الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
عن أكياس النايلون.. والمحلات
في قرار بحريني جريء لوداع الأكياس غير المناسبة بيئيا، أصدرت وزارة التجارة قرارا بمنع تصنيع أو استيراد أو تداول الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، مع استثناء الأكياس المخصصة لجمع المخلفات المنزلية، وأكياس التغليف المعبأة مسبقاً بالأطعمة، وأكياس التصدير. وهو قرار يضع مملكة البحرين على خريطة الدول السباقة في حماية بيئتها، ويعكس وعياً بأن الأمن البيئي لا يقل أهمية عن الأمن الاقتصادي.
هل تعلم عزيزي المواطن أن الكيس البلاستيكي الواحد يحتاج إلى 500 سنة ليتحلل، وفي المقابل لا يستغرق استخدامه أكثر من 12 دقيقة.. وقد أثبتت الدراسات أن هذه الأكياس هي القاتل الصامت للثروة البحرينية، فهي تسد مصارف مياه الأمطار، وتخنق السلاحف والطيور البحرية، وتتحول إلى جزيئات «مايكرو بلاستيك» تدخل في غذائنا ومائنا.. وبمنعها، تخطو البحرين خطوة حقيقية لتقليل النفايات بنسبة تصل إلى 30% من مجمل المخلفات المنزلية الخفيفة، وتحمي شواطئنا وخليجنا العربي الذي هو مصدر رزق وهوية.
لا بد أن نقول بكل صراحة إن أي قرار بيئي يفشل إذا حمل المواطن كلفته وحده. لذلك فإن أهمية القرار لا تكتمل إلا بمحورين: توفير بدائل حقيقية وميسرة: مثل الأكياس القماشية، وأكياس الورق المقوى، والأكياس البلاستيكية القابلة للتحلل. وعلى الوزارة والمحلات أن توفرها بكميات كافية وبأسعار رمزية، لا أن تختفي من السوق فجأة.
بجانب منع الاستغلال وإلزام المحلات، فلا يجوز أن يتحول القرار إلى «فرصة ربح» فيبيع البعض كيساً قماشياً بـ 1 دينار ثمنه 100 فلس.. وهنا يأتي دور الوزارة في إلزام المحلات بتوفير أكياس بسعر الكلفة أو مجاناً لفترة انتقالية، ومراقبة الأسواق بحزم.. فحماية البيئة لا تعني تحميل المواطن أعباء جديدة.
من سبقنا ومن تأخر؟ هذا القرار ليس بدعة، بل هو جزء من موجة عالمية، وهناك دول طبقت القرار بنجاح مثل رواندا التي منعت الأكياس كلياً منذ 2008، وأصبحت أنظف دولة في إفريقيا.. بجانب دول الاتحاد الأوروبي، وكينيا، والمغرب، والسعودية، والإمارات، فقد فرضوا حظراً تدريجياً ونجحوا في خفض الاستهلاك بأكثر من 80%.
وهناك دول لم تطبق القرار بعد، ومازالت مترددة بسبب ضغط لوبي المصانع، أو لعدم توافر البدائل. مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي يختلف التشريع فيها من ولاية لأخرى، وبعض الدول النامية التي تخشى التأثير على الدخل.
إن منع الكيس النايلون اليوم أرخص بكثير من دفع ثمن تلوث البحر والعلاج من أمراضه غداً.. وتذكرني هذه الخطوة بحكاية قرية في اليابان، فقبل 20 سنة قررت القرية أن تحقق هدف «صفر نفايات».. في البداية اشتكى الناس من فصل المخلفات وإلغاء الأكياس، لكن البلدية وفرت أكياساً قابلة لإعادة الاستخدام، ومراكز تبادل، وحملات توعية.. واليوم، فإن تلك القرية اليابانية تجذب السياح بسبب نظافتها، وتحولت من عبء إلى نموذج عالمي في المجال البيئي.
عموما.. قرار وزارة التجارة قرار شجاع ومسؤول، لكن نجاحه مرهون بثلاثة: توعية الناس، توفير البدائل الرخيصة، ومراقبة الأسواق.. إذا تحقق ذلك، فسنقول لأبنائنا بعد سنوات: هذه البحرين التي بدأت بحماية بحرها من كيس بلاستيك ذات يوم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك