العدد : ١٧٦٤٠ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٠ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤٨هـ

زاوية حرة

حسين صالح

كأس العالم بنكهة عنصرية!

فرانتس‭ ‬فانون‭ ‬هو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والأطباء‭ ‬النفسيين‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬يريد‭ ‬المستعمرون‭ ‬إقناعنا‭ ‬بأننا‭ ‬بدونهم‭ ‬سنعيش‭ ‬في‭ ‬الظلام،‭ ‬متناسين‭ ‬تماما‭ ‬أنهم‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬أطفأوا‭ ‬الأنوار‭ ‬وسرقوا‭ ‬الزيت‭ ‬من‭ ‬مصابيحنا‮»‬‭.‬

وحين‭ ‬تشاهد‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭.. ‬ستلاحظ‭ ‬مشهدا‭ ‬كوميديا‭ ‬حزينا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.. ‬منتخب‭ ‬أوروبي‭ ‬يرفع‭ ‬الكأس‭.. ‬ونصف‭ ‬لاعبيه‭.. ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬إفريقية‭.. ‬ثم‭ ‬يبدأ‭ ‬الاحتفال‭: ‬أوروبا‭ ‬انتصرت‭.. ‬أوروبا‭ ‬أبدعت‭.. ‬أوروبا‭ ‬تستحق‭ ‬المجد‭!.. ‬وفي‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى‭.. ‬تقف‭ ‬إفريقيا‭ ‬تصفق‭ ‬للمنتخب‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬أبناءها‭!‬

حتى‭ ‬المهاجم‭ ‬الإيطالي‭ ‬الشهير‭ ‬ماريو‭ ‬بالوتيلي‭.. ‬وهو‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬غانية‭ ‬وعانى‭ ‬من‭ ‬العنصرية‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭.. ‬هنأ‭ ‬فرنسا‭ ‬بكأس‭ ‬العالم‭ ‬2018‭.. ‬لكنه‭ ‬أرفق‭ ‬تهنئته‭ ‬بعبارة‭ ‬أثارت‭ ‬جدلا‭ ‬واسعا‭: ‬‮«‬مبروك‭ ‬لفرنسا‭.. ‬ومبروك‭ ‬لإفريقيا‭ ‬التي‭ ‬فازت‭ ‬بكأس‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‮»‬‭.‬

نعم‭.. ‬التخطيط‭ ‬موجود‭.. ‬لكن‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التخطيط‭ ‬يبدأ‭ ‬بزرع‭ ‬الفتن‭.. ‬وإشعال‭ ‬الحروب‭.. ‬وإشغال‭ ‬الشعوب‭ ‬بصراعاتها‭ ‬وقتال‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا‭.. ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬استقطاب‭ ‬العقول‭ ‬والمواهب‭ ‬والتفاخر‭ ‬بها‭.. ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬دول‭ ‬كثيرة‭ ‬منشغلة‭ ‬بحروبها‭ ‬وخلافاتها‭.. ‬فتخسر‭ ‬أبناءها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تخسر‭ ‬بطولاتها‭.‬

وإذا‭ ‬اقترب‭ ‬منتخب‭ ‬عربي‭ ‬أو‭ ‬إفريقي‭ ‬من‭ ‬التأهل‭ ‬إلى‭ ‬نهائي‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭... ‬تبدأ‭ ‬بعض‭ ‬العيون‭ ‬بالمراقبة،‭ ‬وتصبح‭ ‬بعض‭ ‬الصفارات‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية..‭ ‬وكأن‭ ‬الكأس‭ ‬تحمل‭ ‬جنسية‭ ‬معينة‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تغادرها‭.. ‬ولك‭ ‬في‭ ‬مباراة‭ ‬مصر‭ ‬والأرجنتين‭ ‬مثال‭.. ‬حيث‭ ‬جاء‭ ‬التحكيم‭ ‬كارثيا‭ ‬بحق‭ ‬المنتخب‭ ‬المصري‭!‬

ثم‭ ‬تتردد‭ ‬العبارة‭ ‬الشهيرة‭: ‬‮«‬أبعدوا‭ ‬السياسة‭ ‬عن‭ ‬الرياضة‭!‬‮»‬..‭ ‬يا‭ ‬سلام‭! ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬تعمل‭ ‬تماما‭ ‬مثل‭ ‬تقنية‭ ‬الـVAR؛‭ ‬لا‭ ‬تستدعى‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬المتضرر‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬القوم‭.. ‬أما‭ ‬عندما‭ ‬تتدخل‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬الرياضة‭ ‬من‭ ‬أوسع‭ ‬أبوابها‭.. ‬وتستخدم‭ ‬القرارات‭ ‬والمعايير‭ ‬المزدوجة‭ ‬لخدمة‭ ‬طرف‭ ‬دون‭ ‬آخر..‭ ‬فالجميع‭ ‬فجأة‭ ‬يفقد‭ ‬الرؤية‭.. ‬ويختفي‭ ‬صوت‭ ‬المطالبين‭ ‬بإبعاد‭ ‬السياسة‭ ‬عن‭ ‬الملاعب‭.‬

وفي‭ ‬النهاية‭.. ‬أوروبا‭ ‬ترفع‭ ‬الكأس‭.. ‬وإفريقيا‭ ‬ترفع‭ ‬يدها‭ ‬بالتصفيق‭.. ‬ثم‭ ‬يخرج‭ ‬علينا‭ ‬من‭ ‬يحدثنا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬التفوق‭ ‬الأوروبي‮»‬‭ ‬وكأنه‭ ‬ولد‭ ‬من‭ ‬فراغ‭!.‬‭. ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬المستعمر‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بسرقة‭ ‬الأرض‭ ‬والثروات‭.. ‬بل‭ ‬يسرق‭ ‬الإنسان‭ ‬أيضا‭.. ‬ثم‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬الضحية‭ ‬أن‭ ‬تصفق‭ ‬له‭ ‬وهو‭ ‬يرفع‭ ‬الكأس‭.‬

إقرأ أيضا لـ"حسين صالح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا