زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
«كان» عربيا!!
خلال زيارتي لكندا في يوليو من العام الماضي، تناقلت وسائط التواصل حكاية نابغة كندي يبلغ من العمر خمس سنوات، ثم اهتزت الوسائط والمنصات بصيحات الاحتجاج: لا إنه لبناني! وكان رد عليهم: كان، كان لبناني (ما رأيكم في نظريتي بأن انتهاء اسم بلد بالألف والنون يجعله معرضا للحروب الأهلية والتدخلات «الخيرية» من الولايات المتحدة ومن دول الجوار: لبنان، والسودان وافغانستان والشيشان البلقان وكازخستان وطاجكستان وغرغيستان وباكستان وتركمانستان وتترستان، وأوزبكستان، وأذربيجان، وعندك في أوروبا اليونان التي صارت ع الحديدة وأفلست وصارت تبحث عن كفلاء يسددون ديونها ويقرضونها رواتب الموظفين والعمال). المهم صحيح أن والدي ذلك الطفل «كانا» لبنانيين وهاجرا الى كندا حيث ولد صاحبنا هناك، وصاروا جميعا كنديين، وبدأ الطفل يتكلم وعمره سبعة اشهر، وفي سن الثانية كان يعرف استخدام الأطلس، ويعرف مواقع نحو 100 دولة وعواصمها وأعلامها، أما جدول الضرب الذي ما زال ابو الجعافر يستعين عليه بالآلة الحاسبة، فقد حسم الصغير أمره قبل ان يكمل الثانية ايضا، وببلوغه سن الخامسة كان يتحدث العربية والفرنسية والإنجليزية بطلاقة، ويستطيع ان يستذكر أسماء الله الحسنى التسعة a خلال اقل من 90 ثانية، وما ان ذاع أمره حتى انهالت عليه العروض من مدارس النوابغ والمتفوقين في الولايات المتحدة، حتى فازت إحداهن به، وأثار ذلك حفيظة بعض نواب البرلمان الكندي الذين قالوا ان ذلك النابغة اضطر الى الذهاب الى الولايات المتحدة لعدم وجود مدارس خاصة بالموهوبين في كندا، وأنه لابد من إنشاء مدرسة خاصة به على وجه السرعة، يكون هو تلميذها الأوحد الى ان يلتحق بها غيره لاحقا، ولكن العرض الامريكي كان مغريا فقرر والداه النزوح به من كندا الى الولايات المتحدة، ومنحوهم الجنسية الأمريكية حتى يتسنى للعبقري الصغير البقاء في البلاد كي تستفيد منه مستقبلا
وهكذا سينشأ الطفل الكندي وهو غير معني a أو 7 آذار، ولا يعرف كثير شيء عن وليد جنبلاط أو مشيل أو شمعون، وكان الله في عون من يعرفهم. أرجو الرجوع الى الجملة التي جاء فيها أنه «يبلغ من العمر خمس سنوات»!! لم تقل جهة ما: اللائحة لا تسمح. هذا الولد دون السادسة، ولن يدخل المدرسة إلا على جثتي!! ثم هو مستعجل على ايش؟ وتذكرت يوم ذهبت بعيالي الى مدارس لندن قادمين من قطر عندما قال لي مدير المدرسة الابتدائية: بنتك عمرها 8 سنوات ويا دوب كملت السنة الثانية؟ يا عيب الشوم.. لازم نسجلها في الصف الرابع.. يا خواجة هي لا تعرف حتى «يس» و«نو».. ولا يهمك.. خليها علينا ولو ما صارت بلبل في اللغة الانجليزية خلال اربعة أشهر احلق ذقني وشنبي! ولم يضطر بعد تلك الأشهر الأربعة الى حلاقة حتى شعر رأسه!
ما حدث مع ذلك الطفل «الكندي» وضع تحتها عشرة خطوط، هو ان المؤسسات التعليمية في بلدين كبيرين وغنيين ومليئين بالمواهب والنوابغ تصارعت للفوز به، وتفهمت سلطات الهجرة الأمريكية أهمية اجتذاب شخص موهوب فسمحت لعائلته بدخول الأراضي الأمريكية كمهاجرين قانونيين، رغم انهم يحملون الجينات الارهابية كونهم مسلمين وعربا، وفي حفل مهيب في جلينلاند في ولاية أريزونا الامريكية تسلمت أماندا الجمل وعمرها 8 سنوات جائزة التفوق ورسالة تقدير من الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، وهذه البنية هاجر اهلها من مصر مؤخرا، وقد تصبح علما مثل أحمد زويل، فنتذكر عندها انها «كانت» مصرية!! إنهم استشرافيون، وعندهم الفيوتشرولوجي أي علم المستقبل، بينما نحن نستهدي بالـ«شيشبيشولوجي»، فأمورنا تتوقف على «الزهر»: شيش بيش، وكل شيء بالحظ والمصادفة، والتخطيط عندنا فيه الكثير من الطيط، والقليل من الـ«تخ»، الذي هو الضرب في الصميم.
بصفة عامة يمكن القول بأننا نقامر في كافة شؤون حياتنا العامة، نكلف شركة بإنشاء جسر علوي، ويكتمل المشروع ونكتشف أنها اكتفت بإقامة نفق، فنقول: نفق، نفق. خلاص يؤدي الغرض! وقس على ذلك: نقامر بثرواتنا وقضايانا وبمستقبل أولادنا وأحفادنا ولا نفكر في الغد بحجة أنه «ليس في اليد»، والآدمي عندنا يصبح مجرد رقم او إحصائية منذ اليوم الأول لالتحاقه بالتعليم النظامي، وشيئا فشيئا يتحول الى دمية تتحكم فيها اللوائح والقوانين التي صاغها ساديون، فتضيق بلداننا على اتساعها بأبنائها وبناتها فيهاجرون ويطفشون. وتحتضنهم بلاد لا يعرفون لسانها ولا عاداتها فتعيد برمجتهم ليتفوق بعضهم فتتباهى بهم بلاد المهجر فلا يبقى لنا سوى ان نصيح: بس من أصول عربية!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك