العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

«كان» عربيا!!

خلال‭ ‬زيارتي‭ ‬لكندا‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬تناقلت‭ ‬وسائط‭ ‬التواصل‭ ‬حكاية‭ ‬نابغة‭ ‬كندي‭ ‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬ثم‭ ‬اهتزت‭ ‬الوسائط‭ ‬والمنصات‭ ‬بصيحات‭ ‬الاحتجاج‭: ‬لا‭ ‬إنه‭ ‬لبناني‭! ‬وكان‭ ‬رد‭ ‬عليهم‭: ‬كان،‭ ‬كان‭ ‬لبناني‭ (‬ما‭ ‬رأيكم‭ ‬في‭ ‬نظريتي‭ ‬بأن‭ ‬انتهاء‭ ‬اسم‭ ‬بلد‭ ‬بالألف‭ ‬والنون‭ ‬يجعله‭ ‬معرضا‭ ‬للحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬والتدخلات‭ ‬‮«‬الخيرية‮»‬‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ومن‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭: ‬لبنان،‭ ‬والسودان‭ ‬وافغانستان‭ ‬والشيشان‭ ‬البلقان‭ ‬وكازخستان‭ ‬وطاجكستان‭ ‬وغرغيستان‭ ‬وباكستان‭ ‬وتركمانستان‭ ‬وتترستان،‭ ‬وأوزبكستان،‭ ‬وأذربيجان،‭ ‬وعندك‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬اليونان‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬ع‭ ‬الحديدة‭ ‬وأفلست‭ ‬وصارت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬كفلاء‭ ‬يسددون‭ ‬ديونها‭ ‬ويقرضونها‭ ‬رواتب‭ ‬الموظفين‭ ‬والعمال‭). ‬المهم‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬والدي‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬‮«‬كانا‮»‬‭ ‬لبنانيين‭ ‬وهاجرا‭ ‬الى‭ ‬كندا‭ ‬حيث‭ ‬ولد‭ ‬صاحبنا‭ ‬هناك،‭ ‬وصاروا‭ ‬جميعا‭ ‬كنديين،‭ ‬وبدأ‭ ‬الطفل‭ ‬يتكلم‭ ‬وعمره‭ ‬سبعة‭ ‬اشهر،‭ ‬وفي‭ ‬سن‭ ‬الثانية‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬استخدام‭ ‬الأطلس،‭ ‬ويعرف‭ ‬مواقع‭ ‬نحو‭ ‬100‭ ‬دولة‭ ‬وعواصمها‭ ‬وأعلامها،‭ ‬أما‭ ‬جدول‭ ‬الضرب‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬ابو‭ ‬الجعافر‭ ‬يستعين‭ ‬عليه‭ ‬بالآلة‭ ‬الحاسبة،‭ ‬فقد‭ ‬حسم‭ ‬الصغير‭ ‬أمره‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يكمل‭ ‬الثانية‭ ‬ايضا،‭ ‬وببلوغه‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬العربية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والإنجليزية‭ ‬بطلاقة،‭ ‬ويستطيع‭ ‬ان‭ ‬يستذكر‭ ‬أسماء‭ ‬الله‭ ‬الحسنى‭ ‬التسعة‭ ‬a‭ ‬خلال‭ ‬اقل‭ ‬من‭ ‬90‭ ‬ثانية،‭ ‬وما‭ ‬ان‭ ‬ذاع‭ ‬أمره‭ ‬حتى‭ ‬انهالت‭ ‬عليه‭ ‬العروض‭ ‬من‭ ‬مدارس‭ ‬النوابغ‭ ‬والمتفوقين‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬حتى‭ ‬فازت‭ ‬إحداهن‭ ‬به،‭ ‬وأثار‭ ‬ذلك‭ ‬حفيظة‭ ‬بعض‭ ‬نواب‭ ‬البرلمان‭ ‬الكندي‭ ‬الذين‭ ‬قالوا‭ ‬ان‭ ‬ذلك‭ ‬النابغة‭ ‬اضطر‭ ‬الى‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬مدارس‭ ‬خاصة‭ ‬بالموهوبين‭ ‬في‭ ‬كندا،‭ ‬وأنه‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬إنشاء‭ ‬مدرسة‭ ‬خاصة‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬السرعة،‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬تلميذها‭ ‬الأوحد‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬يلتحق‭ ‬بها‭ ‬غيره‭ ‬لاحقا،‭ ‬ولكن‭ ‬العرض‭ ‬الامريكي‭ ‬كان‭ ‬مغريا‭ ‬فقرر‭ ‬والداه‭ ‬النزوح‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬كندا‭ ‬الى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ومنحوهم‭ ‬الجنسية‭ ‬الأمريكية‭ ‬حتى‭ ‬يتسنى‭ ‬للعبقري‭ ‬الصغير‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬كي‭ ‬تستفيد‭ ‬منه‭ ‬مستقبلا

وهكذا‭ ‬سينشأ‭ ‬الطفل‭ ‬الكندي‭ ‬وهو‭ ‬غير‭ ‬معني‭ ‬a‭ ‬أو‭ ‬7‭ ‬آذار،‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬كثير‭ ‬شيء‭ ‬عن‭ ‬وليد‭ ‬جنبلاط‭ ‬أو‭ ‬مشيل‭ ‬أو‭ ‬شمعون،‭ ‬وكان‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬عون‭ ‬من‭ ‬يعرفهم‭. ‬أرجو‭ ‬الرجوع‭ ‬الى‭ ‬الجملة‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‮»‬‭!! ‬لم‭ ‬تقل‭ ‬جهة‭ ‬ما‭: ‬اللائحة‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭. ‬هذا‭ ‬الولد‭ ‬دون‭ ‬السادسة،‭ ‬ولن‭ ‬يدخل‭ ‬المدرسة‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬جثتي‭!! ‬ثم‭ ‬هو‭ ‬مستعجل‭ ‬على‭ ‬ايش؟‭ ‬وتذكرت‭ ‬يوم‭ ‬ذهبت‭ ‬بعيالي‭ ‬الى‭ ‬مدارس‭ ‬لندن‭ ‬قادمين‭ ‬من‭ ‬قطر‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬مدير‭ ‬المدرسة‭ ‬الابتدائية‭: ‬بنتك‭ ‬عمرها‭ ‬8‭ ‬سنوات‭ ‬ويا‭ ‬دوب‭ ‬كملت‭ ‬السنة‭ ‬الثانية؟‭ ‬يا‭ ‬عيب‭ ‬الشوم‭.. ‬لازم‭ ‬نسجلها‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الرابع‭.. ‬يا‭ ‬خواجة‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬يس‮»‬‭ ‬و«نو‮»‬‭.. ‬ولا‭ ‬يهمك‭.. ‬خليها‭ ‬علينا‭ ‬ولو‭ ‬ما‭ ‬صارت‭ ‬بلبل‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الانجليزية‭ ‬خلال‭ ‬اربعة‭ ‬أشهر‭ ‬احلق‭ ‬ذقني‭ ‬وشنبي‭! ‬ولم‭ ‬يضطر‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬الأشهر‭ ‬الأربعة‭ ‬الى‭ ‬حلاقة‭ ‬حتى‭ ‬شعر‭ ‬رأسه‭! ‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬‮«‬الكندي‮»‬‭ ‬وضع‭ ‬تحتها‭ ‬عشرة‭ ‬خطوط،‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬بلدين‭ ‬كبيرين‭ ‬وغنيين‭ ‬ومليئين‭ ‬بالمواهب‭ ‬والنوابغ‭ ‬تصارعت‭ ‬للفوز‭ ‬به،‭ ‬وتفهمت‭ ‬سلطات‭ ‬الهجرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أهمية‭ ‬اجتذاب‭ ‬شخص‭ ‬موهوب‭ ‬فسمحت‭ ‬لعائلته‭ ‬بدخول‭ ‬الأراضي‭ ‬الأمريكية‭ ‬كمهاجرين‭ ‬قانونيين،‭ ‬رغم‭ ‬انهم‭ ‬يحملون‭ ‬الجينات‭ ‬الارهابية‭ ‬كونهم‭ ‬مسلمين‭ ‬وعربا،‭ ‬وفي‭ ‬حفل‭ ‬مهيب‭ ‬في‭ ‬جلينلاند‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬أريزونا‭ ‬الامريكية‭ ‬تسلمت‭ ‬أماندا‭ ‬الجمل‭ ‬وعمرها‭ ‬8‭ ‬سنوات‭ ‬جائزة‭ ‬التفوق‭ ‬ورسالة‭ ‬تقدير‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق‭ ‬جو‭ ‬بايدن،‭ ‬وهذه‭ ‬البنية‭ ‬هاجر‭ ‬اهلها‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬مؤخرا،‭ ‬وقد‭ ‬تصبح‭ ‬علما‭ ‬مثل‭ ‬أحمد‭ ‬زويل،‭ ‬فنتذكر‭ ‬عندها‭ ‬انها‭ ‬‮«‬كانت‮»‬‭ ‬مصرية‭!! ‬إنهم‭ ‬استشرافيون،‭ ‬وعندهم‭ ‬الفيوتشرولوجي‭ ‬أي‭ ‬علم‭ ‬المستقبل،‭ ‬بينما‭ ‬نحن‭ ‬نستهدي‭ ‬بالـ«شيشبيشولوجي‮»‬،‭ ‬فأمورنا‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬‮«‬الزهر‮»‬‭: ‬شيش‭ ‬بيش،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬بالحظ‭ ‬والمصادفة،‭ ‬والتخطيط‭ ‬عندنا‭ ‬فيه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الطيط،‭ ‬والقليل‭ ‬من‭ ‬الـ«تخ‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الضرب‭ ‬في‭ ‬الصميم‭.‬

بصفة‭ ‬عامة‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأننا‭ ‬نقامر‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬شؤون‭ ‬حياتنا‭ ‬العامة،‭ ‬نكلف‭ ‬شركة‭ ‬بإنشاء‭ ‬جسر‭ ‬علوي،‭ ‬ويكتمل‭ ‬المشروع‭ ‬ونكتشف‭ ‬أنها‭ ‬اكتفت‭ ‬بإقامة‭ ‬نفق،‭ ‬فنقول‭: ‬نفق،‭ ‬نفق‭. ‬خلاص‭ ‬يؤدي‭ ‬الغرض‭! ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭: ‬نقامر‭ ‬بثرواتنا‭ ‬وقضايانا‭ ‬وبمستقبل‭ ‬أولادنا‭ ‬وأحفادنا‭ ‬ولا‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬الغد‭ ‬بحجة‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬في‭ ‬اليد‮»‬،‭ ‬والآدمي‭ ‬عندنا‭ ‬يصبح‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬او‭ ‬إحصائية‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬لالتحاقه‭ ‬بالتعليم‭ ‬النظامي،‭ ‬وشيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬يتحول‭ ‬الى‭ ‬دمية‭ ‬تتحكم‭ ‬فيها‭ ‬اللوائح‭ ‬والقوانين‭ ‬التي‭ ‬صاغها‭ ‬ساديون،‭ ‬فتضيق‭ ‬بلداننا‭ ‬على‭ ‬اتساعها‭ ‬بأبنائها‭ ‬وبناتها‭ ‬فيهاجرون‭ ‬ويطفشون‭. ‬وتحتضنهم‭ ‬بلاد‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬لسانها‭ ‬ولا‭ ‬عاداتها‭ ‬فتعيد‭ ‬برمجتهم‭ ‬ليتفوق‭ ‬بعضهم‭ ‬فتتباهى‭ ‬بهم‭ ‬بلاد‭ ‬المهجر‭ ‬فلا‭ ‬يبقى‭ ‬لنا‭ ‬سوى‭ ‬ان‭ ‬نصيح‭: ‬بس‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬عربية‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا