الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
العقوبات البديلة للمخالفات المرورية
«الغاية من العقوبة الإصلاح والردع لا الانتقام» قاعدة قانونية وتربوية يجب أن نستحضرها ونحن نتعامل مع ملف المخالفات المرورية.. ذلك أن الهدف الحقيقي هو تغيير السلوك وحفظ الأرواح.. وهذا بالتمام ما يؤكده ويسعى إليه المشرع البحريني.
مؤخرا أعلنت دولة الكويت خطوة مهمة تستحق الدراسة.. حيث تم إعلان بدء تطبيق نظام «العقوبات البديلة» للمخالفات المرورية، يهدف الى تخفيف العبء المالي على المواطن، ورفع مستوى الوعي المروري في آن واحد.
فقد أصبح بإمكان مرتكب المخالفات المرورية البسيطة والمتوسطة اختيار أحد أمرين، الأول: دفع الغرامة المالية المقررة.. والثاني: تنفيذ «عقوبة بديلة» على شكل خدمة مجتمعية تتراوح مدتها بين 8 ساعات و40 ساعة، بحسب جسامة المخالفة.
أمثلة الخدمة المجتمعية تشمل: المشاركة في حملات التوعية المرورية داخل المدارس والجامعات، أعمال النظافة في الجوامع، وصيانة المقابر، وتنظيف الشواطئ، المساعدة في مراكز الفحص الفني، وحضور دورات إلزامية في معهد المرور عن مخاطر السرعة والقيادة المتهورة.. والرسالة الكويتية واضحة: نريد مواطناً واعياً أكثر من مواطنٍ مثقلٍ بالديون.. نريد أن نحول المخالف من مجرد رقم في سجل الغرامات، إلى عنصر فاعل في نشر ثقافة السلامة.
عدة دول سبق أن طبقت الفكرة وأثبتت نجاحها.. ووجدت الجهات المرورية هناك انخفاضاً ملحوظاً في نسبة تكرار المخالفة، لأن الأثر التربوي للخدمة أقوى من أثر الخصم من الراتب.. والخلاصة من كل تلك التجارب أن الغرامة تعالج الجيب، لكن الخدمة المجتمعية تعالج العقل والسلوك.
في مملكة البحرين نمتلك بنية مرورية متقدمة ومتطورة، ولكن لا يزال ملف الحوادث والوفيات يمثل تحدياً.. كما أن الغرامات المتراكمة أصبحت تشكل ضغطاً على ميزانية الأسرة البحرينية، وخصوصاً مع ارتفاع كلفة المعيشة.
ليس كل مواطن قادر على دفع 500 دينار غرامات متراكمة مرة واحدة.. إعطاؤه فرصة «يسدد» بوقته وجهده، يحفظ كرامته ويمنع تفاقم المديونية.. وكذلك خفض نسبة تكرار المخالفة، ذلك أن الذي يقضي 15 ساعة في شرح مخاطر قطع الإشارة لطلاب المدارس، لن يقطعها مرة أخرى بسهولة، والدرس يلتصق في الذهن أكثر من إيصال الدفع. كما أن تنفيذ العقوبات البديلة في المخالفات المرورية من شأنه غرس ثقافة المسؤولية المجتمعية، والعمل التطوعي «الإجباري».. فعندما يرى المواطن أثر عمله في تنظيف شارع أو توعية طفل، يتحول من متلقي عقوبة إلى شريك في بناء مجتمع آمن، فضلا عن أن تنفيذ العقوبات البديلة من شأنه تخفيف الضغط على القضاء والمحاكم والنيابة العامة.
يمكن أن يبدأ التطبيق كمرحلة أولى على المخالفات منخفضة الخطورة: عدم ربط الحزام، استخدام الهاتف، الوقوف في الأماكن الممنوعة، انتهاء تسجيل المركبة. ويُستثنى من ذلك المخالفات الجسيمة: السرعة المفرطة، القيادة تحت تأثير المسكر، التسبب في حوادث جسيمة. ويتم الأمر إلكترونياً بالكامل عبر «بوابة البحرين». فالمخالف يتسلم رسالة تخيره بين الدفع أو التسجيل في منصة الخدمة المجتمعية، ويختار المكان والوقت المناسب من قائمة الجهات المقترحة للعقوبة البديلة، ويتم ربط الساعات إلكترونياً، وبعد الإنجاز تُقفل المخالفة تلقائياً.
الهدف النهائي من أي قانون مروري هو «صفر وفيات» و «صفر حوادث»، و«صفر مديونية للمخالفات المرورية».. تجربة الكويت وضعتنا أمام فرصة، ومملكة البحرين سباقة في العقوبات البديلة، وقادرة أن تكون سباقة في «أنسنة» المخالفات المرورية.. فلننتقل من منطق «ادفع المخالفة» إلى منطق «أخطأت.. تعلم.. وأصلح».. حينها فقط سنضمن شوارع أكثر أماناً، وأسراً أقل أعباءً، ومجتمعاً يفهم أن القانون وُجد ليحميه لا ليعاقبه ويغرمه فقط.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك