العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

وهم «إيران التي لا تُهزم»

منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬اعتداءات‭ ‬إيرانية‭ ‬آثمة‭ ‬طالت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والأردن،‭ ‬خرجت‭ ‬إيران‭ ‬مثخنة‭ ‬بالجراح‭: ‬عسكرياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬واقتصادياً‭ ‬ومجتمعياً‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬اللافت‭ ‬والمثير‭ ‬للقلق‭ ‬أننا‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نطالع‭ ‬أصواتاً‭ ‬إعلامية‭ ‬وتحليلات‭ ‬سياسية‭ ‬تحاول‭ ‬تسويق‭ ‬وهم‭ ‬معاكس‭ ‬تماماً،‭ ‬بأن‭ ‬إيران‭ ‬‮«‬لم‭ ‬تنهزم‮»‬،‭ ‬و«لم‭ ‬تتأثر‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬خرجت‭ ‬‮«‬أقوى‭ ‬وأشد‭ ‬منعة‮»‬‭. ‬

هذا‭ ‬الطرح‭ ‬ليس‭ ‬قراءة‭ ‬موضوعية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬خطاب‭ ‬نفسي‭ ‬خادع‭ ‬وملتبس،‭ ‬يمثل‭ ‬امتداداً‭ ‬للحرب‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬تشنها‭ ‬طهران‭ ‬ووكلاؤها‭ ‬ضد‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭.‬‭ ‬خطورته‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬يزيف‭ ‬الحقائق،‭ ‬ويبث‭ ‬روح‭ ‬الانهزام،‭ ‬ويرسخ‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬صورة‭ ‬‮«‬إيران‭ ‬القوة‭ ‬القاهرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُقهر‭ ‬مهما‭ ‬جرى‮»‬‭. ‬

عسكرياً‭: ‬تلقت‭ ‬إيران‭ ‬ووكلاؤها‭ ‬ضربات‭ ‬موجعة‭ ‬أفقدتها‭ ‬قيادات‭ ‬من‭ ‬الصف‭ ‬الأول،‭ ‬ودمرت‭ ‬بنى‭ ‬تحتية‭ ‬عسكرية‭ ‬حساسة،‭ ‬وكشفت‭ ‬هشاشة‭ ‬منظومتها‭ ‬الدفاعية‭. ‬والحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬انتصار‮»‬‭ ‬إيراني‭ ‬هو‭ ‬إنكار‭ ‬للواقع‭ ‬الذي‭ ‬شاهده‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬الشاشات‭. ‬

اقتصاديا‭: ‬العقوبات‭ ‬والضربات‭ ‬أدخلت‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬نفق‭ ‬مظلم‭. ‬انهيار‭ ‬العملة،‭ ‬التضخم‭ ‬الجامح،‭ ‬شح‭ ‬السلع،‭ ‬وتراجع‭ ‬تصدير‭ ‬النفط،‭ ‬كلها‭ ‬حقائق‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تغطيتها‭ ‬بشعارات‭ ‬‮«‬الصمود‮»‬‭. ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬يعجز‭ ‬مواطنها‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬أساسيات‭ ‬الحياة؟‭ ‬

سياسياً‭: ‬فقدت‭ ‬إيران‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬رصيدها‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭. ‬انكشفت‭ ‬أوراقها،‭ ‬وتراجعت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬المناورة،‭ ‬وأصبح‭ ‬مشروعها‭ ‬التوسعي‭ ‬محل‭ ‬إدانة‭ ‬أوسع‭. ‬حتى‭ ‬حلفاؤها‭ ‬بدأوا‭ ‬يراجعون‭ ‬حساباتهم‭ ‬بعدما‭ ‬رأوا‭ ‬كلفة‭ ‬الرهان‭ ‬عليها‭. ‬

مجتمعياً‭: ‬الداخل‭ ‬الإيراني‭ ‬يغلي‭. ‬الاحتجاجات‭ ‬المتكررة،‭ ‬والهجرة‭ ‬الكثيفة‭ ‬للعقول،‭ ‬واليأس‭ ‬الذي‭ ‬يضرب‭ ‬شرائح‭ ‬الشباب،‭ ‬كلها‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬فقد‭ ‬ثقة‭ ‬شعبه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفقده‭ ‬العالم‭. ‬

إذا،‭ ‬لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬ترويج‭ ‬‮«‬أسطورة‭ ‬إيران‭ ‬المنتصرة»؟‭ ‬الجواب‭: ‬لأن‭ ‬إيران‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬المعركة‭ ‬اليوم‭ ‬معركة‭ ‬وعي‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬الحرب‭ ‬العسكرية،‭ ‬تحاول‭ ‬كسب‭ ‬الحرب‭ ‬النفسية‭. ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬‮«‬الفزاعة‭ ‬القائمة‭ ‬مدى‭ ‬الدهر‮»‬،‭ ‬حتى‭ ‬نستسلم‭ ‬نفسياً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭. ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تقنعنا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مقاومة‭ ‬لها‭ ‬عبث،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬ضعفها‭ ‬خيانة‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬التضليل‭.‬

إن‭ ‬ترديد‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب،‭ ‬بقصد‭ ‬أو‭ ‬بجهل،‭ ‬هو‭ ‬خدمة‭ ‬مجانية‭ ‬لمشروع‭ ‬طهران‭. ‬هو‭ ‬طعن‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬الخليجي‭ ‬والعربي‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬وهو‭ ‬تسليم‭ ‬بأن‭ ‬المنطقة‭ ‬رهينة‭ ‬لمزاج‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭. ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬لها‭ ‬وزنها،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬قوة‭ ‬أسطورية‭. ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬بنيوية‭ ‬عميقة،‭ ‬ومشروعها‭ ‬التوسعي‭ ‬نزف‭ ‬كثيراً،‭ ‬ورقة‭ ‬‮«‬المظلومية‮»‬‭ ‬و«المقاومة‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تنطلي‭ ‬على‭ ‬أحد‭. ‬

المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬موقف‭ ‬إعلامي‭ ‬وفكري‭ ‬مسؤول‭. ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬تهويناً‭ ‬ساذجاً‭ ‬للخطر‭ ‬الإيراني،‭ ‬ولا‭ ‬تهويلاً‭ ‬يصنع‭ ‬منه‭ ‬‮«‬إلهاً‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يُهزم‭. ‬نريد‭ ‬توصيفاً‭ ‬دقيقاً‭ ‬للحقائق‭: ‬إيران‭ ‬تلقت‭ ‬هزيمة‭ ‬استراتيجية،‭ ‬وخسرت‭ ‬كثيرا،‭ ‬وأي‭ ‬مدح‭ ‬متكلف‭ ‬لسياستها‭ ‬ومناوراتها‭ ‬هو‭ ‬تزييف‭ ‬للتاريخ‭ ‬وتضليل‭ ‬للشعوب‭. ‬

وكما‭ ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬العربي‭ ‬الحكيم‭: ‬‮«‬ليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يلمع‭ ‬ذهباً‮»‬‭. ‬فالبهرجة‭ ‬الإعلامية‭ ‬الإيرانية‭ ‬وضجيج‭ ‬وكلائها‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعمينا‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬الواقع‭: ‬نظام‭ ‬متصدع،‭ ‬واقتصاد‭ ‬منهك،‭ ‬ومجتمع‭ ‬ناقم،‭ ‬ومشروع‭ ‬محاصر‭.. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬تحصين‭ ‬وعي‭ ‬شعوبنا‭ ‬يبدأ‭ ‬بقول‭ ‬الحقيقة‭ ‬كاملة‭. ‬فالأوطان‭ ‬لا‭ ‬تُحمى‭ ‬بالشعارات،‭ ‬بل‭ ‬بالوعي‭. ‬ولا‭ ‬تُبنى‭ ‬السيادة‭ ‬على‭ ‬أوهام،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬يريدها‭ ‬إعلام‭ ‬العدو‭.. ‬إيران‭ ‬هُزمت،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬دعاية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا