زاوية حرة
حسين صالح
من أين ستأتي الجلطة؟!
الغريب في موضوع التدخين أن أغلب النصائح التي سمعتها وأنا مدخن كانت تأتي من مدخنين مثلي.. لكنهم تركوا التدخين!
يلتفت إليك بكل جدية ويقول: «حرام عليك.. وقف تدخين!”
كان عندي زميل في الجريدة.. كلما رآني أدخن ابتعد عني وكأنني أحمل مادة مشعة.. ويقول لي: «كفاية.. بتدمر نفسك!”
وزملاء آخرون لم يكونوا أقل حماسا.. كل واحد منهم يمر ويعطيني محاضرة مجانية عن أضرار التدخين.. ثم يمشي وكأنه أدى رسالة إنسانية عظيمة.
وأنا وقتها مثل أي مدخن محترف.. أسمع الكلام من أذن وأخرجه من الأذن الثانية.. بل أحيانا أقول في نفسي: «يا أخي خلونا نعيش ونستانس.. كفاية زن.”
لكن الحياة تحب السخرية.
بعد أن تركت التدخين.. وبعد رحلة المستشفى والدعامة وفحوصات القلب والشرايين.. انقلب المشهد بالكامل.
فجأة تحولت من مدخن عنيد إلى مستشار قلب متنقل داخل الجريدة!
الآن، أي زميل أشوفه يدخن أوقفه فورا.. أبدأ معه بالكلام الهادئ.. ثم أرفع مستوى التخويف تدريجيا.. أقول له: التدخين يدمر الشرايين.. الدهون تتراكم.. والانسداد لا يعلن عن نفسه.. قد يكون عندك تصلب في الشرايين وأنت تضحك الآن!
أزرع الرعب باحتراف.
بعضهم يذهب إلى البيت خائفا.. وثاني يوم يرجع إلى المكتب ويقول: «والله يا حسين.. أمس ما نمت.. كنت أفكر في كلامك وخفت.”
وأنا طبعا أعيش الدور بالكامل.. أهز رأسي بحكمة طبيب استشاري وأقول: “قلت لك.. روح افحص فورا.. لا تلعب مع قلبك.. هذا مو صداع وتاخذ له البندول! القلب إذا زعل منك فإنه لا يعطيك إنذارا ثانيا.. لا تقل لي بكرة ولا الأسبوع الجاي.. احجز موعدا اليوم!”
لكن المضحك فعلا أنني بعد كل هذا التخويف.. ألتفت إليه فأراه واقفا في الخارج.. يدخن سيجارة!
ثم يقول لي بكل برود: «أرجوك يا حسين… وقف نصايح. تعبت منك ومن نصايحك… أروح البيت وأنت في راسي! أفكر طول الليل… أنام وأصحى على دقات قلبي… كل شوي أحط يدي على صدري وأقول: هذا طبيعي ولا بداية جلطة؟».
وهنا فهمت شيئا مهما جدا..
المدخن لا يحتاج إلى من يشرح له أن التدخين مضر.. هو يعرف، ويحفظ التحذيرات عن ظهر قلب.. ويرى الصور على العلبة كل يوم.
لكن المشكلة ليست في نقص المعلومة..
المشكلة أن كل مدخن مقتنع اقتناعا عجيبا بأن الجلطة ستأتي للناس جميعا... وليس له وحده!
وفي النهاية، ندعو الله أن يبعد عنكم كل الأمراض.. ويحفظ قلوبكم وأجسادكم.. ويبعد عنكم سموم التدخين قبل أن تسرق منكم الصحة بصمت.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك