الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
وهم «إيران التي لا تُهزم»
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، وما رافقها من اعتداءات إيرانية آثمة طالت مملكة البحرين ودول الخليج العربي والأردن، خرجت إيران مثخنة بالجراح: عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ومجتمعياً. إلا أن اللافت والمثير للقلق أننا ما زلنا نطالع أصواتاً إعلامية وتحليلات سياسية تحاول تسويق وهم معاكس تماماً، بأن إيران «لم تنهزم»، و«لم تتأثر»، بل خرجت «أقوى وأشد منعة».
هذا الطرح ليس قراءة موضوعية، بل هو خطاب نفسي خادع وملتبس، يمثل امتداداً للحرب النفسية التي تشنها طهران ووكلاؤها ضد شعوب المنطقة. خطورته تكمن في أنه يزيف الحقائق، ويبث روح الانهزام، ويرسخ في الوعي الجمعي صورة «إيران القوة القاهرة التي لا تُقهر مهما جرى».
عسكرياً: تلقت إيران ووكلاؤها ضربات موجعة أفقدتها قيادات من الصف الأول، ودمرت بنى تحتية عسكرية حساسة، وكشفت هشاشة منظومتها الدفاعية. والحديث عن «انتصار» إيراني هو إنكار للواقع الذي شاهده العالم على الشاشات.
اقتصاديا: العقوبات والضربات أدخلت الاقتصاد الإيراني في نفق مظلم. انهيار العملة، التضخم الجامح، شح السلع، وتراجع تصدير النفط، كلها حقائق لا يمكن تغطيتها بشعارات «الصمود». أي قوة هذه التي يعجز مواطنها عن توفير أساسيات الحياة؟
سياسياً: فقدت إيران كثيرا من رصيدها الإقليمي والدولي. انكشفت أوراقها، وتراجعت قدرتها على المناورة، وأصبح مشروعها التوسعي محل إدانة أوسع. حتى حلفاؤها بدأوا يراجعون حساباتهم بعدما رأوا كلفة الرهان عليها.
مجتمعياً: الداخل الإيراني يغلي. الاحتجاجات المتكررة، والهجرة الكثيفة للعقول، واليأس الذي يضرب شرائح الشباب، كلها مؤشرات على نظام فقد ثقة شعبه قبل أن يفقده العالم.
إذا، لماذا الإصرار على ترويج «أسطورة إيران المنتصرة»؟ الجواب: لأن إيران تدرك أن المعركة اليوم معركة وعي. فبعد أن فشلت في كسب الحرب العسكرية، تحاول كسب الحرب النفسية. تريد أن تبقى «الفزاعة القائمة مدى الدهر»، حتى نستسلم نفسياً قبل أن تبدأ أي مواجهة. تريد أن تقنعنا أن كل مقاومة لها عبث، وأن كل حديث عن ضعفها خيانة. وهذا هو جوهر التضليل.
إن ترديد هذا الخطاب، بقصد أو بجهل، هو خدمة مجانية لمشروع طهران. هو طعن للرأي العام الخليجي والعربي من الداخل، وهو تسليم بأن المنطقة رهينة لمزاج الحرس الثوري. والحقيقة أن إيران قوة إقليمية لها وزنها، لكنها ليست قوة أسطورية. هي دولة تعاني من أزمات بنيوية عميقة، ومشروعها التوسعي نزف كثيراً، ورقة «المظلومية» و«المقاومة» لم تعد تنطلي على أحد.
المطلوب اليوم موقف إعلامي وفكري مسؤول. لا نريد تهويناً ساذجاً للخطر الإيراني، ولا تهويلاً يصنع منه «إلهاً» لا يُهزم. نريد توصيفاً دقيقاً للحقائق: إيران تلقت هزيمة استراتيجية، وخسرت كثيرا، وأي مدح متكلف لسياستها ومناوراتها هو تزييف للتاريخ وتضليل للشعوب.
وكما يقول المثل العربي الحكيم: «ليس كل ما يلمع ذهباً». فالبهرجة الإعلامية الإيرانية وضجيج وكلائها لا يجب أن يعمينا عن رؤية الواقع: نظام متصدع، واقتصاد منهك، ومجتمع ناقم، ومشروع محاصر.. لذلك فإن تحصين وعي شعوبنا يبدأ بقول الحقيقة كاملة. فالأوطان لا تُحمى بالشعارات، بل بالوعي. ولا تُبنى السيادة على أوهام، بل على إدراك موازين القوى كما هي، لا كما يريدها إعلام العدو.. إيران هُزمت، والحقيقة أقوى من كل دعاية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك