الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
كأس العالم.. والمجتمع البحريني
كل أربع سنوات يتغير إيقاع الحياة في مملكة البحرين ودول الخليج العربي، تتحول الجلسات العائلية إلى «استوديو تحليلي»، وتكتظ المقاهي قبل صافرة البداية بساعات، وتصبح شاشات التلفاز هي بوابة العالم.. ومع صعود منتخبي المغرب ومصر إلى دور الستة عشر، تضاعف هذا الشغف وتحول إلى احتفال عربي خليجي خالص.
وكما قال اللاعب البرازيلي الأسطورة بيليه: «كرة القدم هي لغة عالمية يفهمها الجميع».. ونحن في دول مجلس التعاون الخليجي ترجمناها إلى عادة اجتماعية وثقافة متكاملة. ثقافة كروية جديدة.
لم يعد كأس العالم مجرد 90 دقيقة.. البحريني والخليجي اليوم متابع «محترف».. المقاهي والمطاعم تشهد انتعاشاً غير مسبوق.. من المنامة إلى الرفاع، من المحرق إلى جدة والدوحة، ومسقط والكويت، تمتلئ الكوفي شوب والشاشات الكبيرة بالجماهير.. هي فرصة اقتصادية للمشاريع الصغيرة، ومساحة للتلاقي الاجتماعي بعيدا عن العزلة.
كما لم يعد المتابع البحرين والخليجي يكتفي بالنتيجة.. تطبيقات الإحصائيات، قنوات التحليل، «الفار»، وإعادة اللقطات بزوايا 360 صنعت جيلاً يفهم التكتيك والخطة.. الشاب البحريني اليوم يناقش «الضغط العالي» و«المرتدات» بنفس شغف نقاشه عن السياسة.
كما أن وصول المغرب ومصر الى دور الـ16 لم يكن إنجازاً لهما فقط، بل كانت لحظة فخر لكل عربي وخليجي.. لقد رفع سقف الطموح وأثبت أن الكرة العربية قادرة على منافسة الكبار، فزاد الحماس والمتابعة.
ولكن في المقابل هناك الوجه الآخر من هذا الشغف الكروي.. عادات تحتاج إلى ضبط مع هذا الشغف الجميل، تظهر سلوكيات سلبية بسبب فارق التوقيت، السهر المفرط.. مباريات الفجر تعني ناشئاً يسهر وينام حتى المغرب، وموظفاً يأتي إلى العمل بعين متعبتين وإنتاجية منخفضة. بجانب إهمال الأولويات، فبعض الشباب يقدّم المباراة على الدراسة والعمل والعبادة، وكأن البطولة 4 سنوات وليست شهراً. بالإضافة إلى العصبية والتعصب، ذلك أن الحماس الزائد أحياناً يتحول إلى مشاحنات في المقاهي ومواقع التواصل. وهنا يظهر الفرق بين «المشجع الواعي» و«المتعصب المستهلك».
كيف نستفيد ونضبط الإيقاع؟ كأس العالم فرصة تربوية واقتصادية وثقافية إن أحسنا استثمارها.. نقول للأسر: اجعلوا المباراة جلسة عائلية للنقاش عن الروح الرياضية واحترام الخصم والعمل الجماعي.. ونقول للمؤسسات: استفيدوا من انتعاش المطاعم والمقاهي بتنظيم فعاليات مصاحبة، مسابقات تحليل، وعروض صحية.. ونقول للناشئة والموظفين: ضعوا جدولاً. المباراة المهمة تُتابع، وغيرها تُسجل. فكما يقول المثل: «خير الأمور أوسطها».. والشغف لا يتعارض مع المسؤولية.
شهر يبني ثقافة كأس العالم في المجتمع البحريني والخليجي.. إنه أكبر من مجرد لعبة كرة القدم.. هو مرآة لمجتمعنا.. شغفنا في النقاش، وولاؤنا عند تشجيع العرب، صعود المغرب ومصر ذكرنا أن الحلم ممكن.. لكن التحدي الحقيقي ليس في الملعب فقط، بل في أن نخرج من هذا الشهر ونحن أكثر وعياً، وأكثر انضباطاً، وأكثر فخراً بهويتنا.. فلنشجع، ولنستمتع، ولنستفد.. ولكن من دون أن نخسر يومنا، أو صحتنا، أو قيمنا.. فالوطن يحتاجنا يقظين، لا مرهقين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك