا للانتظام في أي برنامج طويل الأمد، يتطلب منه القيام بتمارين في البيت، ويحكى ان جابر دخل على الطبيب النفساني وشكا له من انه بات يفقد أعصابه ويثور لأتفه الأسباب، فمال الطبيب الى الوراء وسأله: حسنا قل لي ما هي مشكلتك؟ فرد عليه جابر: لقد كلمتك بها قبل قليل يا حيوان!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك